السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  15- 3- 2004

 

مسرح عاشوراء- بين الطقوسية والتمسرح

عباس الحايك- القطيف

 

في ذكرى عاشوراء السنوية ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي وثلة من اهل بيته وأصحابه على يد جيش يزيد بن معاوية، يحيي المسلمون هذه الذكرى بزيارة ضريحه في مدينة كربلاء العراقية مسرح الحدث وإنشاد التراتيل الحزينة والخطب التي تسرد الحادثة وبعض معطياتها ممزوجة بالوعظ الديني، كذلك بإعادة تمثيل المأساة بواسطة طقس الشبيه أو مسرح عاشوراء، وهو مسرحة الواقعة، كما أنجزها هذا العام في النبطية/لبنان المخرج اللبناني رئيف كرم مع مجموعة من الممثلين المحترفين، وكما قدمت في كثير من المدن الإسلامية، كما أن المخرج البحريني حسين الحليبي سيقدم مسرحية( الملحمة الخالدة) والتي تحمل ذات الطابع ، ولنتعرف أكثر على هذا الطقس سافرد مقالتي لقراءته تاريخياً و فنياً.

 

بدأ المسرح إرهاصاته الأولى على خلفية دينية، إذ كان طقساً تعبدياً مارسه اليونانيون لتقديم القرابين لإله الخصب (ديونيسوس) كحاجة تقرب الفرد من الآلهة لاقتناص المنفعة والأمل في الحظي بحمايتها، وتجسيداً للصراع، الركيزة الأساس للمسرحية – نظرياً -، الصراع بين الآلهة والبشر، والصراعات السياسية والأيديولوجية، وصراع الأبطال الأسطوريين توقاً وتأكيداً لحرياتهم. كما واستخدم هذا الطقس أيضاً في الكنيسة كالمسرحيات الدينية التي تسمى ( الرغبات الربانية) لتوضيح المعتقدات المسيحية. لذا لا يمكن في البدء فصل المسرح عن الفكر الديني والإنساني فهو طقس مورس استجابة للمنفعة في تعبيره عن تنازع البقاء وتمكين الحياة من الانتصار، حتى تدرج إلى وظيفته الجمالية، مروراً بوظائفه التربوية الوعظية أو التطهيرية.

أما بالنسبة للمسلمين الأوائل فلم يعرفوا المسرح، لأنه وحسب المعتقد الديني العام طقس وثني مخالف لا ينسجم مع الدين الإسلامي القائم على عبادة الخالق الواحد. إضافة إلى أنه لا صراع قائم بين المسلم من جهة وإرادة خالقه من جهة أخرى، و لا صراع بينه وبين قدره، كما أن التجسيد ووفق الواقع الوثني للعرب الجاهليين أعتبر محرماً في الشرع الإسلامي. ويلحظ في نقل المسلمين للتراث الفكري لليونانيين أنهم تغاضوا عن ترجمة كتاب كـ ( فن الشعر ) لأرسطو، لأن ما تطرق له الكتاب لا يعد هاجساً عندهم آنذاك. كما أن وظيفة المسرح كحاجة لتفسير العقيدة الإسلامية أو ترسيخ مبادئها، أو للتقرب من الله بممارسته كطقس تعبدي قد انتفت تماماً، ذلك أن الإٌسلام قد أوجد شعائر عبادية يتقرب فيها المسلم من خالقه، ويطلب منه الغفران ويطلب حاجاته، كالصلاة والحج والصوم وغيرها من الشعائر الإسلامية. ولكن بعد مأساة استشهاد الإمام الحسين في كربلاء، التمس المسلمون الحاجة الماسة لتجسيد المأساة في ذكرى استشهاده السنوية في عاشوراء عبر طقس ( الشبيه ) أو (مسرح عاشوراء) الذي نشأ في إيران منذ ما يقرب من الثلاثة قرون من خلال الموروث الشعبي الذي امتلكه الإيرانيون والذي كان المسرح جزءاً منه. وهذا الطقس تراجيديا إسلامية ذات طابع إخباري، وتربوي وعظي تهدف إلى التعريف بأحداث المأساة الدموية التي راح ضحيتها الحسين ومن معه من أهل بيته وأصحابه، واستقاءً للدروس والعبر التي ثار الحسين لتلقينها للأمة، فمقتله تجسيدٌ للحق والبطولة والرفض والثبات على المبدأ والعقيدة، وتجسيدٌ للصراع بين الخير المطلق والشر المطلق.

اختلف عدد من المنظرين للمسرح في إمكان إطلاق مفردة مسرح على طقس الشبيه، إذ عدوه طقساً دينياً وحسب، لا يمكن أن يصار إلى اعتباره مسرحاً، منطلقين من النظم والقواعد المحددة للفن المسرحي، لكن وبمقاربتنا إياه مع المفهوم الأكاديمي للتراجيديا الأرسطية، نجد توفر العناصر الأربعة التي حددها أرسطو في كتابه (الشعر):

1-الموضوع وهناك موضوع الماساة التي يعاد تمثيلها 2-المادة التي تتمثل في لغة ذات خصائص معينة وهي لغة خاصة ممزوجة بالتراتيل الدينية الحزينة 3-الطريقة وتتمثل في العرض الدرامي4-والهدف والذي يتمثل في تحقيق التطهير. فضلاً عن الوحدات الثلاث للتراجيديا ( الزمان، المكان، والحدث ) ، كما ويمكن تطبيق مفهوم التغريب للمسرح الملحمي ( البريختي ) على هذا الطقس في تجسيده للحدث دون أي اندماج للممثلين فيه، فهم كهواة يدركون جيداً مهمتم في هذا الطقس، إضافة لكسرها للجدار الرابع في الإندماج الانفعالي والوجداني بين الحدث والمتلقين، ليكونوا في بعض الحالات صانعيه، فالجمهور في مسرح عاشوراء يشاركون في الصياغة من خلال اللطم والخروج بمسيرات بعد الطقس لتفعيل حالة الحزن الذي أججها إعادة التمثيل، خاصة وان المسرح الدائري يساهم في دخولهم للعبة المسرحية.

ويمكن لهذا الطقس أن يؤسس لمسرح شعبي أصيل كونه مسرحاً حسب المعايير الآنفة الذكر، لعفويته وانطلاقه من أرضية دينية واجتماعية وثقافية لو تم الاشتغال عليه كما اشتغل على مسرح الحكواتي وخيال الظل على سبيل المثال، سعياً إلى تجذر هذا الفن في الوعي العربي والاسلامي، فالمسرح ضرورة من منطلق كونه ( أداة للتغيير والنقض وإعادة خلق الأشياء وفقاً لسوية تبدل المجتمع ، وتدعه قابلاً لتحقيق ما تتوق إليه الذات الفردية دون أن تعطل الكينونة الاجتماعية )- الفن والحياة والمسرح، نظريات ونظرات : إيليا الحاوي، وهذا ما سعت إليه ملحمة كربلاء والقيم التي نادت بها، في سعيها لنبذ الاستبداد الفردي والوقف ضد النسق الاجتماعي الظالم.

ولأن مسرح عاشوراء يجسد مأساة مقتل الإمام الحسين وما حل لأهل بيته من بعده في قالب حكائي مكرور، ومختزن في الذاكرة الشعبية بكل تفاصيلها وأحداثها بتراتبيتها، من خلال تلقيها عبر الخطابة التقليدية أو القراءة الذاتية. فهل هذا التكرار والتشبع يبعث إحساساً بالملل عند المتلقين لطقس مسرح عاشوراء ؟!! – قطعاً لا ! .. فالملاحظ أن التفاعل يتجدد في مواسم عاشوراء، لما تمتلكه المأساة أو حركة التغيير الحسينية من أبعاد عقيدية وفكرية ووجدانية لا تنقطع بانقطاع الزمن ( الموسم )، فاسترجاع المأساة يثير في النفوس الشجن. وفي كتابه ( ليس هناك أسرار ) يورد بيتر بروك تجربته مع مسرح عاشوراء إثر زيارته إلى إيران 1970م بما يمكن اعتباره رداً على التساؤل السالف( كانت الحلقة تعمل بناء على قوانين أساسية معينة وعلى ظاهرة حقيقية كانت تحدث آنذاك، ذات طابع مسرحي، كان حدثاً من الماضي البعيد جداً وهو في طور إعادة تمثيله، حدث يكاد أن يكون في الحاضر، كان الماضي ماثلاً أمامنا هنا الآن، كان قرار البطل من أجل هذه اللحظة، لم يكن المشهد هو وصف الماضي، ولم يكن هو رسم الماضي، لقد انتفى الزمن، كانت القرية تشارك بشكل مباشر وكلي، هنا والآن، في موت حقيقي، لشخص حقيقي قد مات منذ مئات السنين، كانت القصة تقرأ للناس مرات عديدة، وتشرح لهم بالكلمات والعبارات، ولكن الشكل المسرحي فقط الذي يجعل من هذا العمل البطولي جزءاً من تجربة معاشة )، ولأن ( الطقوس حسب علم النفس الاجتماعي تكون طرائق للدفاع يلجأ إليها الانسان ليتقي المحرم أو ليتخلص منه أو يأتي بطقس بديل يعتقد بإمكانية تعويض ما ارتكبه من ذنوب ( إذن ) تصبح الطقوس أدوات لتطهير النفس من تلك التهديدات الوجودية ) ويمكن ( تفسير المسرح العاشورائي كطقس من خلال دوافع وأهداف اجتماعية ونفسية ترتبط بعوامل عديدة منها الدفاع عن الذات وحمايتها والتوكيد على هويتها والتعويض عن العجز والنكوص، وإعادة الترابطات الاجتماعية والثقافية ) – تراجيديا كربلاء: ابراهيم الحيدري. ومن هنا يُرد التساؤل، فتلقي مسرح عاشوراء هو فرجة نفعية وممارسة شعيرة أكثر من كونه فرجة جمالية وامتاعية.

ولتفعيل هذا الطقس بشكل يتزامن مع المتغيرات الفكرية والاجتماعية، وجب توظيفه والاشتغال على تطويره بما يخدم الحاجة، من خلال استخلاص الزخم الكبير الذي تملكه مأساة كربلاء من أحداث وبطولات وأشخاص ارتبطوا بالمأساة عن قريب أو بعيد، أو في انتاج نصوص ترتكز على قيم النهضة الحسينية، على شاكلة نص ( مساء التأمل ) للفنان العراقي قاسم محمد الذي اختصر كل الثوار والمستضعفين في رمز الشهيد، من خلال إعادة سرد قصة الحسين في إطار عصري.

من هنا نستخلص أن طقس الشبيه، مسرح بمقاييس النظريات المسرحية الكلاسيكية، تمتلك تراتباً في الأحداث وذروة درامية ولا يمكن إغفاله. مسرح عاشوراء يمتلك استمراريته، ويحتاج إلى توظيفه من قبل مسرحيين واعين ويملكون رؤية لنبش الذاكرة التاريخية والقيمية لهذا الحدث لتأسيس مسرح عربي أصيل، مع الإبقاء على الحالة الطقوسية للاحتفال بيوم عاشوراء.