في بيت سويدي
برهان الخطيب
مسرحية في 9 مشاهد
بيت ريفي صغير ، أحمر الألواح كما ترون ، أبيض النوافذ ، قائم على ربوة
مطلة على منخفض تتلاعب فيه مياه بحر البلطيق ، طلاؤه متساقط هنا وهناك ،
وأغصان أشجار حديقته امتدت حتى نوافذه وكادت تغطي التحتانية منها ، لا
جيران قريبين إليه ، والباب يمكن فتحه بدفعة واحدة ، تماما كما وصفه
مالكه ، لكن غرفه الأربع أو الخمس محمية من الريح حين يحكم إغلاق الباب
والنوافذ ، وهناك مدفأة وطباخ ومصابيح طبعا ، وفراش في دولاب وأسرّة
كافية ، فيه ما يحتاجه ساكن متواضع مثل عائلتهم الصغيرة فترة عيش قصيرة
، قال عنها المالك وهو ينقل من سيارته إلى المدخل كرتونة مليئة بمواد
غذائية ، أنه يرجو ويأمل أن لا تطول ، لأنه نفسه يفكر في العودة إلى بيت
أجداده الريفي هذا حين يعلن الصيف عن قدومه الوشيك . اعتبروها فترة راحة
من شجار اللاجئين في المعسكر حتى تجد البلدية سكنا ثابتا لكم ، هناك باص
يتوقف قلت على مبعدة ثلاثة كيلومترات يصل المعسكر والبلدة إذا دعت ضرورة
لنزول إليهما ، قربه تلفون عمومي ، وهذا رقمي إذا دعت حاجة ماسة ، ولسوف
أزوركم مرة كل أسبوع لتزويدكم ببعض المواد الغذائية حتى يتم نقلكم من
هنا.. ليس في الغابة وراء البيت لصوص ولا مجرمون.. ولا فيه أشباح ولا
أرواح .
بسملت انتصار همسا هذه التي واقفة أمامكم ، وابتسم صاحب البيت ، وهو
أصلع كما ترون ذو نظارة طبية وعينين زرقاوين صارمتين لا تشيان بميل لمزاح
، قبل عودته إلى سيارته ومضيه إلى الطريق العام.
العائلة وحدها أمام البيت ، وانتصار تنظر بشك وارتياب ولوم إلى زوجها
يوسف كأنها تعنفه على قبوله السكن ولو مؤقتا في هذا البيت البعيد الغريب
المهجور.. ابتعد هدير محرك السيارة . ولسوف نسمع الآن انتصار تقول لزوجها
بعصبية وتهكم :
1
- هيا إلى الحديقة لزرعها بالبطاطا.. كي لا نموت جوعا إذا نسونا هنا !
- مرة أخرى.. ها ؟.. لم يكفكِ نقار المعسكر ؟ !
يبدأ يوسف بنقل أغراضهم إلى داخل البيت ، بينما يثب ابنهما الصغير إلى
السلم لرؤية ما في الطابق الأعلى وهو يقول :
- يمكنكما الصياح ما شئتما هنا.. لا أحد يسمعكما.. إنغن . إنغا
.
بينما ردت انتصار على زوجها مشاركة في النقل :
- أعصاب الناس بعد سفرات التعب والموت من الحرب إلى الملجأ أو المعسكر
مشدودة مثل وتر قوس . فلماذا لومنا على مصائبنا ومحاولة تكميم أفواهنا ؟
!
- كان هناك في المعسكر أناس عقلاء جوار المجانين الذين رأيناهم والكل
متعب . العاقل يستحق الثناء إذاً . ومَن أثار مشاكل اللوم وتكميم الفم.
- أنت لم تكن مع العقلاء ولا مع المجانين. فمن أنت إذاً. لم أفهم !
- عشرين عاما عشنا سوية وتقولين الآن.. لا أفهمك ؟ !
- غير غريب ولا عجيب والله في يومنا هذا تعيشين يا امرأة عشرين عاما
وأكثر مع رجلك وتكتشفين فجأة لا تعرفينه تماما!
- لكِ حق.. أنا أيضا أكتشف لا أعرفِك تماما !
سكتا ينظر أحدهما إلى الآخر في تساؤل عما يضمره ، وأفصحت انتصار
مستثارة :
- إذا وجدت نفسك غيورا بسبب نظرة هذا أو ذاك إلي لست أنا الملامة.
- لا.. الملامة هذه الشيبة في شعري بسبب قهرك.
- قهري ؟ ! أنا التي تحملت منك كل تلك العشرين سنة ما تحملت !
- أحرقت عمري من أجل عائلتنا وتقولين الآن تحملت ما تحملت مني..
الدنيا تنقلب ، تنزلق ، لا أدري !
- حدث الكثير تعرف وما زلتَ تتساءل . . انقلبت ! طبعا انقلبت.
- هيا لوميني أيضا على حربين شبت في الخليج.. لوميني أيضا على بيت
هجرونا منه.. لوميني على مدخر أصبح أخف من الريش.. لوميني على كراهية
تزداد بيننا يوما فيوما.. لوميني على فقدان ابننا في الحرب.. لوميني..
لوميني..
- لو نظرنا بإنصاف إلى الأمور.. بلي ألومك على كل ما قلته الآن بل..
ألوم كلَّ أصدقائك.. كلُّ الرجال أنذال.. أنت سبب خراب بيتي.. أنتم سبب
الكارثة كلها.. لو كنتم متفاهمين.. عاقلين.. لم تؤيدوا الدكتاتور ولم
تكونوا شبهه في البيت والشارع ما حدث كل الذي حدث حتى الآن.
- مَن فتح فمه أصبح بخبر كان . ما هذا اللغو الذي تقولينه ؟ كنت
تريدين أصبح مناضلا وقت الجميع أرادوا ذبح المناضلين .. وقت قلتِ لي غض
بصرك واخفض صوتك كي لا تلفت انتباها إلينا !
- نعم قلت هذا هناك وقت لم أكن أستطيع الكلام حتى عن ألمي.
- حالنا واحد إذاً . حال الجميع . فلا تذبي اللوم عليّ.. ولا تستغلي
حرية الكلام الآن هنا للهذر في ما تعرفين ولا تعرفين.
- شفت ؟.. نظرة التعالي هذه راسخة فيك.. أنت مدرس رياضيات وأنا مدرسة
إنكليزي . فبماذا أنت أفضل مني . ها ؟ . أنت وكل رجال الشرق في
النهاية..لا تستطيعون التخلص من عقدة التعالي على المرأة . حتى نثبت لكم
العكس يوما . أي أنكم لا تستأهلون حتى أقدامنا !
- سمعتُ هذا. ولا تكلميني عن غيري. أنا مسؤول عن نفسي فقط.
- إذا كنت مسؤولا عن نفسك.. دعني أنا أيضا إذاً أكون مسؤولة عن نفسي
، لا تحاسبني على نظرة هذا أو ذاك إليّ !
- ماذا جرى يا عالم ؟ !.. لماذا الآن فقط أسمع منك هذه الأغنية ؟
عندما كنا في بلدنا كنتِ أخرى.. تنزعين جلدك منذ عبرنا الحدود ووصلنا
المعسكر.. تظهرين الآن بمظهر آخر ؟ !
- لست أفعى أولا . ثم سنوات الكبت كيف أنساها ، قل لي ؟!
- كبت ؟ حبنا كان قائما على كبت إذاً ؟ ! حياتنا كلها كانت قائمة على
كذبة إذاً ؟ !
تسكت انتصار برهة ثم تقول بأسى مطأطئة :
- لا أنكر . . أحببتك.. لا أنكر..
- والآن ماذا جرى لتغيّري نظرتك بل وجهك كله. بل أنت كلك ؟
- لا أدري.. لا أدري.
وانخرطت انتصار في بكاء ، هرع يوسف وجثا قرب ركبتيها حيث كانت جالسة
على كرسي جوار النافذة المطلة على البحر ولاطفها :
- حبيبتي . موطتي . خلينا نعلن بيننا هدنة.. مؤقتة في الأقل.. بمناسبة
وصولنا هذا الطرف من الجنة.. انظري إلى ما حولنا !
مسح يوسف عن عينيها دموعها ، هزت انتصار رأسها مقتنعة في الظاهر
بكلامه، وقالت بعد قليل بصوت خافت متفكرة :
- لتكن دائمة.. لكن ما على السطح.. لن يكون ما تحته للأسف.. أنظر
بنفسك إلى هذا البحر.
كان البحر وراء النافذة يمور ويضطرب قليلا.
ظهر ابنهما أعلى السلم قائلا بدهشة :
- تعالوا انظروا.. ماذا وجدت !
2
شعاع القمر يتسرب بنعومة من نافذة غرفة النوم في الطابق الأعلى ويفرش
ملاءة فضية على السرير العريض حيث تمددت انتصار بعد انشغال النهار ، يظهر
يوسف معطرا من الحمام ، ويقول وهو يرقد جوارها :
- مَن يعطني قبلة يصيبه أجر والله.
نظرت انتصار إليه بلوم وقالت :
- أجري كبير حتى الآن ، كاف لدخولي الجنة.
- نحن فيها الآن.. ألا ترين ما حولك.. الماء والخضراء ووجهك الحسن.
- لماذا الأجر إذاً ؟..
- واضح . لأن المرأة لم تعد تعطي رجلها شيئا دون أجر !
- المرأة امرأة.. أمس واليوم وغدا.. هنا وهناك وفي كل مكان..
يعلق يوسف بلهجة العارف بكل شئ :
- كلا يا عزيزتي.. المرأة هناك ليست كالمرأة هنا.. وهي الأمس ليست
كما هي اليوم.. واضح من تصرفاتك في الأقل .
- وما الفرق بيني هناك عني هنا ؟.. وفي الأمس عني
هذا اليوم ؟ أيها الشهريار الجليل !
- هناك وفي الأمس كنتِ خاضعة يا شهرزادي.. وهنا وفي هذا اليوم متمردة
أنتِ بل وتريدين السيطرة يا زادي.
- نعود إلى كلام النهار ؟
- كلا.. على الليل أن يمحو كلام النهار.. كما يمحو النهار كلام
الليل.. هذا هو العدل..
وحاول يوسف تقبيلها فأبعدته عنها :
- لست راغبة هذه الليلة.
- هذا القمر.. وهذا البحر.. هذا السكون.. وهذه العزلة.. الولد النائم
وهذه الشرفة اكتشافه المدهش.. والسرير العريض.. وتقولين لا أرغب !
- سرير غرباء هو.. رقد فيه عشرات قبلنا.. أكاد أرى وجوههم هنا على
الوسادة.
- آدم وحواء هُجرا أيضا ولم يجدا حتى السرير على الأرض فلماذا الشكوى
يا انتصار ؟
- هي أكلت من شجرة المعرفة فماذا أكلتُ أنا غير الحصرم ؟ !
- بل عين الثمرة ربما !..
- تريد قول لا شئ تغير منذ خلق رب العالمين البشر حتى الآن ؟
- بعض التفاصيل تغيرت طبعا.
- مثلا ؟
- مثلا كان الواحد منا يجامع امرأته وهي تقعي مقلدا الحيوان واليوم..
تركبيني أنتِ كفارسة.
- وأنتَ فعلت ذلك بي وأنا مقعية !
- قليل أو كثير من حيوانية موجودة في كل الرجال.. بل وفي النساء أيضا.
- فماذا تحبذ يا حضرة العارف . . على المدى الستراتيجي البعيد..
الحيونة أم الفروسية ؟
- أحبذ المحبة.. سواء كانت مطعمة بهذه أو بتلك.
- يا سلام.. أنت المحبوب المعبود إذاً ؟! ولي مصير المحبة العابدة.
- بل كلانا عابد ومعبود في وقت واحد.
- هذا نظريا فقط . أما عمليا الاستغلال موجود.
- كنا متصافين في بلدنا والآن تبحثين عن سبب لنقار ؟ !
- هناك كنتُ طامسة في المشاغل والآن عندي وقت لأفكر في حالي ومالي.
- على التفكير أن يقود إلى نتائج طيبة . وإلاّ كان تخريبا.
- النتائج الطيبة لك قد لا تكون طيبة لي.
- لماذا شطر مصلحتنا وجعلها مصلحتين ؟ !
- لأن كل إنسان قائم في ذاته . لا في آخر.
- هذا كلام أجانب لا كلامنا . وراءه أوضاع غير أوضاعنا.
- هم سبقونا إذاً ونحن على طريقهم.
- طريقنا نفس طريقهم ؟ !
- قالوا قديما كل الطرق تؤدي إلى روما واليوم أراها تؤدي إلى نفسي .
وهكذا أنت تراها مؤدية إلى نفسك . وغيرنا إلى نفسه .
- هذا يعتمد على كيفية النظر.
- مضبوط.
- كانت روما أمس . اليوم غيرها.
- هنا المصيبة . في كان . بينما الأفضل أن نصحو ونقتنع بأننا نستطيع
اختيار الطريق لا السير على طريق يثبت كل يوم أنه لا يؤدي سوى إلى خراب
كالذي تركناه وراءنا.
- أنتِ تريدين قلب عالي الأمور و سافلها !.
- إذا كان في ذلك مخرجنا إلى حياة كريمة فليكن.
- ثورة الآلاف فشلت فهل تعولين على ثورتك بمفردك ؟ !
- الفرنسية باقية . ومحظوظ مَن يستطيع إمساك زمام نفسه .
- أنتِ لا تدركين الخطورة الكامنة في كلامك.. حسنا الولد نائم لا
يسمعنا.
- بل لسوف أعلمه أن يكون معتزا بنفسه واستقلاليته وحريته.
- قبل أن نعلمه شيئا يا انتصار علينا الاتفاق على معنى الخطأ والصواب
!
- حين يكون معتزا بنفسه وحريته يعرف من نفسه ما الخطأ وما الصواب.
- أنت تنسفين حكمة الأجداد . وهذا مؤقت . الدائم حولنا باق .
- الحكمة للعاجزين زينة . لكنها للشباب قيود.
- أنت تلوثين مقدسات في النهاية !
- هي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من ضياع.
- بل الخروج عنها يؤدي إلى ضياع.
- أنشئي ابنك بهذه الطريقة يكون حين يكبر جزيرة صغيرة مهجورة منعزلة
مثل تلك أمام الشرفة . بعيدة عن العالم الذي نعيش فيه.
- غير مؤكد سير العالم على طريق صواب . والعالم يسير بملايين الأقدام
لا بقدمين اثنين فقط !
- نعم ؟ ! من يسير على طريق الصواب إذاً ؟ . صدام حسين ؟
- نحن ضحية ولسنا قضاة.
- قبول دور الضحية سبب الكارثة.
- لا نستطيع تغيير الواقع.
- بل أي منا يستطيع. لكلٍ واقعه . في واقع كبير غير مبال بأحد .
- ماذا في رأسك الصغير يا انتصار . أشم رائحة خيانة !
- أهذا كل ما يستطيع رأسك الكبير تصوره من صرخة روح !
- سمعت عن صرخة القدس ولم أسمع بعد عن صرخة روح.
- سوف تسمعها صادرة منك إذا تخليت عن عنجهيتك ورغبتك في السيطرة عليّ.
- الرغبة في مستقبل مرموق لعائلتي عنجهية ؟ !
- قلت لك يوسف . كل منا قائم في ذاته . كل منا يولد ويموت وحيدا . كلٌ
يصنع حياته ومستقبله بيديه . دعك من أوهام الحرص على العائلة والمجد لها
. مصير أخ عن أخ مختلف.
- أنتِ سمعت هذا الكلام وغيره من ذلك الكاتب اللغوي في المعسكر . الذي
يتكلم ويكتب كما يريد الغرب طمعا في جائزة.
- حتى لو كان هذا صحيحا هو لم يجبرني على تبني ما يقوله ويكتبه وأنا
لا أطمع في جائزة من قولي هذا !
- بل خدعك . صوّر لك دنياهم كأنها دنيانا.
- أنت أيضا معجب بدنياهم من الهامبرغر والسيارات إلى أفلام البورنو
فماذا عندك ضدها ؟ !
- الأشياء المادية شئ والأخلاق شئ آخر.
- يا سلام ! . البورنو شئ مادي أو أخلاقي ؟
- تفرجنا عليه سوية فلماذا تلومينني الآن ؟ !
- يجب أن تسمح لي بمعاشرة سويدي إذاً لو سمحت لك بمعاشرة سويدية.
- لا تخلطي بين النافع والضار.
- أقص عليك حكاية الأعرابي الذي بال على تمره ثم أكله كله ؟ !..
في زاوية من ذاكرة يوسف تنار منطقة مظلمة ، فيرى نفسه في زي أعرابي
يسير إلى نخلة في صحراء مهلكة ، يلقي حمله من التمر من شدة التعب ويبول
عليه ، قائلا لنفسه : خلص ، وصلت النخل لا حاجة لي بعد في التمر . يذهب
للنوم في ظل النخلة . حين يستيقظ يشعر يجوع . يرفع رأسه إلى النخلة فلا
يجد فيها تمرا ، يذهب إلى تمره الذي بال عليه ويبدأ في فرزه : هذه لم تقع
عليها قطرة ، ليست نجسة ولا ضارة ، يأكلها. ثم يعود إلى النخلة بانتظار
قافلة تأخذه معها ويطول انتظاره حتى نرى أنه أكل تمره كله .
- سمعناها جميعا فقصي غيرها . من حياتنا الحلوة.
- حياتنا حلوة حين نراها عن مبعدة.
- جئت أقبلك وأنام معك فانظري إلى أين وصلنا !
- غدا تكون أنت شهرزاد.
- قرار الانقلاب عليّ نهائي ؟
يطفئ الضوء وينامان . بينما الريح في الخارج تبدأ في ولولة.
3
توقظ انتصار يوسف في منتصف الليل :
- سمعت ؟
- ماذا ؟
- صوت الخطوات في الغرفة . والستائر تحركت !
- أية غرفة . أية خطوات ؟
- هنا . في هذه التي ننام فيها !
يتلفت يوسف حواليه ، ينهض ويقوم بجولة في أرجاء البيت ، يعود إلى
الفراش ويقول :
- أنتِ متعبة حقا ، من ثرثرتك قبل كل شئ ، نامي ودعيني أنام.
يظن يوسف قبل غطيطه في النوم أنه سمع أيضا صوت خطوات ، لكن على جدران
وسقف الغرفة ، ورأى ربما الستائر تتحرك ، لكن باب الشرفة والنافذة كانا
مغلقين جيدا !
4
في الصباح يتناولان الفطور في المطبخ ، ومن النافذة نرى الصبي يصعد
شجرة ، يقول يوسف :
- كيف نمتِ البارحة ؟
- لأول مرة استمتعت بشخيرك.
- أنا لا أشخر . بل أعزف موسيقى.
- موسيقى رعب إذاً كانت.
- الرعب يصدر من داخلنا.
- بل من الخارج. أنا لا أفهم حتى الآن كيف لم تسمع دبيب تلك الخطوات !
- أية خطوات برب العباد . خبصتيني بها ليلة أمس ؟ !
- خطوات حقيقية . لقدمين حافيتين . سمعت حفيفها ودبيبها وفرقعة
أصابعها وهي تنتقل في كل مكان من الغرفة . يا للعجب !
- جننتِ أم ماذا ؟ ! . كنا رأينا زائر الليل ذاك . إذا لم يكن لابسا
طاقية إخفاء طبعا .
- هذا ما حيرني . ولولا شخيرك وتأكدي من إنك جواري كنت مت خوفا.
- الآن تستطيعين التأكد من أن كل أقوالك أمس . أيضا تصورات. كفى
فاصوليا.
- أي شئ لم يكن تصورات . بل حقائق هي يقف لها شعر الرأس ! لم أسمع فقط
فرقعة أصابع القدمين بل رأيت قلتُ لكَ ستائر النافذة وباب الشرفة تهتز
ومن شقها تخرج روح ربما أو شبح ، بل وسمعت حاجز الشرفة يصدر صوتا بعد
طيرانها.
- للروح كانت قدمان إذاً وجناحان فهل زارتنا بالبيجاما أم بمايوه
السباحة ؟ !
- لا تسخر من الأرواح والأشباح وإلاّ أصابتنا بأذى.
- انتظري لأطفئ الضوء وأغلق النافذة ليعم الظلام هنا فيكون حديثنا
مخيفا . أقصد أكثر واقعية.
- هكذا الرجال دائما . لا يصدقون حتى يُضربون على يافوخهم .
- سوف أحمل للروح كأسا هذه الليلة وانتظرها للمسامرة فهذا أفضل من
الكلام ومحاولة النوم معك.
- قرأت مرة في كتاب لبرهان الخطيب أن الأرواح لا تظهر لمن لا يخافها .
- لا تخافيها إذاً.
- هذا كلام . حين تسمع مثلي فرقعة أصابعها تخافها غصبا عنك . بل لعلك
سمعتها أنت أيضا مثلي ليلة أمس وتظاهرت بنوم .
- فتشت البيت كله ولم أجد أثرا لأحد ولا للا أحد !
- لهذا اعتقدت أنها روح . لا حرامي ولا زائر من أي نوع لا يترك أثرا
. ولو رائحة أو شعرة . أما حين تحركت الستارة وسمعت الشرفة قلت أخذتني
معها !
- أنت لا تقصدين إخافتي للذهاب إلى إدارة المعسكر والضغط عليهم
ليجدوا لنا سكنا آخر ثابتا بأسرع وقت ؟
- أنت تحتاج الذهاب إلى المعسكر على كل حال . ربما وصلت رسالة . ربما
طلعت لنا شقة أخيرا.
- المكان مريح هنا .
- وأتمنى أن لا تكون هي روحا شريرا إذا كانت قررت مشاركتنا . أو نحن
شاركناها . السكن هنا.
- موظف الإدارة ، صاحب البيت ، قلتِ أنه قال قبل مغادرته لا توجد
أرواح فيه . تمام ؟ ربما يعني هذا أنها موجودة حقا هنا ؟ وإلاّ ماذا
ذكّره بهذا الموضوع ؟ ولماذا ابتسم لكِ حين قال ذلك ؟ . أنا لا أشك في كل
شئ كما تقولين بل أرى هذا .
تهربت انتصار من نظرة زوجها بالنظر إلى الحديقة وردت :
- ربما ليضمن بقاءنا فيه والحصول على الإيجار من إدارة المعسكر . بدل
بقاء البيت خاليا حتى الصيف .
- لكني لا أستطيع الكلام عن شبح أو روح مع إدارة المعسكر . أنا نفسي
لا أصدق هذا . هم قد يضحكون علينا .
- سوف تصدق هذا . ليلة اليوم . حين تأتينا ثانية . فالأشباح أو
الأرواح لا تمر في مكان مرة واحدة فقط .
- في نهاية الأسبوع أذهب على كل حال إلى المعسكر وأرى ماذا يمكن قوله
لهم .
- بل اليوم ، بعد الفطور . وخذ أبنك معك .
- أنتِ غير خائفة من البقاء وحدك في هذا البيت ؟ !
- في النهار ؟.. كلا. ولدي بسم الله الرحمن الرحيم أهزم بها جيشا.
- لذلك هزم كلٌ من العراق وإيران الآخر دون إطلاق طلقة واحدة !
- تسخر من الدين أيضا ؟ ! لا علامة أوضح بعد على اقتراب نزول نازلة
بنا ! . خلص . حان والوقت .
- كل ما افتح فمي تجعلينه هدفا لطلقاتك . ماذا جرى لك ؟ !
- بل أنتَ . كل ما قلتُ لك شيئا تَسخر منه . كأنك الفاهم العالم بكل
شئ وأنا الجاهلة العمياء !
- أنا لم أقل شيئا ضدك !
- غير ضروري أن يكون ما هو ضدي مباشرا وصريحا !
- أنت تصبحين عصبية لأننا لا نكون في الفراش كما يجب بين زوجين
- هيا . آن أوان محاضرتك الدورية عن الجنس . هذا الصباح الوضاح أحسن
وقت لها والله !
- أنتِ قلت علينا مناقشة كل أمورنا بصراحة !
- أنت تروح وتجئ وتعود إلى موضوع الجنس كل مرة منذ وصلنا ا |