السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  23 - 2- 2004

تنسي وليامز من المسرح الى السينما

كتب: محمود الزواوي

اذا كان يوجين اونيل هو اعظم مؤلفي المسرح الامريكي الجاد في النصف الاول من القرن العشرين، فليس هناك ادنى شك في ان تنيسي وليامز هو اعظم المؤلفين المسرحيين لامريكيين في النصف الثاني من هذا القرن، علاوة على كونه اكثر المؤلفين المسرحيين غزارة في الانتاج.

قدم تنيسي وليامز عشرات المسرحيات الدرامية التي تميزت بالمعالجة العميقة للمشاكل الانسانية المعقدة، كما اشتهر كمؤلف قصصي وشاعر وكاتب صدرت له عدة مجموعات قصصية ودواوين شعرية. ومن اهم ما يميز اعمال تنيسي وليامز تناوله لواقع الجنوب الامريكي وطبيعة الحياة فيه بشكل لم يحققه اي مؤلف مسرحي اخر.

وما من شك في انه كمؤلف مسرحي وقصاص وشاعر وكاتب اسهم اسهاما كبيرا في تغيير المفهوم المعاصر لأدب الجنوب الامريكي، كما لعب دورا مهما ككاتب جنوبي في تمهيد الطريق لغيره من الكتاب من ابناء الجنوب الامريكي.

ومن الممكن مقارنة تنيسي وليامز كمؤلف مسرحي بالمؤلف الروائي الشهير وليام فوكنر في تفهمه العميق لحياة الجنوب الامريكي وتقاليده الثقافية والاجتماعية وترجمة تفاعلاته الانسانية الى مصاف اروع ما كتب في الادب الامريكي. ومما مكن هذين الكاتبين المرموقين من ذلك بطبيعة الحال كونهما من ابناء الجنوب الامريكي الذي ولدا وترعرعا فيه.

ولد تنيسي وليامز بولاية مسيسبي في قلب الجنوب الامريكي عام 1911، وفاز في سن الرابعة عشرة بمسابقة ادبية، مما شجعه على مواصلة الكتابة. وقام بتأليف عدد من المسرحيات التي عرضت في المسارح المحلية قبل واثناء دراسته الجامعية في اواخر فترة الثلاثينيات، ومنها مسرحية »معركة الملائكة« التي قدمت في احد مسارح مدينة بوسطن.

الا ان المسرحية التي ثبتت مكانة تنيسي وليامز كواحد من اهم المؤلفين المسرحيين الامريكيين هي مسرحية »لعبة الحيوانات الزجاجية« التي قدمها عام 1944 وحققت نجاحا كبيرا على مسارح شيكاغو قبل ان تعرض بنجاح كبير في العام التالي على مسارح برودواي الشهيرة بنيويورك.

وتستمد هذه المسرحية الكثير من احداثها من حياة مؤلفها تنيسي وليامز نفسه، وقد فازت عام 1945 بجائزة رابطة نقاد المسرح بنيويورك، وحولت تنيسي وليامز الى واحد من اعلام المسرح الامريكي، كما فتحت له الطريق ليصبح معلما ثابتا على مسارح برودواي منذ ذلك الوقت.

وقدم تنيسي وليامز على مدى السنوات الثماني التالية سلسلة من روائعه المسرحية، ومنها »عربة اسمها الرغبة« و »الصيف والدخان« و»وشم الوردة« التي حققت جميعها نجاحا كبيرا على مسارح برودواي.

وفاز تنيسي وليامز بجائزة بيولتزر مرتين، الأولى عن مسرحية »عربية اسمها الرغبة« عام 1948 والثانية عن مسرحية »قطة فوق سطح صفيح ساخن« عام 1955. كما فاز بجائزة نقاد المسرح الامريكي ثلاث مرات في كل من عام 1946 و 1953 و 1962.

وبلغ تنيسي وليامز ذروة شهرته في فترة الخمسينيات بعد ان تحول العديد من مسرحياته الناجحة على مسارح برودواي بنيويورك الى افلام سينمائية متميزة في هوليوود.

وتحولت خلال فترتي الخمسينيات والستينيات خمس عشرة من مسرحياته الى افلام سينمائية قام بكتابة السيناريو لمعظمها بنفسه او بالمشاركة مع كتاب اخرين. وشملت تلك الافلام عددا كبيرا من ابرز افلام تلك الفترة، ورشحت افلامه لثلاث واربعين من جوائز الاوسكار، وفازت بتسع من تلك الجوائز. واصبحت الافلام المبنية على مسرحياته مضربا للمثل للأعمال السينمائية المتميزة في النص والاخراج والتصوير,

وخاصة في التمثيل حيث قام بأدوارها نخبة من اقدر الممثلين مثل مارلون براندو وفيفيان لي وكاثرين هيبيرن وبول نيومان وكارل مالدين وكيم هنتر وجيرالدين بيج، وقد قام بعضهم ببطولة المسرحيات الاصلية بانفسهم على مسارح برودواي. ومن ابرز المخرجين الذين اخرجوا تلك الافلام ايليا كازان وريتشارد بروكسوسيدني لوميت وجون هيوستن وجورج رودي هيل.

وكانت اول مسرحية لتنيسي وليامز تتحول الى فيلم مسرحية »لعبة الحيوانات الزجاجية« التي قدمها المخرج هارفي رابر للشاشة عام ،1950 وتقاسم بطولة هذا الفيلم الممثلان كيرك دوجلاس وجين وايمان.

واتبع هذا الفيلم في العام التالي بفيلم ميني على مسرحية »عربة اسمها الرغبة« للمخرج الشهير ايليا كازان، تقاسم بطولته الممثلان مارلون براندو وفيفيان لي. ورشح هذا الفيلم لاثنتي عشرة من جوائز الاوسكار، وفاز بأربع جوائز منها ثلاث لممثليه فيفيان لي وكارل مالدين وكيم هنتر. كما فاز الفيلم بجائزة رابطة نقاد السينما في نيويورك وبجائزة المجلس القومي الامريكي لاستعراض الافلام السينمائية.

ومن الافلام المتميزة الاخرى المبنية على مسرحيات لتنيسي وليامز في فترة الخمسينيات فيلم »وشم الوردة« الذي رشح لثمان من جوائز الاوسكار وفاز بثلاث منها، احداها لبطلة الفيلم الممثلة الايطالية القديرة انا مانياني، وفيلم »قطة على سطح صفيح ساخن« الذي رشح لست من جوائز الاوسكار.

وشملت روائع الافلام المستندة الى مسرحيات تنيسي وليامز في فترة الستينيات فيلم »النوع الهارب« و»طير الشباب الحلو« و»ليلة الاجوانا«.

كانت مسرحيات تنيسي وليامز مناسبة تماما للاعمال السينمائية، بحيث لم تكن بحاجة الى تعديلات رئيسية. ولعل ترشيح هذه الافلام وفوزها بعدد كبير من الجوائز السينمائية المرموقة والنجاح الذي لقيته على شباك التذاكر خير دليل على ذلك.

بل ان بعض هذه المسرحيات اعيد تقديمها كأفلام تلفزيونية في السنوات اللاحقة، ومنها مسرحية »عربة اسمها الرغبة« التي قدمت في فيلمين تلفزيونيين، كما قدمت كل من مسرحية »لعبة الحيوانات الزجاجية« و »فجأة في الصيف الماضي« و»طير الشباب الحلو« في فيلم تلفزيوني بعد تقديم كل منها في فيلم سينمائي متميز.

وقد استمدت الاعمال المسرحية والسينمائية لتنيسي وليامز قوتها اساسا من قوة النص الذي تمكن فيه من النفاذ الى اعماق مجتمعات الجنوب الامريكي ونجح في ترجمة تفاعلاته ومشاعره ومشكلاته بصدق لا يخلو من السخرية والنقد اللاذع والقسوة وارتقى بأعماله الى مستوى انساني دخلت اعماله بفضله الى كلاسيكيات الادب العالمي.

وقد انعكس ذلك في الاعمال السينمائية الصينية على مسرحيات تنيسي وليامز. فهي تتضمن مجموعة من افضل الافلام التي قدمتها السينما الامريكية، وهي افلام دخلت سجلات كلاسيكيات السينما العالمية