السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  23 - 2- 2004

صموئيل بيكيت.. عبثية ما بعد الموت

بدرية الوهيبي

* في البدء:

(هكذا كنت امضي في الضياء المخيف، متلفعا بإهابي العتيق، مشدودا الى طريق الخروج، ومتجاوزا جميع الطرق، الى اليمين والى اليسار، وفكري يلهث وراء هذا وذاك ثم يندفع دائما الى حيث لا يجد شيئا).

* صموئيل بيكيت

يقول قاسم حداد: (اشعر بأن الموت هو قدر غير عادل، خصوصا اذا وقع على الشعراء، ويمكننا تفهم الموت حين يحدث للبشر العاديين، لكن ان ينال شاعرا، فهذا ضرب من العبث الذي يتوجب.. عدم تأمله)، ولعل رحيل صموئيل بيكيت في الثاني والعشرين من هذا الشهر قبل ثلاثة عشر عاما يعتبر رحيلا موحشا لأديب أتعاطى معه عزلتي واقاسمه عبثية الصمت من خلال ماتبه مسرحا كان أم رواية أم شعرا، كي أشعر باكتمال وجودي في هذه الحياة التي تركها صامتا بعيدا عن الكلام كما كان يفعل وكما اكنت شخصية هذا المبدع، يقول أحد الفلاسفة: (انه ليس من الحكمة التأمل في الموت، بل في الحياة)، أحاول فعلا الا اعترف بموت لشاعر او أديب قضى حياته في إعلاء صوت الشعر والرواية والمسرح وأثير حول غموضه وتجريبه الجدل، حتى اتهم مسرحه بالعبث، ربما لأنني يقينة بأن الشاعر أو المبدع تخلده أعماله وفنه ونظل نحن الوارثين نرث كل كلمة كان خروجها من مخيلته أشبه بمخاض مؤلم، ولأن صموئيل بيكيت كان يضفي على الحياة ولا يزال إنسانيتها وأسطورتها في آن واحد، فإنك حين تقرأه أو تقرأ له شعرا ورواية تتحسس صمته الرهيب وكأنه لم يكن يتكلم ولا يسأل، ولكنك تنتهي بسؤال صارخ وارتباكة محملة بغموض وعمق هذا الرجل، ففي كتابه (اللامسمى) يقول: (لا شئ لدي لأقوم به، أي لا شئ ذو بال. علي أن أتلكم، وهذا شئ مبهم، علي أن أتكلم، ولا اريد ان أتكلم، وعلي ان أتكلم. لا أحد يجبرني على ذلك، ما من أحد، أنه حادث، أمر واقع. لاشئ سيقدر أبدا أن يعفيني منه، ما من شئ، لا شئ ليكتشف، لاشئ ليقلل ما بقي ان يقال، أمامي البحر لأشربه، هناك اذن بحر!!)، وبهذا الاكتشاف المرعب يقع صموئيل في فخ بشري كونه يواجه ويقف امام العالم أعزل الا من اكوام من كلمات كان يدرك تماما انها (اداة قطيعة لا اداة ايصال ووسيلة للتضليل لا للتعبير وللحجب لا للكشف) كما اطلق عليها الشاعر الاردني طاهر رياض، ورغم ان صموئيل مارس الكتابة في مختلف الانواع الادبية، الا انه كان يضع اللغة في فوهة صراع حادة بين صوتها والمعنى المفترض عليها حمله، يحصل ذلك في معظم رواياته، فقراءتها بادئ الامر اشبه بالمستحيلة بسبب تفكك اللغة تدريجيا حتى تصل الى الابهام والغموض التام، ربما كانت غايته من ذلك غياب الاسلوب والفرار من الدلالات التي تحملها هذه اللغة وهذا ما يحصل في شخصياته حيث تعاني من صعوبة بالغة في الكلام غير المسموع اصلا، ففي أحد مقاطع (نصوص بلا طائل) يقول فيها: أن نطلق اسما، كلا، فلا شئ يمكن تسميته، وأن نتكلم، لا، فلا شيء يمكن التعبير عنه)، ثم يختم (لقد ماتت الكلمات!)، فحين يكتب صموئيل يتوغل في المجهول ويحكم على شخصياته بالصمت والكآبة وفقدان الاتزان والتيه، ففي رواية (مولوي) البالغ في البؤس التي تعتبر اهم رواية صدرت بعد رواية (عوليس) لجيمس جويس، يظهر فيها البطل (مولوي) مريضا مسنا يجتر آلام الماضي وهو يتذكر امه التي كانت رهن الاحتضار حيث بدأ الرواية بجملة (أنا في حجرة أمي، وانا من يعيش فيها الآن).. كذلك رواية (مورفي) والتي أول مالفت الانتباه الى عبقريته رغم انها كانت رواية تقليدية رتيبة فهي تتحدث عن تجربة صموئيل بيكيت في دبلن بايرلندا ولندن فترة شبابه حيث كان ممرضا في مسشتفى امراض عقلية و(هذه الرواية ملهاة مفجعة غنية بمرح قاس) ـ كما وصفها أديب كمال الدين ـ وهو طابع مميز لكتابات صموئيل عموما، وبطل رواية (وات) أي ماذا؟! شخص مسكون بالريبة والشك يفتقد للطمأنينة، في هذه الرواية بالذات يقول جيمس جويس عن اسلوب صموئيل: (انه تلاعب باللغة وليس تساؤلا حولها)، ليرد عليه قائلا: (لا أجدني سيدا لمادتي، اعمل في العجز والجهل) وبذلك كله يصبح صموئيل ابا روحيا للرواية الجديدة التي ازدهرت مع ألن روب جرييه وناتالي ساروت وكلود سيمون، وبرحيل هذا العظيم وهو المروج لفكرة العبث في المسرح يقول طاهر رياض: (فقد مسرح العبث واحدا من اهم اقطابه والمبشرين به) من خلال ثلاثيته المسرحية الشهيرة (بانتظار غودو) والتي حيرت معظم النقاد والمشاهدين واثارت سخطهم لانها تهزأ بجميع المعايير التي تقاس بها المسرحية قرونا كثيرة ولكنها جاءت خالية من معايير المسرحية محكمة الصنع الا انها تنتهي بشكل اعتباطي او تعسفي فقد استخدم الشعر بقوة لتتحول مقاطع المسرحية الى قصيدة حديثة، ورغم ذلك بلغت هذه المسرحية أوج شهرتها، بعدها جاءت مسرحيتا: (النهاية) ثم (الايام السعيدة).

وبعد كل هذه العبث كما اطلقوا على أدب صموئيل فانه يفوز بجائزة نوبل سنة 1969م الا انه وزع الجائزة في المعوزين والمحتاجين!!، اذن يحق ان نقول بعد ثلاثة عشر عاما من موته كما قال عنه جيمس نولسون في كتابه (بيكيت.. ذلك العظيم المجهول) هذا الرجل الانطوائي الجميل والشخصية المعقدة التي حيرت النقاد والفلاسفة ليس الا كما قال صموئيل عن نفسه: (الكون كله هاهنا، معي، انا الهواء، الجدران، المحبوس بين الجدران، كل شئ يستسلم، ينتفح، يطوف، يفيض، ندف، انا كل هذه الندف التي تتقاطع، تتوحد.. تنفصل، اينما رحت ألقاني من جديد، أهجرني، اسعي الي، آتي مني، لا شئ سواي، سوى شق مني، مستعاد، مضتع، مهدور، كلمات أنا كل هذه الكلمات، جميع هؤلاء الغرباء، كل هذا الغبار من الكلام، حيث لاغور لتستقر، ولا سماء لتتلاشى، تتلاقى لتقول، ويهرب بعضها عن بعض لتقول، انني هي جميعا).