السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  23 - 2- 2004

السجّل

مسرحية من تأليف الأديب البولندي تاديوش روجيفتش

ترجمة عدنان المبارك
مقدمة المترجم

يعتبر تاديوش روجيفتش ( 1921 ) أحد أكبر شعراء بولندا ما بعد الحرب. والى جانب الشعر يكتب المسرحيات والقصص. و هو كاتب غزير الإنتاج. فقد أصدر أكثر من عشرين ديوانا شعريا و خمس مجاميع قصصية وأكثر من عشر مسرحيات عدا الكثير من المقالات و الريبورتاجات. و أصبح روجيفتش الممثل الأكثر نضجا وإمتلاء لجيل الحرب و الإحتلال. فتجارب هذا الجيل تلقى لديه أبعادا فلسفية تخص كامل الحقبة المعاصرة من تأريخ الإنسان. وكان قد وجد في الفاشية التي أشعت أكثر الحروب بربرية علامة كبرى ومفجعة لمرحلة جديدة في التأريخ البشري، أي ليس الأوربي فقط أو الآخر الخاضع لمعايير حضارة هذه القارة بل الإنسان نوعا بيولوجيا خالقا للقيم والثقافات والحضارات. ولاشك أن مثل هذا التعامل مع الفاشية هو منطقي وطبيعي لدى شاعر كان شاهدا على أنها كشفت عن خصائص في طبيعة الإنسان وجدها ذلك الجيل من شعراء أوربا و مثقفيها، دافعا لايقاوم لإعادة النظر في تلك الحقائق المتفق عليها. وفي الأدب وجد هذا الجيل الذي عاصر الزمن الذي أسماه مالرو بزمن الإحتقار، الحاجة الى طرح تشخيص بل تعريف جديد للإنسان. والأكيد أن الفاشية أنزلت كارثة حقيقية بالثقافة الأوربية ووضعت علامة إستفهام مرعبة على قيمها بل علىالقيم الحضارية الشاملة التي خلقتها البشرية. والحقائق التي صارت مادة تصويرية لهذه الشكوك كانت بلاريب الظواهر التي كشفت تلك الصفات في الإنسان بوصفه حيوانا كاسرا يحطم بكل بساطة ماغرسته الثقافة من قيم وعادات وأعراف. ومن هنا موقف التشكيك بقوى الإنسان البنائية، والرغبة الجارفة في تقديم العالم المعرّى من الكذب والرياء، ومسح الماكياج الجمالي والأخلاقي عنه، وتسمية ظواهره وأشيائه من جديد..
ومن هذه الرغبة ولد أدب تاديوش روجيفتش الذي يتبرأ من أي تعليق أخلاقي واع أو آخر عاطفي. والأمر يخص الأسلوب الأدبي كفرصة ، بالنسبة للكثيرين كي يتم مسك هذا السراب الجمالي أو ذاك. فروجيفتش يرى ، في شعره ومسرحه ونثره عامة ، أن الزينة الأدبية لاتناسب إطلاقا مثل هذه المهام الأخلاقية والفكرية ، لذلك يترك جانبا طرق الأدب ( المسوّرة عاليا ) ومعها ( تاكتيك ) تملق القاريء ومداراة مواصفاته الظرفية ، فأدب الحقائق المؤلمة التي تقال ( ومعها صرير الأسنان ) هو أدب بسيط وخشن التعبير و الملمس.
وتعود فكرة مسرحية روجيفتش المترجمة ( السجل ) الى عام 1957أي ذروة ذوبان الجليد البولندية. وللمرة الأولى قدمت المسرحية في وارشو وقبل أن تنشر في عام 1961. وفي الستينات والسبعينات كانت من أكثر المسرحيات البولندية تقديما في البلاد والخارج. كذلك قدمها التلفزيون البولندي وغيره.
يسمّي روجيفتش شعره ومسرحه بالواقعي والشاعري. إنه واقعي وليس لأنه يعكس الواقع و يقدّم صورة شبيهة بتجربتنا اليومية بل هو ذاك الواقع المستتر. و إذا كان بالإمكان تشبيه الأدب الواقعي بالمرآة السائرة في الطريق على حد تعبير ستندال فإن هذه المرآة لدى روجيفتش محطمة، والصورة المنعكسة فيها هي مجرد نثار، إذ أن العالم لايوجد كشيء صلد متماسك ومنتظم وأكيد كما كان يوما ما ، فتجربة الحرب ، وهي الجوهر بالنسبة لبطل مسرحية ( السجل ) ومؤلفها ، تعني ال( لا ) كلها : اللاثبات ، اللايقين ، اللاتلاحم. فالعالم ترك نقفته القديمة المسماة بالشكل..
و إذا كان هذا المسرح شاعريا فلأن مبدأه الأول هو الشعر. وعندما يتحث روجيفتش عن مسرحه يقارنه بأشعاره و قصائده التي نلقاها في مسرحياته أيضا. و ( السجل ) التي كانت مسرحيته الأولى ، نجدها معلقة بين الشعر والدراما. و بطلها يلفه الغموض وحتى أنه لايحمل إسما واحدا. وهكذا هم أبطال روجيفتش : مجهولون يمثلون المجموع بهذا البعد أو ذاك. مثلا بطل ( السجل ) هو كل واحد
everyman ، ومصائره تبدو كشاشة إسقاط لتجارب جيله ، وحقيقته الأولى والأخيرة هي أن حياته كفرد شكلتها أحداث خارجة عن إرادته ، كما شكلها أناس قال عنهم بأنهم وضعوا ، بجهود مشتركة ، سجل حياته. وهذا البطل هو ، في الواقع ، نموذج عاد لكنه منح البعد التراجيدي لساكن المدينة الكبيرة ، لمجهول نمت حياته بين المقبرة والمركز المديني.. من ناحية اخرى فهو نموذج غير إعتيادي لجيل غير إعتيادي ، جيل الحرب والإحتلال الذي لايفهمه من هو أكبر ولا أصغر منه على السواء بل هو نثار بطل ركب من أجزاء غير منسجمة ، وعلى النقيض من البطل الفردي أو الآخر ذي الشخصية ( المسبوكة) المعروف في المسرح القديم.
في واقع الحال يقدّم روجيفتش في مسرحيته تقوّض الفعل وليس البطل التقليدي.
فالفعل الذي يفهم كسلسلة من الأسباب والنتائج للأحداث أو إستمرارية زمنية لمصائر الأبطال ، لايوجد عند روجيفتش. كذلك فالنكوص الى الماضي لايتم من خلال إستعادته بشكل ( أحداث سابقة ) بل كحضور مجدّد( بفتح الدال ) وقاس في الزمن الحاضر.
إذا تعلق الأمر بعامل ( الحدث ) في المسرح فروجيفتش يطرح تصوره الخاص عن المسرح الذي يجده على نوعين : ( الخارجي ) و ( الداخلي ). في الأول يكون الحدث هو الأمر الأكثر أهمية أي ما يجري على الخشبة ، وهذا هو المسرح الكلاسي ثم الرومانسي ولغاية المسرح المعاصر ، مسرح ديرنمات مثلا. إلا أن ولادة المسرح الآخر ( الداخلي ) يجدها روجيفتش قد تمت على يد بيكيت الذي لم يكتف بجعل الحدث ظاهريا فحسب بل قام بتقويضه، وكما يقول فهذا التقويض هو ( الحدث ) الحقيقي في مسرحه. والحال نفسها في ( السجل ) التي لاتملك حدثا يجري على سكته. فهذه المسرحية مونتاج ولصق لعناصر مختلفة بل هي نثار لتلك المرآة، مرآة الأدب الواقعي. وغرض المؤلف خلق تكوين مسرحي مركب من مشاهد أساسية قوامها لحظات مهمة من حياة البطل. بالطبع يمكن تنظيم هذا النثار الحياتي وفق التسلسل الزمني و في هذه البنية أو تلك ، إلا أن هذا كله يسلخ عن المسرحية شاعريتها وكساءها الدراماتيكي. وعامة تسمى مثل هذه الأعمال ب( الدراماتورغيا المفتوحة ). وحتى أن روجيفتش يستخدم هذه التسمية عند حديثه عن أشعاره أيضا. وما يقصده بهذه الدراما – تورغيا أنها ذات تكوين متخلخل عند المقارنة مع البناء ( المتين ) لمؤلفات المسرح القديم والقائمة على نظام الأحداث المنطقية ومع البداية والذروة والنهاية والمغزى إلخ. فلدى روجيفتس ليس الأمر هو ( البداية ) أو ( الذروة ) بل حقيقة أن الدراما هي جزء من كل أكبر بدأ قبل المسرح و يمكن أن يمنح هذا الإستمرارية لوجوده. فالمشهد الأخيرمن ( السجل ) قديكون الثاني أو العاشر مثلا. وهذا ليس بالأمر الجوهري بل الجوهري هو إظهار البطل في نظام المشاهد والحوارات..
يجد روجيفتش أن مثل هذه التقنيات تنشأ من ذات النسيج التأليفي الجديد. فالشكل المفتوح للدراما يصلح لمثل هذا التقديم للعالم الذي هو في حالة تصدع وفوضى. كذلك يجد المؤلف التبرير لهذا الشكل الجديد لمسرحياته في أنه( نابع من جهل وعجز) المؤلف بل الإنسان عامة.. فالشاعر لايهمه الكمال الشكلي ولا الجماليات بل التقويم الدقيق والمؤثر لوضع الإنسان الأخلاقي.
وثمة بعد آخر ل( السجل ) وهو بولنديتها. فالمسرحية هي سجل التأريخ البولندي الحديث أيضا. إن بطلها الذي ( نجا حين إقتيد الى المجزرة ) كما جاء في إحدى قصائد روجيفتش، عمل بعد الحرب و إلتزم و ساير ثم أحس بالضجر وبدأ الحوار مع أشباح الماضي القريب و الحاضر أيضا. ومن هذه الحوارات تتشكل صورة لمجتمع بولندا وقضاياه العامة ، أي صورة الوضع البولندي المعاصر رسمتها يد شاعر ذي نزعة أخلاقية بيّنة.

============



مقدمة المؤلف


لا أقدم جردا بأسماء الشخاص. ( بطل ) المسرحية إنسان بلاعمر معيّن، بلا عمل ، بلامظهر. وهذا ( البطل ) يكف في الغالب عن أن يكون بطل الحكاية ، ويأخذ مكانه أناس آخرون هم ( أبطال ) أيضا. الكثيرون من الأشخاص المشتركين في هذه القصة لايلعبون هنا دورا أكبر. وأولئك الذين بإمكانهم أن يلعبوا أدوارا رئيسية لايتكلمون على الغالب، أو أنه ليس لديهم ما يقولونه. المكان واحد. الديكور واحد. يكفي تغيير مكان الكرسي خلال هذه الساعات.
الزمن ؟
المسرحية واقعية معاصرة. الكرسي حقيقي. جميع الأشياء والأثاث ، حقيقية. حجومها أكبر من الطبيعية بقليل. غرفة عادية لايميّزها شيء. طاولة. خزانة كتب . كرسيان. حنفية ماء مع حوض إلخ. الفراش ذو قوائم عالية. الغرفة بدون نافذة. بابان متقابلان. مفتوحان على الدوام. الفراش يحاذي الجدار. طوال الوقت تكون الإنارة ثابتة. الضوء لاينطفيء حتى حين تنتهي الحكاية. لاتسقط الستارة. هل يمكن أن تتوقف الحكاية؟ لساعة ، لعام..
ثمة ملاحظة أخرى. الناس على المسرح يرتدون ملابسهم العادية اليومية.غير مسموح إكساؤهم أردية ذات تأثير أو خرق ملونة وما شاكل ذلك.( إكسسوار ) الحلة التشكيلية لاقيمة له. وليكن هناك أقل ما يمكن من الألوان والمؤثرات.
من خلال الأبواب يدخل شتى أصناف الناس ، مسرعين أو متباطئين. تسمع أحيانا نتف من أحاديث. و أحيانا يقفون ويقرأون الصحف.. يبدو كل شيء كما لو أن الشارع يمر عبر غرفة البطل. بعضهم يستمع للحظات الى الكلام في غرفة البطل. وأحيانا يتدخلون متفوهين ببضع كلمات ، يمضون الى مكان أبعد. التمثيل يستمر بدون توقف.
===============



البطل – ( مستلق ويداه تحت رأسه . يمد يده ، ويبقيها امام عينيه) إنها يدي . أحرّك اليد. يدي . ( يحرّك الأصابع ) أصابعي. يدي الحيّة كم هي مطيعة. تفعل كل ما أفكر به.
( يستدير صوب الحائط . قد يغفو )
يدخل والدا البطل . يبدوان مهمومين . الأب ينظر الى ساعته.
الأم – لاتضع يديك تحت اللحاف. هذا أمر قبيح وغير صحي.
الأب – أيّ رجل سيكون طالما أنه يستلقي في الفراش طويلا. إنهض ! يا ولد!
الأم - عمره أربعون سنة. ولايزال مدير إدارة في الأوبريت
الأب – كوني متاكدة بأنه يتسلى مع نفسه بصورة قبيحة تحت اللحاف
الأم – كلام فارغ!. هناك تحت الفراش شخص آخر. يبدو أنها إمرأة
الأب – هل جننت! صبي في السابعة... سرق مني يوم أمس نقودا.. سأدبغ جلده! كذلك يلتهم السكر بصورة غير لائقة
الأم – لكن لديه إجتماعا! لديه تقرير وآخر مكمل!
الأب – سرق نقودا. لو أنه قال : ( بابا ، ارجوك . إعطني بعض النقود. أريد أن أشتري حاجة ) لأعطيته. لابد أن يكون معاقبا! الأم – لاترفع صوتك! إنه نائم
الأب – لا أعرف هل هناك من هو أسوء منه
( يدخل كورال المسّنين. عددهم ثلاثة. يرتدون بذلات قديمة بعض الشيء ومجعدة، أحدهم يعتمر قبعة. يجلسون عند الحائط على كراس صغيرة مركبة جلبوها معهم. يتحرك المسّنون ببطء إلا أنها يقرأون النص بوضوح و بأصوات فتية وذات رنين. الكورال يعلن النص بدون تعابير وجه زائدة. كورال المسنين يستغل توقف جريان الأحداث كي يقدم دروسا و يحذر ويبعث الجرأة ).
الكورال - من كان في المهد طفل و يقطع رأس هدرا (1)
فهو فتى يخنق السنتاورات ( 2)
يخطف الضحية من سقر
يمضي وراء أكاليل الغار في السماوات

الأب – ( ينحني على الفراش . يأخذ بإصبعين أذن البطل و يجرّها ) لاتتظاهر بالنوم . إنهض عندما يكلمك الأب!
البطل – قف! قف! من القادم ؟ قف وإلا أطلقت النار ! ( هالت ! ) ( 3 )
الأم – إنه يتكلم في نومه، آه ، هذه الحرب الفظيعة
الأب – أريد أن أتكلم معك أيها المأفون
البطل – ( يجلس في الفراش ) أنا أستمع إليك
الأب – لماذا أكلت السكر من إنائه؟
البطل – لست أنا بل فواديك ( 4 )
الأب – لا تكذب ، قل الحقيقة
البطل – شيء أغراني . يا بابا. إبليس. يا بابا!
الأب – لو أنك قلت ( بابا . إعطني السكر ) ...
البطل - بابا كان ينبش في أنفه، شككت ببابا...
الأب - يا عاق! أيّ رجل ستكونه ؟ الرب يشهد بأنني...
الأم – كيف تجرؤ على مثل هذا القول.. أنا لا اعرفك ، أيها الطفل

صوت إمرأة من تحت الفراش - سيدي المدير . حان وقت الإجتماع

البطل – أدركت بعد ثلاثين سنة عظم ذنوبي. بابا .ماما. نعم ، أنا من أكل السجق في ( الجمعة الحزينة ) (5) في الخامس عشر من نيسان عام 1926. أنا خجل من فعلتي. أكل السجق خططت له بفترة طويلة مع ياش وبافيويك ( 6 ). فعلتي الوضيعة يا بابا ياحبيبي لايبررها أيّ شيء. أكلت السجق بنهم. لم أكن جائعا. بفضل حدبك يا بابا كان الخبز وفيرا في طفولتي. في أكثر الأحيان كنتم تعطوني نقودا كي أشتري حلويات وماشابه. رغم ذلك ضللت الطريق.
الأم – لكن الأب يسأل عن السكر وليس السجق
البطل – ماما. لاتدافعي عني. تبرأي من أبنك.أكلت السكر و السجق أيضا. و أذكر أنه حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر و الدقيقة الخامسة بدأنا نأكل السجق. أنا أكلت الجزء الأكبر. كذلك جدّتنا الحبيبة التي قضت نحبها بسبب مؤامرتي...
الأم – الجدة ماتت ميتة طبيعية
البطل –ياللوالدين المسكينين. أنتما أخصبتما وحشا. طيلة عشرة أعوام كنت أدس السمّ عن عمد للجدة في قطع البسكويت. أتذكر جيدا اللعب بالثقاب. وبكل تقزز أفكر بمسألة أخرى وهي أنني خططت لقتل بابا
الأب – شيء جميل فعلا
البطل – هذه الأفكار والخطط عشعشت في رأسي حين أنهيت العام الخامس من العمر. أتذكر تلك الشمعات الصغيرة التي إشتعلت في كعكة العيد...

صوت نسائي من تحت اللحاف – ( بصبر نافد) سيدي المدير . لقد حان الوقت

البطل – كما أريد الإعتراف بأنني ...

صوت نسائي من تحت اللحاف – حان الوقت فعلا..

البطل – يا احبائي. ينتظرني إجتماع. هل تسمعان؟
الأب والأم يخرجان.
صوت من تحت اللحاف – الإجتماع بعد ساعتين لكن ينبغي الإستعداد له. سأهيئك يا سيدي لكل شيء

كورال المسنين - أ أ أ هناك قطيطتان
رماديتان ، غامقتان ، الأثنتان
أيّ شيء لاتفعلان
فمع الصغير تلعبان (7)

( البطل يغفو. توقظه إطلاقة مدفع .وعلى الدوي أن يكون قويا لكي يرعب الجمهور )
البطل – ياللحمقى. الحرب ثانية ؟
صوت من تحت اللحاف – كلا ياسيدي . إنها أميرة موناكو . ولدت ثمانية أطفال. بهذه المناسبة تنظم في الوطن كله مهرجانات الطلاب والأطفال وهلم جرا. من قمم جبال التاتر الى بحر البلطيق المزرّق ( 8)
البطل – لكن لماذا هنا؟ الأميرة تعيش في موناكو
صوت من تحت اللحاف – لا يهم. مائة من نشطاء الشباب يتوجهون إحتفالا بالمناسبة الى الكونغو. على دراجات أطفال خشبية، والآخرون يؤدون قسم الطهارة لما قبل الزواج
البطل –( ينظر الى السقف ) الحمقى
لحظة صمت.
- حمقى
لحظة صمت.
- مغفلوان ، قرود ، حثالات ، لصوص ، محتالون ، شواذ جنسيا ، رواد فضاء ، مستنمون ، رياضيون ، جامعو طوابع ، أخلاقيون ، نقاد ، مضارون.
لحظة صمت.
البطل - ( يشعل سيجارة و ينظر الى السقف ) لأستلق
إستلق ! ، رؤوساء الحكومات والجيوش سمحوا لي بالإستلقاء والنظر الى السقف. سقف جميل ونظيف و أبيض. إنهم محبوبون هؤلاء الرؤوساء. يمكن للمرء أن يقضي يوم العطلة بهدوء
تدخل ( أولغا ) الى الغرفة. إمرأة في متوسط العمر ، تقف عند أرجل الفراش. تخلع معطفها وشالها وتلقيهما مع شنطة اليد على الفراش.
أولغا – مررت من هنا سمعتك تناديني...
البطل- أنا ناديتك ؟
أولغا – مرت خمس وعشرة سنة منذ أن غادرت البيت . لم أعرف أين كنت
البطل – نعم
أولغا- لم تترك عنوانا
البطل – لم أملك أيّ واحد
أولغا – قلت إنك ذاهب لشراء السجائر
البطل – السجائر إشتريتها
أولغا – 15 سنة لم تكن في البيت ! ماذا جرى لك؟ ما هي أخبارك؟ أوضح الأمر ، قل شيئا
البطل – أروي لك نكتة
أولغا – نكتة. في مثل هذه اللحظة !. هذا شيء فظيع. يقول نكتة بعد 15 سنة..
البطل – أرغب في شرب الشاي
أولغا - الشاي في مثل هذه اللحظة!.وحين أطلب حسابا لحياتك كلها.. لقد خاب ظني فيك يا هنري!
البطل – إسمي فكتور
أولغا – يا فكتور لقد خاب ظني.أنت خنزير ومحتال
البطل _ ( يتثاءب ) ليس عندي رغبة في الكلام
كورال المسنين -( كل واحد منهم يخاطب نفسه ) ليس عنده رغبة في الكلام..نسي أنه البطل الرئيسي.. ومن عليه أن يتكلم
أولغا – ( تضرب الأرض بقدمها منتهرة كورال المسنين ) صمتا .. لو أنك قلت ولو كلمة واحدة... لاشيء!
البطل - في هذه الظروف لا أحقق شيئا
أولغا- كنت تمسّد صدري ، تسللت كالأفعى ، غررت بي بالكلام المعسول البطل – الكلام المعسول؟
أولغا – قلت إننا سنملك بيتا ذا حديقة، وطفلين : صبيا وبنتا.. إنتهى العالم وأنت كذبت!. لقد حطمت حياتي ..
البطل – العالم لم ينته. ما زلنا أحياء. أنت لاتعرفين يا أولغا كم أنا مسرور لكوني قادرا على الإستلقاء. قادرا على الإستلقاء وتقليم الأظافر و الإستماع الى الموسيقى. الرؤوساء منحوني يوم الأحد كله . تعالي الى الفراش ولنتحادث
أولغا- أنا ذاهبة الى الأوبريت. لدي تذكرة.. لا اغفر لك أبدا
تخرج
البطل – أترك الجريدة . ظننت أننا جميعا سنموت ، إذا حدثتك عن الأطفال والزهور ، عن الحياة . هكذا ببساطة ( يفتح الجريدة. ينظر ثم يقرأ بصوت عال) (( ينبغي أن تكون القناني مغسولة تماما قبل تعبئة البيرة. في معظم الأحوال لا يكلف العمال أنفسهم في التأكد من نظافة القناني. والعاقبة أننا نعثر في القناني المعبأة على مختلف ( الأجسام الغريبة) وحتى أن الذباب يسبح في هذه البيرة . سبق أن كتبنا في مقالتنا الصغيرة السابقة عن موضوع البيرة حول العلاقة البربرية تقريبا للعاملين في تجارة المفرد مع هذا المشروب. ففي تجارة البيرة هناك فرص تحصل للغش. مثلا يعملون من برميل في مائة لتر من البيرة مائة وعشرين لترا ))
كورال المسنين – بطريقة بسيطة جدا
البطل – (( فزبائن البيرة يستلمون اأداحا فيها رغوة أكثر من اللزوم. أقداحهم مملوءة الى النصف وحتى الى الثلث بالبيرة والباقي هو رغوة)). (تنتاب الحيوية صوت البطل وليصبح متهدجا) أكيد أنه من المفروض أن تملك البيرة ما يسمى بياقة الرغوة لكن المقصود أن يكون محتوى الكأس وفق المقرر والمتبع، لذلك ينبغي أن تكون جميع الكؤوس معلمة، عليها إشارات تبين أن هذه الإشارة تعني 250 و تلك 500 سنتمتر مكعب من المشروب.. وللأسف لا يتم غسل قدح البيرة بصورة جيدة، فالكثير منها مغطى بطبقة من الدسم. والدسم هو العدو رقم واحد لهذا المشروب الذهبي. و في تجارة البيرة نلقى إستخفافا تاما بالمسؤولية يستحق العقاب. ينبغي وضع حد للأمر. ينبغي إنزال...))
كورال المسنين – العقاب
المسن الأول - ( يضع يده المكوّرة على هيئة بوق على أذنه) عن أيّ شيء يتكلم؟
المسن الثاني – عن البيرة
المسن الثالث – هل في موضوع البيرة غمزات بالسلطة، ما بين السطور ، رموز ، مجازات، تشبيهات ، هل أن بطلنا مبارز؟
المسن الأول – لقد تكلم عن البيرة
المسن الثاني - لابد أن شيئا مخف هناك ، في البيرة
المسن الثالث – يقول إن الذباب يعوم في البيرة
المسن الثاني – الذباب ؟ ثمة شيء ما هناك في كل الأحوال
المسن الأول - هذا لغو. البيرة تعني عنده بيرة والذبابة ذبابة. لا أكثر ولا أقل
المسن الثالث – الرأفة ، هذا ليس بطلا. ببساطة إنه قمامة، أين هم أبطال الماضي أمثال أورفيوس والمحاربين والرسل. ذبابة في ( البيرة الصغيرة )! وحتى أنها ليست في البيرة بل الصغيرة. ما هذا ؟
المسن الثاني – ( يكشر ساخرا ) هذا مسرح يليق بأزماننا العظيمة.
المسن الثالث – الأزمان ، كما يبدو ، كبيرة ولكن الناس هم صغار
المسن الأول – كالمعتاد ، كالمعتاد
المسن الثالث – في البيرة الصغيرة يسبح الذباب ؟ أكيد أن هناك سرّا في الأمر
أفراد الكورال يهزون رؤوسهم موافقين.
هدوء تام. يعلو فجأة غناء أحد طيور الكناري. بعد دقيقة واحدة يدخل الى الغرفة رجل عجوز شواربه طويلة وعلى رأسه قبعة قديمة.
البطل – خالي !
الخال – كنت في زيارة حج الى الدير.. و أنت في الطريق. وكما يقال ( دخل الجحيم لأنه كان في الطريق). ما هي أخبارك يا ستاش؟ ( 9 )
البطل – لاشيء ، لاشيء يا خالي. عمر طويل إنقضى ولم نلتق ، خمس وعشرون سنة يا خالي ! ، ( البطل يجلس على الفراش ويعدل جواربه ) أكيد أن رجليك تؤلمناك يا خالي. فقد سرت مائة كيلو متر. أرجوك أن تجلس. لكم هو شيء حسن أن يزورني الخال. سأسخن الماء لرجليك، وللشاي. إستلق يا خالي ! ونقع رجليك ( يخرج البطل من تحت الفراش طاسة كبيرة ويسكب الماء فيها. يسكب ماءا حقيقيا من أبريق حقيقي في طاسة حقيقية) أرجوك يا خالي ..ها أن الماء..( البطل ملؤه الغبطة ، يدور حول الخال ).. يا خالي.. الخال( بفتح اللام الثانية).. الخال ( بضمها ).. الخال( بكسرها).. مع الخال .. أوه !. ياخالي.. في الخال..
الخال – فتى مستقيم. أشكرك يا بني على هذا الإستقبال ( الخال يخلع حذاءه الطويل و الجوارب. ينقع رجليه في الطاسة) كيف هي الحال يا فواديك؟
البطل – أردت أن أكتب الى الخال لكن زوشا (10) قالت بأنك مريض. إذن إعتقدت أن الخال قد توفي.( يضع يديه على كتف الخال ) أنا مسرور للغاية لرؤيتك يا خالي. أنت لاتقدر على تصوّر سروري. ما هي الأخبار؟
الخال – بشكل من الأشكال أدفع عربة العمر. ويا لها من غبطة!
البطل – ياله من خال حقيقي !. القبعة حقيقية أيضا ( يخلع قبعة الخال) الشوارب حقيقية ، والرجلان حقيقيتان. والسروال حقيقي والقلب حقيقي. والمشاعر والأفكار حقيقية. خال حقيقي بالكامل. وحتى الحذاء الطويل عند الخال حقيقي والأزرار والكلمات. كلمات حقيقية!
البطل يتكلم بتأثر و إنفعال منتزايدين.
الخال- ماهي أخبارك يا فواديك ، هيلينكا (11) أخبرتني أنك كنت في باريس
البطل – كنت
الخال – طيب ، كيف الحال هناك ، تكلم شيئا عن باريس هذه. أنا لن أشاهدها في حياتي .. والخالة متشوقة الى معرفة أخبار باريس
البطل – بكل سرور يا خالي
الخال – لم تضع وقتك هناك ، أليس كذلك؟
البطل - ربما
الخال- كيف يعيش بنو آدم هناك؟
البطل – يعيشون بهذه الصورة وتلك .. بصور مختلفة ( يخرج علبة سجائر) تفضل. إنها فرنسية
الخال – آخذ إثنتين طالما أنها فرنسية
البطل – إشتريت بضع علب ثقاب في باريس ، صابوت تواليت. فرشاة أسنان وشفرات حلاقة وقمصان وعطور و أزواجا من النعال ودبابيسا من نوعين وإبرا.
كورال المسنين ينظر الى إحدى الصور الفوتوغرافية . يضحكون. يتبادلون الحكايات التي يمكن سماع نتف منها.
الخال – وكيف الحال في الفنون الجميلة ، في الأدب هناك؟.. في السياسة؟
البطل – مختلفة. يصعب على المرء أن يفهم الحال. هل يعرف الخال أنني شاهدت بالحجم الطبيعي نابليون والبابا والملكة ، الجميع بلون وردي ومن الشمع. إنهم يأكلون هناك سلطة كبيرة وجبنا ويشربون النبيذ. بالطبع هو المطبخ الفرنسي
الخال- غيّرت الهواء قليلا. وتبضعت
البطل – المدينة يا خالي يلفها ضباب خفيف أزرق كما لو أنها في كحول نقي.
الخال – ( بعد لحظة صمت ) لكن..يبدو أنك كئيب بعض الشيء.. أوي يا كاج يا كاج (12 ) أين موقع همومك؟
البطل – آه ياخالي ، لا فائدة من الكلام.. كنت قد صفقت و أطلقت هتافات
الخال – مامعنى ( صفقت) ؟
البطل – بالضبط صفقت
الخال – الجميع صفقوا
البطل – لايهمني الجميع. أنا افكر بنفسي. لقد صفقت
الخال – أنت طفل صغير يا بيوتروش (13). بيكاسو صفق أيضا
البطل – يا خالي ، يا خالي..
الخال – طيب ماذا تريد أن تقول يا كاج ؟
البطل - أنا أعرف أن الكثيرين صفقوا لكنهم نسوا الأمر. هم الآن يهتمون بأنواع السيارات أو أنهم يلهون في الحفلات التنكرية بينما أنا مكتوف اليدين وذلك التصفيق يصفق في داخلي. وفيّ أحيانا مثل هذا التصفيق الكبير. أنا فارغ كالكنيسة في الليل. التصفيق ياخالي ، التصفيق..
صمت
الخال – عموما أنتم ضعفاء وخائرو القوى. واحدهم لايعرف العدّ ويضرب أخماسا بأسداس.. وأنا ما عليّ قوله؟ وأيّ اهمية لتصفيقكم ، أنا أتذكر أنه أثناء فورات الغضب قذفنا بقائدنا الى حساء الطماطم. لحظة. ماذا كان إسمه؟
البطل – الى الحساء؟
الخال- حينها كان حساء الطماطم يغلي في القدر الكبير.. كانت أوقاتا مليئة بالقلق ، إضطرابات شتى ، حالات تمرد ، بإختصار كان هناك غليان. ونحن قذفناه هناك ووضعنا الغطاء. و شواربه طبخت معه. طبخت مدالياته ومهمازا حذائه ، لغاية الان لا أتمالك نفسي من الضحك حين أتذكر ما جرى ( يربت الخال على كتف البطل) أنت تملك ضميرا رقيقا. أنا لا أغفر لك ذنوبك!
البطل –أنا حزين يا خالي. هل تعرف بأنني حين كنت صبيا، كنت ألهو متظاهرا بأنني حصان. كنت أعدو بعرف متناثر الشعر في الشوارع والباحات. أما الآن فأنا ياخالي لا اقدر على أن أتحول الى إنسان رغم أنني مدير مؤسسة. أرغب أن أحفر الأرض و أخرج منها بضع قطع بطاطس وأشويها للخال. البطاطس ذات قشرة رمادية خشنة. إنها في الداخل بيضاء وهشة وساخنة. رغبت لوكان عندي ، في الحياة ، شجرة تفاح بأغصانها وأوراقها الصغيرة وزهورها وتفاحها.. ومنذ أمد طويل لم أجلس في الظل. التفاحة مطلية بطبقة شفافة من الشمع ، وبصمات الأصابع تكون واضحة للغاية على مثل هذه التفاحة. التفاح معلق على الأغصان. ينتظر يدي. تماما كالفتاة...
الخال – طيب يا كاج هل تعود إلينا؟ نحن جميعا بإنتظارك. ماما و الأخوات.
البطل - لا أقدر ياخالي
الخال – لاتريد أن تعود من العالم الى البيت؟
البطل – لا أريد
الخال – ألم تشبع بعد؟
البطل – لا ياخالي. الشهية تزداد حين أفتح فمي ، أطمع في أن ألتهم المدن والناس والمباني والصور و أجهزة اتلفزيون والدراجات النارية والنجوم والجواري والجوارب وساعات اليد والألقاب والكمثرى والحبوب الطبية والصحف والموز وكنوز الفن...
الخال- إذا أردت فإحزم حقيبتك وتعال معي ، غدا ستكون في البيت
البطل – لا ياخالي أنا لا اقدر على العودة
الخال – تعال ، تعال. الطيور تغني ، الربيع قادم
البطل – هناك قضايا كثيرة عليّ أن أسهّلها، شتى القضايا. من الصعب تركها. ربما سأعود فيما بعد
الخال- ( يمسح رجليه بالبطانية. يلبس حذاءه و يدفع بالطاسة المملوءة بالماء تحت الفراش) طيب يا دجيديك ! (14) ، أنا ذاه