|
لا شمس في الدائرة
عبدالرزاق الربيعي
مونودراما في فصل واحد
(
رجل في أواخر الأربعينيات , يقيم في قبو ضيق, الإضاءة خافتة , رف
من الكتب خلفه, أدوات طبخ , سجادة للصلاة , مرآة صغيرة , مذياع ,
ينام بوضع أشبه بوضع الطفل في رحم أمه , ينهض من نومه اثر ضربات
يسمعها من الأعلى )
صوت
الأم
:جواد ..جواد..انهض ..انهض ..هل مازلت نائما؟
جواد
: لا ياامي , هل من شيء جديد ؟
صوت
الأم
: نعم يا ولدي , هل سمعت الأخبار ؟ المحتلون دخلوا المدينة ,
والكابوس سينتهي
جواد
: دخلوا المدينة ؟ إذن سنستبدل كابوسا بكابوس ؟
صوت
الأم
: افرح يا بني , ستخرج للحياة من جديد
جواد
:
وهل بقيت حياة تستحق أن تعاش بعد كل هذه السنوات ؟
صوت
الأم
:نعم بقي الكثير , بقي الكثير , بقيت أنا وإخوانك وأخواتك واهلك
وبلدك
جواد
: بلدي الذي خرج من ظلام ليدخل في ظلام
صوت
الأم
: افرح يا بني افرح , لقد حان الوقت لعودتك للحياة والناس والشوارع
والشموس
جواد
: تأكدي أولا من الخبر , لااريد أن أغامر بحياتي بعد كل تلك السنين
الطوال التي أمضيتها في هذه الدائرة هل الوضع آمن فوق ؟
صوت
الأم :
نعم يا ولدي والا لما تكلمت معك
جواد
:هل
أغلقت الأبواب والشبابيك جيدا ؟
صوت
الأم :
نعم , فالمخبرون منتشرون في كل مكان من القرية
جواد
:عن
أي شيء يبحثون ؟
صوت
الأم:
عن كل شيء , لكنهم كانوا في حالة ذعر , ولم يسألوني عنك هذه المرة
جواد
:
وهل
تعتقدين أنهم في حال يمكنهم من السؤال عني ؟
صوت
الأم:
لم لا ؟ لقد سالوا عنك قبل أسبوعين من بدء الحرب
جواد
:وماذا
يريدون مني بعد كل هذه السنوات ؟
صوت
الأم:
أسئلة روتينية اعتدنا على سماعها
جواد
:وماذا
قلت لهم ؟
صوت
الأم:
كالعادة , انك خرجت منذ عام 1981 ولم تعد
جواد :لقد
سقطت حكومات , وتغير وجه العالم , وتفتت الاتحاد السوفيتي ,
وصارت أمريكا سيدة العالم , وهم لم يتغيروا أبدا ؟
صوت
الأم:
ستنتهي الحرب , وسينتهي كل شيء معها, وسيعود صديقك نزار من الخارج
, ستواصلان أحاديثكما فوق السطح إلى الصباح
جواد
:
هل حقا ستعود تلك الأيام ؟ كم أنا مشتاق إليها !!كم أنا مشتاق
لجلسة مسائية صيفية واحدة على السطح
صوت
الأم :
سيعود كل شيء , سيعود كل المهاجرين , وستخرج من الحفرة بمجرد
انتهاء الحرب وزوال الكابوس الذي أشعلها
جواد
:بمناسبة
الحرب , البطاريات في مذياعي أصبحت ضعيفة , إذا تمكنت حاولي إنزال
بطاريات ولو نصف عمر , لا أظن أنني سأمكث طويلا
صوت
الأم:
حاضر , إن شاء الله تنفرج , وتعود إلينا من جديد
جواد
:إن
شاء الله , وهل يوجد قتال في الشوارع ؟
صوت
الأم:
لا ,فالمدينة تسقط بدون مقاومة
جواد
:وهل
تقاتل الشاة من اجل السكين التي في يد جلادها؟
صوت
الأم
: انظر للأعلى هذا الرغيف هو فطورك وقد دهنته بالزبدة والسكر ومعه
دلو الماء
جواد
: شكرا يا أمي أبقاك الله لي ( تنزل سلة الطعام )
صوت
الأم
: هل وصلت السلة ؟
جواد
: نعم وصلت , شكرا , شكرا
صوت
الأم:
هناك من يطرق الباب سأذهب لأرى من يكون , وداعا, خل بالك من نفسك
جواد :اطمئني
يا أماه , لا تخافي علي َمن حوادث المرور , وأصدقاء السوء , فانا
في الحفظ والصون مادمت أتنفس وسط الدائرة ( للجمهور ) نعم منذ
أكثر من عشرين سنة وأنا في هذه الدائرة الضيقة , أترقب لحظة
الخلاص , دخلته شابا يافعا , وها أنا شيخ متهدم , يحلم برؤية الشمس
, والسير تحتها لنصف ظهيرة , بل لربع ظهيرة , ساعة من ظهيرة
شتائية وسط لسعات البرد , الله !!! الشمس , لا احد يشعر بوجودك إلا
في الأيام الغائمة , حيث يتكثف حضورك في الغياب , مثل الله , اذكر
إنني رأيت في أيامي المشمسة فلما ً لـ (باز وليني ), اذكر جيدا
صورة ذلك الشاب الفقير الذي طلب من حفار القبور أن يدفنه , عندما
تحين ساعته , في ارض تسقط عليها أشعة الشمس , آنذاك يعتقد انه
سيحقق سلامه الكامل , وها أنا أعيش نصف عمري بعيدا عن حنانها ,
محروما من اشراقتها , هنا في هذه الدائرة حيث يتعفن الهواء ,
والماضي , والذكريات , والخوف , والأمل , أمضيت نصف عمري , كل شيء
بدا يزول ويتلاشى شيئا فشيئا ,تساوى الليل والنهار , الحياة والموت
, الطعام ومخلفات الإنسان , أصبح الصوت البشري –سوى صوت أمي –
يرعبني, الشمس نسيت شكلها ,البرد نسيته , لانهار ولا فصول , لا
أطفال , كم أحب مشهد خروج الأطفال للمدارس في الصباح , ووقوفهم في
الطوابير
(
يغني ) :
لاحت
رؤوس الحراب تلمع فوق الروابي
هاكم
وفود الشباب هيا فتوة للجهاد
هيا
هيا هيا هي هيا فتوة للجهاد
الإضاءة ضيقة هنا , لا أريدها أن تكون أفضل من هذا , والا انقطع
عني الهواء
منذ
عشرين سنة والدائرة تلتف على عنقي , مثل حبل المشنقة الذي هربت
منه إلى الدائرة , الطفل الذي رايته آخر مرة صار رجلا يحمل على
صدره طفلا من صلبه , وأنا هنا في هذا القبو أتابع حركة الأرض وهي
تدور ببطء شديد على دائرتي التي حفرتها بيدي َ هاتين , كنت حينها
اشعر كأني حفار قبور يحفر لنفسه زاوية يدفن بها جثته , لتكون آخر
عمل يقوم به , دون مقابل , انه يرتبها وفق مزاجه الشخصي , هنا مكان
الرأس , راسي , وهناك تسترخي القدمان المتعبتان , قدماي , وحينما
يصادف أثناء حفره دودة , يحملها بإشفاق ويناديها : يا دودتي ,
سأقدم لك جثتي وجبة طازجة , صحيح إنها ليست دسمة , لكنها تكفيك ,
أنت ِ وعشيرتك ِ لسنين طويلة , فابقي هنا لازمي المكان جيدا , عما
قريب ستذبل الروح وتسمنين من لحم هذا الجسد , ليس أنت ِ فحسب , بل
سيسمن الظلام , ستسمن عناصر الأرض , سيسمن الموت أيضا , لكني لن
اسلم نفسي له بسهولة , لن اسلم نفسي للموت ولا لحفار القبور ولا
لحبل المشنقة ,سأظل احتفظ بنَفَسي , شهيقا وزفيرا , لن أكلف العالم
سوى الشهيق والزفير , لن أكلف الشمس شيئا , ولن يطأ قدمي الأرض
مثلما يفعل البشر العاقون , كيف يسحقون جسد أمهم الأرض ؟ أنا
أنام في رحمها مثل جنين يسترخي في رحم أمه , لا لا يجب أن نغير هذه
العلاقة , حتى لو سقط الطاغية وعادت الأمور إلى نصابها , يجب ألا
أدوس جسد الأرض بقدمي , يجب أن أصافحها بيدي عندما أسير , إذن
علينا أن نسير بالمقلوب , هكذا , نعم هكذا ينبغي أن نعامل أمنا
الأرض بكل شفافية , واحترام , إنها تشعر بنا مثل الأشجار , وتحس
بالمهانة التي تتلقاها من جراء سير الإقدام , لكنها تسامحنا ,
وتغفر لنا زلاتنا , تتحاور معنا , وحدهم الطغاة لا يمكن لهم
الحوار مع الشعوب , عندما القوا القبض على عمي , وفلت نزار من
قبضتهم , وكنا قد اتفقنا نحن الثلاثة على الهروب من الحدود ,
بمساعدة مهرب كردي , فوشى احد كتبة التقارير بنا , هرب نزار إلى
الخارج وقع عمي في قبضتهم قلت: إن الدور سيصلني حتما , سيسالون
:مع من كانا يريدان السفر ؟ سيجيبون ؟ مع جواد , سيسالون : أين
جواد ؟ كان علي َ أن أفكر بطريقة تبقيني على وجه الأرض , تبقي هذا
النَفَس يصعد ويهبط , ولم أجد سوى أن اشق لنفسي حفرة داخل الأرض ,
كيف ؟ سألتني أمي , قلت لها : على الإنسان ألا يسلم رقبته لمشنقة
مصابة بجنون المشانق , ستقول : جنون المشانق ؟ نعم جنون المشانق ,
, وتصاب بهذا النوع من الجنون المشنقة إذا التفت على عنق بريئة ,
ومشانق الطاغية كلها مصابة بهذا المرض الخطير , وعليه يجب أن
أجنبها عنقي التي لا املك سواها , لم تفهم أمي كلامي لكنها رأت
إصرار الحياة في عيني َ , بحثنا عن مكان مناسب لم نجد سوى أرضية
المطبخ لأنها مخفية عن الأنظار أثناء عملية الحفر التي امتدت إلى
أكثر من أسبوع , وعندما أنهيت كل شيء كانت جثة عمي قد وقعت فريسة
لجنون المشانق , وتعقبوا آثار نزار التي أمحت تماما و بدأوا البحث
عن رقبتي , حينها , وضعت كل ما احتاجه لاستمرار تنفسي , أدوات طبخ
, مذياع لربطي بحبل سري مع العالم الخارجي , أنا الآن اسمع الأصوات
مصحوبة بمؤثرات موسيقية ولاأتخيل أن يتكلم الإنسان دون مؤثرات
موسيقية , حتى إنني استنكر أحيانا صوت أمي , لولا موسيقى القلب
التي تسبق دفء صوتها , وضعت هذه المرآة لأعد التجاعيد , ومقصا
صغيرا لتشذيب شعري ولحيتي , أما عن الحاجة , فقد حفرت هذه الحفرة
التي تحت قدمي , وضعت ساعة لمعرفة مواعيد الصلاة واصطحبت معي كتاب
الله , وكتبا أخرى ومصباحا , وقليلا من الخوف , هذا كل ما احتاجه
للدائرة التي أطبقت علي َالذي كل هذه السنين مثل قبر , سهل على
الميت أن يوضع في قبر, لكن من الصعب جدا أن يتنفس تحته , انه
الجحيم الأرضي , لكن مادمت قد قررت أن أعاند الموت , علي أن
استخدم كل الوسائل المتاحة لمعاندة الموت , خصوصا إذا كان يأتيك
على يدي مشنقة مجنونة يقف وراءها جلاد مثل جلادنا الذي ألهب ظهر
ارضنابرشقات وسياط عظام ضحايا ه مقوضا بناء الله , أما سمعت (
الإنسان بناء الله , ملعون من هدمه ) , والجلاد هدم التاريخ
والآن والغد , هدم المساجد والبيوت والمقابر , هدم الأنهار ,
والاهوار , والجبال , هدم غابات النخيل والبساتين والأعشاش , هدم
الفرحة في الشفاه , علينا ألا نفرط بالحياة أبدا .. والا نستسلم
للموت , لأنه يجعلنا نفقد الكثير من الامتيازات التي يحصل عليها
الأحياء , الموت اكبر كارثة يمكن أن يواجهها الإنسان , خصوصا إذا
كان ما يزال قادرا على العطاء , على الإنسان أن يتمسك بالحياة
ويقاوم الموت إلى أن يعطي كل ما عنده للآخرين ...علينا أن نقاوم
الموت , والعيش في هذه الدائرة لكل تلك السنوات شكل من أشكال
المقاومة , لا ليس هروبا أبدا , لم اهرب من الحياة , إنما هربت ممن
يريدون قتل الحياة داخل كينونتي , هربت من الموت المجاني , مدافعا
عن كرامة الحياة , أتذكر إنني كنت ذات يوم محبطا , فذهبت إلى عمي
- قبل أن يلتف على عنقه حبل الموت- بصحبة نزار , كان عمي
يتمتع بحيوية عجيبة , وعندما راني على هذا الحال , قال لي , وكان
يزرع في حقل , : هون عليك يابن أخي , انظر إلى هذه النبتة الصغيرة
, المنقطعة عن الماء , أتعرف كيف تحصل على الماء ؟ أجبته بالنفي ,
ضحك , ثم ضرب الأرض بمسحاته , فأخرجها وإذا هي مربوطة بحبل يبلغ
سمكه عشرات أضعاف حجم النبتة , وقال : هذا جذر هذه النبتة , وقبل
أن تصعقني الدهشة قال : سأريك من أين تحصل على مائها ,سار شاقا
الحقل بمسحاته مزيحا التراب عن الجذر الذي امتدت لأكثر من أربعين
مترا , حتى وصلنا إلى ساقية صغيرة وقال : تلك النبتة تمد كل هذا
الجذر لكي تحصل على غذائها الذي يجعلها تستمر في الحياة , ثم التفت
لي وقال : أما زلت محبطا ؟؟ حينها ربت نزار على كتفي وقال لي :
علينا لا ننهار أمامهم , فذلك يسرهم , علينا أن نحافظ على تماسكنا
, علينا أن نضحك , لكي نغيظهم نضحك , نضحك , هههههههههه
اسمع
الآن حركة فوق , علي أن اخفض صوتي , تعودت أن أتكلم مع نفسي لكي لا
أنسى صوتي , مثلما تعودت أن احلق ذقني صباح كل جمعة , واغتسل ,
اقرأ القران الكريم , أقيم فرحي الخاص , فرحي بنجاتي من براثن
الموت , لا تتصوروا إنني أخاف الموت , ولست متهالكا على الحياة ,
لكن لن أفرط بحياتي , ماداموا هم من يريد ذلك , ودائما اردد ما
قال جيفارا ( لايهم أن يفاجئنا الموت ..أهلا به , إذا كانت صرختنا
ستسمع ) ووجودي هو صرخة ستشق فضاء الديكتاتورية عندما أطلقها بعد
اندحارها ونجاتي
هل
سمعتم حكاية المراة العجوز مع الحكيم كونفوشيوس ؟ التي رواها لي
نزار الذي سيعود , وأنا سأخرج ونجلس على سطح المنزل في ليالي
الصيف مواصلين أحاديثنا , لكن من ذا الذي يعيد عمي إلى حقله ؟ من
ذا ؟ من ذا ؟ ( يبكي ) آسف , لم ابك منذ زمن بعيد منذ ثلاث سنوات ,
عندما ماتت شقيقتي بداء عضال , ماتت دون أن أتمكن من رؤيتها , كانت
تحتضر فوق , وأنا أعض التراب حزنا , وعندما سمعت الصراخ , كان كل
شيء قد انتهى , قبل ذلك بسنوات بكيت على أخي الصغير الذي سقط في
الحرب مع إيران , دون أن يعرف لماذا سقط ؟ كانت إذاعة النظام تردد
:
احنه
مشينه مشينه مشينه للحرب
دون
أن يسال احد لماذا مشينا ؟ ولماذا عدنا ؟ ولماذا سقط أخي في شرق
البصرة , قالت أمي إن القرص دلهم على أجزائه المبعثرة اثر
انفجار لغم فجمعوها في تابوت لف بالعلم العراقي , وقالوا : ابنك
شهيد الوطن , وقبل أن ينتهوا من خطابهم الجاهز , سألوا أمي عني ,
فانفجرت بالبكاء , عند ذلك غادروا العزاء مستائين , لأنهم لم
يظفروا بمعلومة يحصلون من ورائها على ترقية , ألا يحق لعجوز
كونفوشيوس في القصة التي رواها لي نزار أن تغادر المدينة , لا
تظنوا إنني نسيتها , هل انتم متشوقون لسماعها ؟ حسنا ,لا تستعجلوا
سأرويها لكم بعد هذا الفاصل ( يضحك يجلس على الحفرة التي تحت
قدميه ) زار كونفوشيوس قرية تقع على مشارف غابة ,فوجد امرأة تبكي
, سألها :لماذا تبكين ؟
المراة العجوز
: لأن الوحش أكل ابني
كونفوشيوس
: انه خطب مؤلم جدا , أعانك الله , وهل لديك غيره؟
المراة
: كان لي ولد , واكله الوحش أيضا
كونفوشيوس
: هذا أمر مؤسف جدا , لابد من الصبر , وهل لديك ولد ثالث ؟
المراة العجوز
: نعم , ولكن أكله الوحش هو الآخر
كونفوشيوس
: ماذا ؟ أكله الوحش ؟ انك امرأة شقية جدا
المراة العجوز
: وهكذا بقيت وحدي بعد رحيل أولادي الثلاثة
كونفوشيوس
: ولماذا لم تذهبي إلى المدينة لتتخلصي من شرور الوحش ؟
المراة العجوز
:
هناك من هو أشر من الوحش
كونفوشيوس
: وهل هناك من هو أشر من الوحش الكاسر ؟
المراة العجوز
: نعم
كونفوشيوس
: وما هو ؟
المراة العجوز
: الحاكم الظالم
كونفوشيوس
: ماذا تقصدين ؟
المراة العجوز
: يوجد في المدينة حاكم ظالم , ومجاورة الوحش أهون من العيش تحت
سلطة الحاكم الظالم
حينها التفت كونفوشيوس لطلابه وقال لهم : دونوا هذا عندكم ومجاورة
الوحش أهون من العيش تحت سلطة الحاكم الظالم
وأنتم ( للجمهور ) دونوه كذلك , وهكذا فضلت العيش في هذه الدائرة
المغلقة على الخروج إلى عالم الحاكم الظالم
(
صوت الأم يعود من جديد وبشدة )
صوت
الأم
:
جواد , جواد , رأيت بعيني دبابة أمريكية , والحكومة فص ملح وذاب
جواد
: اخفضي صوتك ياامي لكي لا يسمع احد ويشي بنا
صوت
الأم
: من يشي بنا ؟ لقد انتهوا تماما وجاءت الدبابات
جواد
: إذن جاءت الدبابة تنظف أوساخها القديمة
صوت
الأم
: انظر للأعلى سأنزل السلة وفيها البطاريات لتسمع بنفسك الخبر
السعيد
(
تنزل السلة )
جواد
: شكرا ياامي , أريد أن اسمع خبرا واحدا طالما تمنيت سماعه
صوت
الأم
: ستسمعه لكن..
جواد
: لكن ماذا ؟
صوت
الأم
: ما
زالوا يبحثون عنه, ومع ذلك هدموا تمثاله , ومزقوا صوره , تستطيع
الآن أن تخرج
جواد
: لا , ياامي لم يحن الوقت بعد
صوت
الأم
: إذا كنت ترى هذا فلا باس, الاحتياط واجب , علي أن اذهب الآن لكي
أتابع الأخبار في الخارج
جواد
: احترسي ياامي
صوت
الأم
: إن شاء الله
(
جواد يضع البطاريات في المذياع بخفة , الإذاعات تعلن عن سقوط
التمثال )
جواد
:إذن الخبر مثلما قالت أمي , يبدو إن الحلم قد تحقق ( يقفز إلى
الأعلى راقصا فيصطدم رأسه بالسقف ) آه , دائما هناك سقف , للفرح
سقف , للكلمة سقف , للصرخة سقف , للقبر سقف , لذا عندما اخرج ,
سأنشيء غرفة بلا سقف , نعم بلا سقف , وإذا نزل المطر , سأقول له :
تفضل أنت في بيتك , منذ أكثر من عشرين سنة وأنا لم أر قطرة مطر بل
لم اسمع صوت تساقطه وضرباته على السقوف , سأغسل وجهي بالمطر , بل
سأغتسل كلي بالمطر , نعم سأرفع السقوف ولن اسمح لها بمصادرة
امتداداتي مع الطبيعة , الجدران والسقوف تشوه علاقاتنا بالطبيعة ,
والديكتاتوريات جدران حديدية تحول بيننا والحياة , وهاهي تنهار
إلى الأبد فيتحقق حلمنا جميعا , ماذا سأفعل بعد خروجي ؟ هل
سأتزوج ؟ وانهض صباحا للعمل ؟ نعم انهض صباحا للعمل مثل كل الرجال
الذين يعيشون تحت الشمس , سأعمل وأتزوج , ويصبح لي أولاد , سأعلمهم
أن يعيشوا مثلي بدون سقف , وسأحيط بيتي بالأشجار العالية , كم أحب
الأشجار , آخر شجرة رايتها قبل أكثر من عشرين سنة , لابد أن أوراق
الأشجار أصبحت أكثر خضرة , وأكثر علوا , لكن متى سأخرج ؟سؤال يحتاج
إلى مراجعة وقراءة ذاتية عميقة , عليَ إذن أن أجهز أشيائي , ارتب
محيط الدائرة , أين علبة أسناني ؟ نعم تذكرت , إنها فوق الرف لقد
مضت عشر سنوات على سقوط آخر سن , سمعت في الإذاعة إن سبب تساقط
الأسنان هو نقص الكالسيوم , هنا كل شيء ناقص , إلا الحرية ,لذا
سقطت الأسنان ولم يسقط حلمي بالحرية , والآن تحقق الحلم , هذه علبة
أسناني , أما ذاك فهو الكيس الذي جمعت به شعري الأبيض الذي كنت
أشذبه بمقصي , أنا هنا حلاق نفسي , وطباخها , و خادمها وممرضها
والاهم من كل هذا سيدها ( يتناهى إلى سمعه خبر عن مسؤول أمريكي
يشير إلى احتلال العراق ) ما هذا ؟ ماذا يقول هذا الجنرال ؟ لابد
إنها زلة جنرال , من المؤكد إنها زلة جنرال , الجنرالات يزلون
كثيرا , وأهونها زلات ألسنتهم , علي أن أواصل عملي متناسيا هذه
الزلة غير المقصودة , ( تتكرر العبارة نفسها على لسان آخر ) ماذا
حدث ؟ هل كلهم أخطأوا التعبير ؟ أم تواطأوا على الخطأ ؟ الهي ماذا
يحدث فوق ؟ هل وقع الوطن في زلة جديدة ؟لم تمر سوى ساعات على
ولادة الحلم , لكنه ولد جريحا , لقد صرنا كمن يخرج من حفرة ليقع
في حفرة أخرى , لأطرد هذه الأفكار السوداء عني , الحلم مازال رضيعا
ويحتاج إلى عناية, علينا ألا نفرط في هذا الحلم أبدا , لقد تعبنا
في رسمه ( يسمع أنباء عن فوضى في البلاد وحرق مكتبات وسرقة متاحف
وبنوك , والأمريكان يحرسون وزارة النفط ) يا للخيبة !! ما الذي
حصل ؟ لماذا يحصل هذا ؟ ولماذا وزارة النفط ؟ عندما كنت في
الإعدادية , قال لنا مدرس مادة الجغرافيا , عام 1973 بعد حرب
أكتوبر : لدي ثلاث أمنيات , سألناه : ما هي ؟ قال : الأولى : أن
تردم قناة السويس , سألناه : والثانية : أجاب : الثانية أن تجف
آبار النفط العربي , ازددنا عجبا , قلنا والثالثة ؟ أجاب الثالثة
احتفظ بها لنفسي , رفعت إصبعي : وقلت له : لماذا تتمنى جفاف النفط
الذي رفلنا بخيراته ؟ ضحك وأجاب : عندما تكبر ستعرف لماذا ؟ والآن
عرفت يا مدرس الجغرافيا الذي لم يحضر الدرس التالي في اليوم التالي
, سألنا المدير عنه : أجاب : لقد وصلنا تقرير من احد الطلاب عن
أفكاره السوداء التي يبثها في الدرس , فذهب لينال جزاءه , واتينا
لكم بمدرس جديد أفكاره تتماشى مع المرحلة الراهنة , وجاء المدرس
الجديد , الذي كان يكرر لنا بسعادة ( انتم محظوظون , لان بلدنا
يطفو على بحيرة من النفط ) صدقناه , ولم نعرف أن بلدنا يطفو على
بحيرة من المصائب , هاهو النفط يحرق الأحلام , والبنايات , وسبعة
آلاف سنة من الحضارة , هاهو النفط قطعة الجبن الشهية التي تتجمع
حولها الجرذان من كل مكان , هاهو النفط يحرق سماءنا وأنهارنا ,
ويقف سيدا يحرسه الأمريكان
هاهو سوط الطاغية يتلاشى , وينتهي زمنه لكنه أبى إلا أن يترك
آخر سيئاته , الغزاة , لقد كن |