السنة الأولى                                            موقع الكتروني يعنى بكافة الفنون المسرحية            آخر تحديث  كان 18 حزيران 2003

 

الصعاليك يصطادون النجوم .. عبد الرزاق الربيعي

راس خارج على القانون.. مونودراما من فصل واحد..عبد الرزاق الربيعي

  مسرحة المكان لا تعني إلغاء سماته .. عبد الرزاق الربيعي

  نص مسرحية ( البهلوان ) عبد الرزاق الربيعي

 

  نص مسرحية ( ضجة في منزل باردي ) عبد الرزاق الربيعي

نص مسرحية (آه...أيتها العاصفة ) عبد الرزاق الربيعي

كأسك يا سقراط  ..مسرحية شعرية تاليف عبد الرزاق

 

 

 

 

   لا شمس في الدائرة

                    عبدالرزاق الربيعي

     مونودراما في فصل واحد

 

( رجل في أواخر الأربعينيات , يقيم في قبو ضيق, الإضاءة خافتة , رف من الكتب خلفه, أدوات طبخ , سجادة للصلاة , مرآة صغيرة , مذياع , ينام بوضع أشبه بوضع الطفل في رحم أمه , ينهض من نومه اثر ضربات يسمعها من الأعلى  )

صوت الأم :جواد ..جواد..انهض ..انهض ..هل مازلت نائما؟

جواد :  لا ياامي , هل من شيء جديد  ؟

صوت الأم : نعم يا ولدي , هل سمعت الأخبار ؟ المحتلون دخلوا المدينة , والكابوس سينتهي

جواد : دخلوا المدينة ؟  إذن سنستبدل كابوسا بكابوس ؟

صوت الأم : افرح يا بني , ستخرج للحياة من جديد

جواد : وهل بقيت حياة تستحق أن تعاش بعد كل هذه السنوات ؟

صوت الأم :نعم بقي الكثير , بقي الكثير , بقيت أنا وإخوانك وأخواتك واهلك وبلدك

جواد : بلدي الذي خرج من ظلام ليدخل في ظلام

صوت الأم : افرح يا بني افرح , لقد حان الوقت لعودتك للحياة والناس والشوارع والشموس

جواد : تأكدي أولا من الخبر , لااريد أن أغامر بحياتي بعد كل تلك السنين الطوال التي أمضيتها في هذه الدائرة هل الوضع آمن فوق ؟

صوت الأم : نعم يا ولدي والا لما تكلمت معك

جواد         :هل أغلقت الأبواب والشبابيك جيدا ؟

صوت الأم : نعم , فالمخبرون منتشرون في كل مكان من القرية

جواد         :عن أي شيء يبحثون ؟

صوت الأم: عن كل شيء ,  لكنهم كانوا في حالة ذعر , ولم يسألوني عنك هذه المرة

جواد        : وهل تعتقدين أنهم  في حال يمكنهم من السؤال عني ؟

صوت الأم:  لم لا ؟ لقد سالوا عنك قبل أسبوعين من بدء الحرب  

جواد        :وماذا يريدون مني بعد كل هذه السنوات ؟

صوت الأم: أسئلة روتينية اعتدنا على سماعها

جواد        :وماذا قلت لهم ؟

صوت الأم: كالعادة , انك خرجت منذ عام 1981 ولم تعد

جواد        :لقد سقطت حكومات , وتغير وجه العالم , وتفتت الاتحاد السوفيتي     , وصارت أمريكا سيدة العالم , وهم لم يتغيروا أبدا  ؟

صوت الأم: ستنتهي  الحرب , وسينتهي كل شيء معها, وسيعود صديقك نزار من الخارج , ستواصلان أحاديثكما  فوق السطح إلى الصباح

جواد : هل حقا ستعود تلك الأيام ؟ كم أنا مشتاق إليها !!كم أنا مشتاق لجلسة مسائية  صيفية واحدة على السطح

صوت الأم : سيعود كل شيء , سيعود كل المهاجرين , وستخرج من الحفرة بمجرد انتهاء الحرب وزوال الكابوس الذي أشعلها

جواد        :بمناسبة الحرب , البطاريات في مذياعي أصبحت ضعيفة , إذا تمكنت حاولي  إنزال بطاريات ولو نصف عمر , لا أظن أنني سأمكث طويلا

صوت الأم: حاضر , إن شاء الله تنفرج , وتعود إلينا من جديد

جواد        :إن شاء الله , وهل  يوجد قتال في الشوارع ؟

صوت الأم: لا ,فالمدينة تسقط بدون مقاومة

جواد        :وهل تقاتل الشاة من اجل السكين التي في يد جلادها؟

صوت الأم : انظر للأعلى هذا الرغيف هو فطورك وقد دهنته بالزبدة والسكر ومعه دلو الماء

جواد : شكرا يا أمي أبقاك الله لي ( تنزل سلة الطعام )

صوت الأم : هل وصلت السلة ؟

جواد : نعم وصلت , شكرا , شكرا

صوت الأم: هناك من يطرق الباب سأذهب لأرى من يكون , وداعا, خل بالك من نفسك

جواد       :اطمئني يا أماه , لا تخافي علي َمن حوادث المرور , وأصدقاء السوء , فانا في الحفظ والصون مادمت أتنفس  وسط الدائرة ( للجمهور ) نعم منذ أكثر من عشرين سنة وأنا في هذه الدائرة الضيقة  , أترقب لحظة الخلاص , دخلته شابا يافعا , وها أنا شيخ متهدم , يحلم برؤية الشمس , والسير تحتها لنصف ظهيرة , بل لربع ظهيرة , ساعة من ظهيرة  شتائية وسط لسعات البرد , الله !!! الشمس , لا احد يشعر بوجودك إلا في الأيام الغائمة , حيث يتكثف حضورك في الغياب , مثل الله , اذكر إنني رأيت في أيامي المشمسة فلما ً لـ (باز وليني ),  اذكر جيدا صورة ذلك الشاب الفقير الذي طلب من حفار القبور أن يدفنه , عندما تحين ساعته , في ارض تسقط عليها أشعة الشمس , آنذاك يعتقد انه سيحقق سلامه الكامل , وها أنا أعيش نصف عمري بعيدا عن  حنانها , محروما من اشراقتها ,  هنا في هذه الدائرة حيث يتعفن الهواء , والماضي , والذكريات , والخوف , والأمل , أمضيت نصف عمري , كل شيء بدا يزول ويتلاشى شيئا فشيئا ,تساوى الليل والنهار , الحياة والموت , الطعام ومخلفات الإنسان , أصبح الصوت البشري –سوى صوت أمي – يرعبني, الشمس نسيت شكلها  ,البرد  نسيته , لانهار ولا فصول , لا أطفال , كم أحب مشهد خروج الأطفال للمدارس في الصباح , ووقوفهم في الطوابير

 ( يغني ) :

لاحت رؤوس الحراب        تلمع فوق الروابي

هاكم وفود الشباب              هيا فتوة للجهاد

هيا هيا هيا هي                هيا فتوة للجهاد

 

الإضاءة ضيقة هنا , لا أريدها أن تكون أفضل من هذا , والا انقطع عني الهواء

منذ عشرين سنة  والدائرة تلتف على عنقي , مثل حبل المشنقة الذي هربت منه إلى الدائرة ,  الطفل الذي رايته آخر مرة صار رجلا يحمل على صدره طفلا من صلبه , وأنا هنا في هذا القبو أتابع حركة الأرض وهي تدور ببطء شديد على دائرتي التي حفرتها بيدي َ هاتين , كنت حينها اشعر كأني حفار قبور يحفر لنفسه زاوية يدفن بها جثته , لتكون آخر عمل يقوم به , دون مقابل , انه يرتبها وفق مزاجه الشخصي , هنا مكان الرأس , راسي , وهناك تسترخي القدمان المتعبتان , قدماي , وحينما يصادف أثناء حفره دودة , يحملها بإشفاق ويناديها : يا دودتي , سأقدم لك جثتي وجبة طازجة , صحيح إنها ليست دسمة , لكنها تكفيك , أنت ِ وعشيرتك ِ لسنين طويلة , فابقي هنا لازمي المكان جيدا , عما قريب ستذبل الروح  وتسمنين من لحم هذا الجسد , ليس أنت ِ فحسب , بل سيسمن الظلام , ستسمن عناصر الأرض , سيسمن الموت أيضا , لكني لن اسلم نفسي له بسهولة , لن اسلم نفسي للموت ولا لحفار القبور ولا لحبل المشنقة ,سأظل احتفظ بنَفَسي , شهيقا وزفيرا , لن أكلف العالم سوى الشهيق والزفير , لن أكلف الشمس شيئا , ولن يطأ قدمي الأرض مثلما يفعل البشر العاقون , كيف يسحقون  جسد  أمهم الأرض ؟ أنا أنام في رحمها مثل جنين يسترخي في رحم أمه , لا لا يجب أن نغير هذه العلاقة , حتى لو سقط الطاغية وعادت الأمور إلى نصابها , يجب ألا أدوس  جسد الأرض بقدمي , يجب أن أصافحها بيدي عندما أسير , إذن علينا أن نسير بالمقلوب , هكذا , نعم هكذا ينبغي أن نعامل أمنا الأرض بكل شفافية , واحترام , إنها تشعر بنا مثل الأشجار , وتحس بالمهانة التي تتلقاها من جراء سير الإقدام , لكنها تسامحنا , وتغفر لنا زلاتنا , تتحاور معنا ,  وحدهم الطغاة لا يمكن لهم  الحوار مع الشعوب , عندما  القوا القبض على عمي , وفلت نزار من قبضتهم , وكنا قد اتفقنا نحن الثلاثة على الهروب من الحدود , بمساعدة مهرب كردي , فوشى احد كتبة التقارير بنا , هرب نزار  إلى الخارج  وقع عمي في قبضتهم  قلت:  إن الدور سيصلني حتما ,  سيسالون :مع من كانا  يريدان  السفر ؟ سيجيبون ؟ مع جواد , سيسالون : أين جواد ؟  كان علي َ أن أفكر بطريقة تبقيني على وجه الأرض , تبقي هذا النَفَس يصعد ويهبط , ولم أجد سوى أن اشق  لنفسي حفرة داخل الأرض , كيف ؟ سألتني أمي , قلت لها : على الإنسان ألا يسلم رقبته لمشنقة مصابة بجنون المشانق ,  ستقول : جنون المشانق ؟ نعم جنون المشانق , , وتصاب  بهذا النوع من الجنون المشنقة  إذا التفت على عنق بريئة , ومشانق الطاغية كلها مصابة بهذا المرض الخطير , وعليه يجب أن أجنبها عنقي التي لا املك سواها , لم تفهم أمي كلامي لكنها رأت إصرار الحياة في عيني َ , بحثنا عن مكان مناسب لم نجد سوى أرضية المطبخ لأنها مخفية عن الأنظار أثناء عملية الحفر التي امتدت إلى أكثر من أسبوع , وعندما أنهيت كل شيء كانت جثة عمي قد  وقعت فريسة لجنون المشانق ,  وتعقبوا آثار نزار التي أمحت تماما و بدأوا البحث عن رقبتي , حينها , وضعت كل ما احتاجه لاستمرار تنفسي , أدوات طبخ , مذياع لربطي بحبل سري مع العالم الخارجي , أنا الآن اسمع الأصوات مصحوبة بمؤثرات موسيقية ولاأتخيل أن يتكلم الإنسان دون مؤثرات موسيقية , حتى إنني استنكر أحيانا صوت أمي , لولا موسيقى القلب التي تسبق دفء صوتها , وضعت هذه المرآة لأعد التجاعيد , ومقصا صغيرا لتشذيب شعري ولحيتي , أما عن الحاجة , فقد حفرت هذه الحفرة التي تحت قدمي , وضعت ساعة لمعرفة مواعيد الصلاة واصطحبت معي كتاب الله , وكتبا أخرى ومصباحا , وقليلا من الخوف ,  هذا كل ما احتاجه للدائرة التي أطبقت علي َالذي كل هذه السنين مثل قبر  , سهل  على الميت أن يوضع في قبر,  لكن من الصعب جدا أن يتنفس تحته , انه الجحيم الأرضي , لكن مادمت قد قررت أن  أعاند الموت , علي أن استخدم كل الوسائل المتاحة لمعاندة الموت , خصوصا إذا كان يأتيك على يدي مشنقة مجنونة يقف وراءها جلاد  مثل جلادنا  الذي ألهب ظهر ارضنابرشقات وسياط   عظام ضحايا ه   مقوضا بناء الله , أما سمعت ( الإنسان بناء الله , ملعون من هدمه ) , والجلاد هدم  التاريخ  والآن  والغد  , هدم المساجد  والبيوت والمقابر , هدم الأنهار , والاهوار , والجبال , هدم غابات النخيل والبساتين والأعشاش , هدم الفرحة في الشفاه   , علينا ألا نفرط بالحياة أبدا .. والا نستسلم للموت , لأنه يجعلنا نفقد الكثير من الامتيازات التي يحصل عليها الأحياء , الموت اكبر كارثة يمكن أن يواجهها الإنسان , خصوصا إذا كان ما يزال قادرا على العطاء , على الإنسان أن يتمسك بالحياة ويقاوم الموت إلى أن يعطي كل ما عنده للآخرين ...علينا أن نقاوم الموت , والعيش في هذه الدائرة لكل تلك السنوات شكل من أشكال المقاومة , لا ليس هروبا أبدا , لم اهرب من الحياة , إنما هربت ممن يريدون قتل الحياة داخل كينونتي , هربت من الموت المجاني , مدافعا عن  كرامة الحياة , أتذكر إنني كنت ذات يوم محبطا , فذهبت إلى عمي - قبل أن يلتف على عنقه حبل الموت-  بصحبة نزار  ,   كان عمي  يتمتع بحيوية عجيبة , وعندما راني على هذا الحال , قال لي , وكان يزرع في حقل , : هون عليك يابن أخي  , انظر إلى هذه النبتة الصغيرة , المنقطعة عن الماء , أتعرف كيف تحصل على الماء ؟ أجبته بالنفي , ضحك , ثم ضرب الأرض بمسحاته , فأخرجها وإذا هي مربوطة بحبل يبلغ سمكه عشرات أضعاف حجم النبتة , وقال : هذا جذر هذه النبتة , وقبل أن تصعقني الدهشة قال : سأريك من أين تحصل على مائها ,سار شاقا الحقل بمسحاته   مزيحا التراب عن الجذر الذي امتدت لأكثر من أربعين مترا , حتى وصلنا إلى ساقية صغيرة وقال : تلك النبتة  تمد كل هذا الجذر لكي تحصل على غذائها الذي يجعلها تستمر في الحياة , ثم التفت لي وقال : أما زلت محبطا ؟؟ حينها ربت نزار على كتفي وقال لي : علينا لا ننهار أمامهم , فذلك يسرهم , علينا أن نحافظ على تماسكنا , علينا أن نضحك , لكي نغيظهم نضحك , نضحك , هههههههههه

اسمع الآن حركة فوق , علي أن اخفض صوتي , تعودت أن أتكلم مع نفسي لكي لا أنسى صوتي , مثلما تعودت أن احلق ذقني  صباح كل جمعة , واغتسل , اقرأ القران الكريم , أقيم فرحي الخاص , فرحي بنجاتي من براثن الموت , لا تتصوروا إنني أخاف الموت , ولست متهالكا على الحياة , لكن لن أفرط بحياتي  , ماداموا هم من يريد ذلك , ودائما اردد ما قال جيفارا ( لايهم أن يفاجئنا الموت ..أهلا به  , إذا كانت صرختنا ستسمع ) ووجودي هو صرخة ستشق فضاء الديكتاتورية عندما أطلقها بعد اندحارها ونجاتي

هل سمعتم حكاية المراة العجوز مع الحكيم كونفوشيوس ؟ التي رواها لي نزار الذي سيعود , وأنا سأخرج ونجلس على سطح المنزل في ليالي الصيف  مواصلين أحاديثنا , لكن من ذا الذي يعيد عمي إلى حقله ؟ من ذا ؟ من ذا ؟ ( يبكي ) آسف , لم ابك منذ زمن بعيد منذ ثلاث سنوات , عندما ماتت شقيقتي بداء عضال , ماتت دون أن أتمكن من رؤيتها , كانت تحتضر فوق , وأنا أعض التراب حزنا , وعندما سمعت الصراخ , كان كل شيء قد انتهى , قبل ذلك بسنوات بكيت على أخي  الصغير الذي سقط في الحرب مع إيران , دون أن يعرف لماذا سقط ؟ كانت إذاعة النظام  تردد :

احنه مشينه مشينه مشينه للحرب

دون أن يسال احد لماذا مشينا ؟ ولماذا عدنا ؟ ولماذا سقط أخي في شرق البصرة ,  قالت أمي إن القرص دلهم على   أجزائه المبعثرة اثر انفجار لغم فجمعوها في تابوت لف بالعلم العراقي , وقالوا : ابنك شهيد الوطن ,  وقبل أن ينتهوا  من خطابهم الجاهز , سألوا أمي عني , فانفجرت بالبكاء , عند ذلك غادروا العزاء مستائين , لأنهم لم يظفروا بمعلومة يحصلون من ورائها على ترقية , ألا يحق لعجوز كونفوشيوس  في القصة التي رواها لي نزار أن تغادر المدينة , لا تظنوا إنني نسيتها , هل انتم متشوقون لسماعها ؟ حسنا ,لا تستعجلوا سأرويها لكم بعد هذا الفاصل ( يضحك  يجلس على الحفرة التي تحت قدميه ) زار كونفوشيوس قرية تقع على مشارف غابة  ,فوجد امرأة تبكي , سألها :لماذا تبكين ؟

المراة العجوز : لأن الوحش أكل ابني

كونفوشيوس : انه  خطب مؤلم جدا , أعانك الله , وهل لديك غيره؟

المراة : كان لي ولد , واكله الوحش أيضا

كونفوشيوس :  هذا أمر مؤسف جدا , لابد من الصبر , وهل لديك ولد ثالث ؟

المراة العجوز : نعم , ولكن أكله الوحش هو الآخر

كونفوشيوس :  ماذا ؟ أكله الوحش ؟ انك امرأة  شقية جدا

المراة العجوز : وهكذا بقيت وحدي بعد رحيل أولادي الثلاثة

كونفوشيوس : ولماذا لم تذهبي إلى المدينة لتتخلصي من شرور الوحش ؟

المراة العجوز : هناك من هو أشر من الوحش

كونفوشيوس : وهل هناك من هو أشر من الوحش الكاسر ؟

المراة العجوز : نعم

كونفوشيوس : وما هو ؟

المراة العجوز : الحاكم الظالم

كونفوشيوس : ماذا تقصدين ؟

المراة العجوز : يوجد في المدينة حاكم ظالم , ومجاورة الوحش أهون من العيش  تحت سلطة الحاكم الظالم

حينها  التفت كونفوشيوس لطلابه وقال لهم : دونوا هذا عندكم ومجاورة الوحش أهون من العيش  تحت سلطة الحاكم الظالم

وأنتم ( للجمهور ) دونوه كذلك , وهكذا فضلت العيش في هذه الدائرة المغلقة على الخروج إلى  عالم الحاكم الظالم

( صوت الأم يعود من جديد وبشدة )

صوت الأم : جواد , جواد , رأيت بعيني دبابة أمريكية , والحكومة فص ملح وذاب

جواد :  اخفضي صوتك ياامي لكي لا يسمع احد ويشي بنا

صوت الأم : من يشي بنا ؟ لقد انتهوا تماما وجاءت الدبابات

جواد         : إذن جاءت الدبابة تنظف أوساخها القديمة  

صوت الأم : انظر للأعلى سأنزل السلة وفيها البطاريات لتسمع بنفسك الخبر السعيد

( تنزل السلة )

جواد : شكرا ياامي , أريد أن اسمع خبرا واحدا طالما تمنيت سماعه

صوت الأم : ستسمعه لكن..

جواد : لكن ماذا ؟

صوت الأم : ما زالوا  يبحثون عنه, ومع ذلك هدموا تمثاله , ومزقوا صوره , تستطيع الآن أن تخرج

جواد : لا , ياامي لم يحن الوقت بعد

صوت الأم :  إذا كنت ترى هذا فلا باس, الاحتياط واجب , علي أن اذهب الآن لكي أتابع الأخبار في الخارج

جواد : احترسي ياامي

صوت الأم : إن شاء الله

( جواد يضع البطاريات في المذياع بخفة , الإذاعات تعلن عن سقوط التمثال )

جواد :إذن الخبر مثلما قالت أمي , يبدو  إن الحلم قد تحقق ( يقفز إلى الأعلى راقصا فيصطدم رأسه بالسقف ) آه , دائما هناك سقف , للفرح سقف , للكلمة سقف , للصرخة سقف , للقبر سقف , لذا عندما اخرج , سأنشيء غرفة بلا سقف , نعم بلا سقف , وإذا نزل المطر , سأقول له : تفضل أنت في بيتك , منذ أكثر من عشرين سنة وأنا لم أر قطرة مطر بل لم اسمع صوت تساقطه وضرباته على السقوف , سأغسل وجهي بالمطر , بل سأغتسل كلي بالمطر , نعم سأرفع السقوف ولن اسمح لها  بمصادرة امتداداتي مع الطبيعة , الجدران والسقوف تشوه علاقاتنا بالطبيعة , والديكتاتوريات  جدران حديدية تحول بيننا والحياة , وهاهي تنهار إلى الأبد فيتحقق حلمنا جميعا , ماذا سأفعل  بعد خروجي ؟  هل سأتزوج ؟ وانهض صباحا للعمل ؟ نعم انهض صباحا للعمل مثل كل الرجال الذين يعيشون تحت الشمس , سأعمل وأتزوج , ويصبح لي أولاد , سأعلمهم أن يعيشوا مثلي  بدون سقف , وسأحيط بيتي بالأشجار العالية , كم أحب الأشجار , آخر شجرة رايتها قبل  أكثر من عشرين سنة , لابد أن أوراق الأشجار أصبحت أكثر خضرة , وأكثر علوا , لكن متى سأخرج ؟سؤال يحتاج إلى مراجعة وقراءة ذاتية عميقة , عليَ إذن أن أجهز أشيائي , ارتب محيط الدائرة , أين علبة أسناني ؟ نعم تذكرت , إنها فوق الرف لقد مضت عشر سنوات على سقوط آخر سن , سمعت في الإذاعة إن سبب تساقط الأسنان هو نقص الكالسيوم , هنا كل شيء ناقص , إلا الحرية ,لذا سقطت الأسنان ولم يسقط حلمي بالحرية , والآن تحقق الحلم , هذه علبة أسناني , أما ذاك فهو الكيس الذي جمعت به شعري الأبيض الذي كنت أشذبه بمقصي , أنا هنا حلاق نفسي , وطباخها , و خادمها وممرضها والاهم من كل هذا سيدها ( يتناهى إلى سمعه خبر عن  مسؤول أمريكي يشير إلى احتلال العراق ) ما هذا ؟  ماذا يقول هذا الجنرال ؟ لابد إنها زلة جنرال ,  من المؤكد إنها زلة جنرال , الجنرالات يزلون كثيرا , وأهونها  زلات ألسنتهم , علي أن أواصل عملي متناسيا هذه الزلة غير المقصودة , ( تتكرر العبارة نفسها على لسان آخر ) ماذا حدث ؟ هل كلهم أخطأوا التعبير ؟ أم تواطأوا على الخطأ ؟ الهي ماذا يحدث فوق ؟ هل وقع الوطن في زلة جديدة ؟لم تمر سوى ساعات على  ولادة الحلم ,   لكنه ولد جريحا  , لقد صرنا كمن يخرج من حفرة ليقع في حفرة أخرى , لأطرد هذه الأفكار السوداء عني , الحلم مازال رضيعا ويحتاج إلى عناية, علينا ألا نفرط في هذا الحلم أبدا , لقد تعبنا في رسمه  ( يسمع أنباء عن فوضى في البلاد  وحرق مكتبات وسرقة متاحف وبنوك , والأمريكان يحرسون  وزارة النفط  ) يا للخيبة !! ما الذي حصل ؟ لماذا يحصل هذا ؟ ولماذا وزارة النفط ؟  عندما كنت في الإعدادية , قال لنا مدرس  مادة الجغرافيا , عام 1973 بعد حرب أكتوبر : لدي ثلاث أمنيات , سألناه : ما هي ؟ قال : الأولى : أن تردم قناة السويس , سألناه : والثانية : أجاب : الثانية أن تجف آبار النفط العربي , ازددنا عجبا , قلنا والثالثة ؟ أجاب الثالثة احتفظ بها لنفسي , رفعت إصبعي : وقلت له : لماذا تتمنى  جفاف النفط الذي رفلنا بخيراته ؟ ضحك وأجاب : عندما تكبر ستعرف لماذا ؟ والآن عرفت يا مدرس الجغرافيا الذي لم يحضر الدرس التالي في اليوم التالي , سألنا المدير عنه : أجاب : لقد وصلنا تقرير من احد الطلاب  عن أفكاره السوداء التي يبثها في الدرس , فذهب لينال جزاءه , واتينا لكم بمدرس جديد أفكاره تتماشى مع المرحلة الراهنة , وجاء المدرس الجديد , الذي  كان يكرر لنا بسعادة ( انتم محظوظون , لان بلدنا يطفو على بحيرة من النفط )  صدقناه , ولم نعرف أن بلدنا يطفو على بحيرة من المصائب , هاهو النفط يحرق الأحلام , والبنايات , وسبعة آلاف سنة من الحضارة , هاهو النفط  قطعة الجبن الشهية التي تتجمع حولها الجرذان من كل مكان , هاهو النفط يحرق سماءنا وأنهارنا , ويقف سيدا يحرسه الأمريكان  

  هاهو  سوط الطاغية  يتلاشى , وينتهي زمنه لكنه أبى إلا أن يترك آخر سيئاته , الغزاة , لقد كن