السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  16 - 2- 2004

مسابقة المسرح المفتوح للعروض القصيرة مساحة التواصل وفسحة الأمل

عباس أحمد الحايك

          حققت مسابقة المسرح المفتوح للعروض القصيرة في دورتها الثانية والتي أقيمت في الفترة بين 27-30كانون أول( ديسمبر)2003م، في مقر فرع الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالدمام، أهدافها المتمثلة في تنشيط الحركة المسرحية في المنطقة، وتوفير مساحة للتنافس والتواصل بين التجارب المسرحية المحلية، ودعم وتشجيع الطاقات الشابة وتحفيزها على اختبار قدراتها في المجال المسرحي، إضافة إلى الكشف عن مواهب جديدة وتهيئتها في سبيل خدمة الحركة المسرحية في المملكة مستقبلاً، وأكثر ما تحقق هو العروض في مجاوزتها كلاسيكية المكان المتمثل بمسرح العلبة الإيطالية، والاشتغال على المكان المسرحي المفتوح، وفق الاشتراط المسبق للمسابقة، ولعدم توافر صالة مهيأة في مقر الجمعية، لظروف بيروقراطية حالت دون الحصول على ترخيص لبنائها، وربما كان هذا من الحسنات التي فتحت باباً للتجريب في حدود المتاح، وأضاف فسحة للاختبار والتجريب لعروض المسابقة.

         

          وقد أضاءت أربع فرق مسرحية بأربعة عروض مساءات المسابقة، فقد افتتحتها فرقة نورس بمسرحية" مريم" تأليف وإخراج ياسر الحسن، وكان العرض قد تجاوز هاجس عرض الافتتاح، فالمسرحية التي أخذتنا نحو البعيد، إلى الماضي بعبقه، وإلى أجواء البحر والغوص واللؤلؤ، إلى مكابدات أجدادنا البحارة وعذاباتهم في الظفر بما تثمر عنه رحلة صيد طويلة، تحكي عن عشق علي بن عيسى(مالك القلاف) لمريم الحاضرة الغائبة، واندفاعه في سبيل تحقيق طلب والدها يحيى بن سلمان ( سعيد هليل) مائة لؤلؤة مهراً لها، وعن حقد النوخذة عبد الله بن حبيب(ياسر الحسن) لعلي والذي غذاه عشقه لمريم ومحاولته قتله بإيعاز من والدها ليظفر بها.

          تمكنت المسرحية أن تضع الجمهور في حالة من الدهشة والتفاعل، وأن تدخلهم في دائرة الحدث، فليس ثمة مسافة تفصلهم عن فضاء العرض، وتقطع حالات التلقي، فالاشتغال على المكان المسرحي المفتوح أعطى مساحة للخلق والتجريب، استغلها الحسن ضمن وعيه المسرحي وتمكنه من أدواته الإخراجية، وانطلاقاً من وعيه بالنص الذي بين يديه والذي أنجزه بنفسه، وإن مال إلى السردية في بعض مواضعه، إلا أن إتكاءه على الجانب البصري في توازٍ مع النص، ساهم في إخفاء بعض هناته.

          انحصر فضاء العرض في مربع مغطى بقماش أبيض مثبت على الأرض، وقطعة قماش أخرى وظفها الحسن لتتشكل دلالياً ضمن مجريات الحدث متوازية مع الحوار المنطوق والموسيقى في إرسال إشارات المسرحية في صيغتها النهائية، وكان للبياض الذي اندغم به فضاء العرض، بالقماش وملابس الشخوص دلالة على صفاء سريرة علي بن عيسى، الشخصية المحورية، ونقيضاً لسواد الحقد الذي يحمله النوخذة-كمعادل موضوعي للشخصية المحورية- له، والذي ساهم في تغيير اتجاه خط الحدث الدرامي، خاصة بعد تمكنه –علي بن عيسى- من الحصول على مهر مريم.

          وكان القماش الأبيض ينتج دلالات تقوم مقام العناصر البصرية والديكور في المكان المسرحي، فتارة تكون سفينة تبحر، وتارة بحراً يغوص فيه البحارة بحثاً عن محار، وتارة أخرى خيمة تحاك فيها دسيسة قتل علي، وتارة تحال إلى طقس احتفالي، وتارة شراعاً وكفناً، وبحراً هائجاً يبلع البحارة في جوفه.وقد ساهمت كثيراً قدرات الممثلين في التعامل مع سينوغرافيا العرض ( القماش)، وفق مقتضاه، في الرفع من سويته، فالممثلون شكلوا تجانساً واضحا بينهم كشخوص وبين هذا العنصر البصري، إضافة لأدائهم المتقارب وتمكنهم من الشخصيات التي يؤدونها، وإن تفاوت في بعض مواضع.

          وكانت للموسيقى نصيباً من تجانس عناصر المسرحية، فالموسيقى التصويرية والمواويل الشعبية التي صاحبت مشاهد المسرحية، تناغمت مع الأجواء العامة لها، وأعطت للمشاهد بعداً درامياً، إضافة للإضاءة التي ساهمت في تشكيل العنصر البصري في العرض، وحملتنا إلى أجواء البحر تارة وإلى شفافية الحب، وإلى أجواء المؤامرة، باستخدام خيال الظل.

          وفق الحسن في قيادة هذه الجوقة المتناغمة من كادر تمثيل وتقنية وعناصر مسرحية تنوعت وتجانست وأنتجت عرضاً شدنا إليه دون تكلف.

         

          " أمادو" كان العرض الثاني في دورة هذا العام، وهو لفرقة انترمس المسرح، وقد أخرجه سعود الصفيان والنص كتبه المسرحي العراقي ناهض الرمضاني، في ثلاث سيناريوهات عن الجندي الياباني" أمادو" ( هيثم الحبيب) الذي بقي ثلاثين عاماً ينتظر شارة بدأ الحرب، ويكتشف بعد هذه المدة في جزيرة نائية. وقد اختار الصفيان إحدى تلك السيناريوهات، حول إعدامه أصحابه الذين حاولوا الهرب من الجزيرة، وفي محاولة لإخراجه منها، يضعنا في مجابهة بين التباين الأخلاقي، بين ثباته لأجل الوطن، ليكون رمزاً وطنياً موعوداً، وبين قتله لأصدقائه والتناقض الصريح بين القاتل والرمز. استخدم المخرج وضمن اشتراطات المسابقة العرض في مكان هو اقرب إلى الجزيرة النائية، في تماسٍ واضح مع فضاء النص المكتوب، مما أفلت منه قدرته على التجريب في المكان المسرحي المفتوح، حيث لم يوظفه في سياق بنية العرض، وانحاز للحوار المنطوق في بث شفراته، مقترباً من كلاسيكية مسرح العلبة، في واقعيته، وبعده عن الدلالة.ويحسب للصفيان دخوله هذه المغامرة بكادر تمثيلي من المبتدئين الذين لم يألفوا أجواء التجريب والمسابقات، وخرجوا من رحم المسرح المدرسي.

         

          العرض الثالث من عروض المسابقة كان مونودراما " الرجل والجدار" تأليف أمير سلامة وإعداد وإخراج وتمثيل ناصر الظافر لفرقة رجاوي، والنص مكتوب أساساً بالمصرية الدراجة، وقام الظافر بمعالجة النص وإعداده باللهجة المحلية. ورغم حساسية المغامرة، خاصة وان المونودراما تخضع المتلقي لصوت الممثل/ الفرد، وتغيب تعددية الأصوات التي تكمن في الحوارات والتي تميز المسرح عن غيره من الفنون، إلا ما ندر من نصوص قادرة على ملء فراغات عروض المونودراما، وممثلين على قدر من الحرفية ويملكون الأدوات الممكنة لتقديم هذه النوعية من العروض، إلا أن الظافر آلى إلا أن يخوض التجربة والمغامرة، في عرض أختبر فيه  فضاء الغرفة، فقد أختار غرفة الاجتماعات فضاءً للعرض، وهذا ما أعطى لتجربته بعداً جمالياً، إلا أن النص لم يسعفه في توظيف هذا الفضاء بالشكل المطلوب. فالنص بدا بسيطاً رغم اشتغاله الواضح عليه، فهو لم يعمق من معالجته لثيمة الجدار، في ابعاده الفلسفية، وتباينها ، فالجدار يعني الفصل، الحاجز، ويعني التابو الذي يحاول الرجل تحطيمه، كم أن الحوارات المتكررة، وأفقية الحدث، والقصور في دراميته، قلل من أهمية مغامرته

          واختتمت المسابقة بعرض " المزبلة الفاضلة" لفرقة مواهب، من تأليف عباس الحايك وإعداد وإخراج ماهر الغانم، والمسرحية تدور حول مجموعة من المسحوقين يعيشون في مزبلة، يعتاشون على ما يفضل من استهلاك أحد الأحياء البرجوازية، رغم أنهم نخبة، ففيهم المثقف والممثل المسرحي وفني الكترونيات عبقري، لكن يشعرون أن المزبلة هي المدينة الفاضلة التي قد تهبهم شيئاً من حرية، وشيئاً من شعور بإنسانيتهم. اشتغل المخرج على هذا العرض في مكان مفتوح، إلا أنه لم يخرج من عن مواصفات مسرح العلبة، فالعرض يميل تجاه الكلاسيكية، فلم يبن أي سعي للتجريب لا على الفضاء ولا على الرؤية العامة للعرض رغم البعد الفلسفي لفكرة النص، فالديكور واقعي، والأشياء التي احتشدت في المكان دونما توظيف لم تتجاوز صفتها الحقيقية، ورغم زجه بالبروجكتور في فضاء العرض كعنصر بصري وانعكاس صور فيديو مباشرة يلتقطها أحد الممثلين داخل العرض للممثلين الآخرين، إلا أن هذا العنصر بدا زائداً عن سينوغرافيا العرض، ولم يكن ثمة وظيفة له، وكان يمكن لهذا العرض ان يحقق نوعاً من الفرادة على مستوى المسابقة والمسرح في المنطقة لو كانت رؤيته للنص أكثر وعياً وعمقاً في تعامله مع فكرته الفلسفية وطرحه السياسي والاجتماعي، واقتصد في فضاء العرض لكي يحقق اشتراط المسابقة، ويركز انشغاله على أداء الممثلين، واختبار فضاء المسرح المفتوح.

          وكانت نتائج المسابقة قد خيبت توقعات المسرحيين والمهتمين المتابعين لعروضها، فكان للمزبلة الفاضلة النصيب الأوفر من الجوائز، فقد حصلت على جائزة أفضل عرض متكامل، وأفضل إخراج وتقنية، وأفضل ممثل التي تشارك فيها طاقم العمل، معتز العبد الله، أحمد السماعيل، مجتبى المدلوح، وعاطف الغانم.. بينما تحصل عرض مريم الأكثر فرادة وتكاملاً، على جائزة لجنة التحكيم مناصفة مع عرض أمادو، وحصل ممثله حسن عبد علي على جائزة أفضل ممثل ثانٍ مناصفة مع يوسف رضوان لعرض أمادو، بينما كانت للرجل والجدار جائزتان رغم تواضعه، فجائزة أفضل ثالث ممثل، وأفضل عرض ثانٍ، كانت من نصيبه.

          وكانت العروض التي حظيت بحضور جماهيري غير متوقع، قد كشفت عن مشاريع كوادر تمثيلية وتقنية لشباب لا يملكون أكثر من حماسة، وولع بالمسرح، وأفضت إلى اعتراف ضمني بالمسرح من جمهور غاب عن حيز التلقي المسرحي، وغاب بالتالي المسرح عن أجندة اهتماماته، وينتظر اعترافاً من أصحاب القرار الثقافي في المجتمع، لوضع الاستراتيجيات لتطويره ليساهم جنباً إلى جنب مع الأنساق الثقافية الأخرى في المشهد الثقافي السعودي.