السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  16 - 2- 2004

عن فكرة الانتظار في العرض المسرحي العراقي

عبد الخالق كيطان

gitano6us@hotmail.com

 

لا يكاد عرض مسرحي عراقي انتج بعد حرب الخليج الثانية أن يخلو من مفردة ( الحقيبة ) ، بل أن ثمة عروض بعينها حملت منذ العنوان مفردة الحقيبة ، والحقيبة في أبرز تمظهراتها الدلالية ترمز إلى السفر وما يتصل به من تيم .. وبالطبع لم تكن الحقائب هي السمة الوحيدة لعروض التسعينيات المسرحية في العراق ، بل أنها الأبرز والتي تلتقي عندها مجموعة من السمات أهمها على الإطلاق فكرة الانتظار .

واللافت في الأمر أن المؤسسة القائمة على الإنتاج المسرحي العراقي الرسمي قد رعت بطريقة ملحوظة هذا النموذج بالرغم من أنه يحمل الوجهين معاً : الوجه الذي تريده هذه المؤسسة والآخر الذي يريده ويقصده المسرحيون العراقيون ! ، ولعل مسرحية ( قصة حب معاصرة ) لفلاح شاكر مؤلفاً والراحل هاني هاني مخرجاً كانت بحق تمثل بواكير المزاوجة بين فكرة الانتظار وتفريعاتها ، وخاصة الحقائب ، حيث ترى خشبة مسرح الرشيد تمتلئ بالحقائب ومن كل الأحجام والأصناف في نبؤة لافتة لظاهرة الهجرة التي سوف تكون سمة عراقية من سمات التسعينيات العجاف .. أقول أن المؤسسة الرسمية احتفت كثيراً بهذا العرض ، بل أوفدته في أيام شديدة الحساسية ، مطلع التسعينيات ، لأكثر من عاصمة عربية ، وقد أثار ذلك الفضول حقاً ، وهو ما سنأتي عليه لاحقاً ... لتتوالى بعد ذاك العشرات من العروض المسرحية العراقية التي اشتغلت على فكرة الانتظار ومدلولاته السياسية والنفسية والاجتماعية لبلد كانت تتراجع فيه قيمة وأهمية الإنسان يوماً أثر يوم .

أجد هذه الكلمات تمثل مدخلاً معقولاً لقراءة ظاهرة تصح أن تكون مصدراً لقراءة الواقع العراقي ما قبل سقوط الصنم  .. وقد شغلت بها زمناً ، ولكن مجموعة من القصاصات وصلتني بالبريد من الصديق المسرحي العراقي كريم جثير دعتني للتبسم أولاً ثم معاودة الكتابة في هذا الموضوع ..

كتب جثير نصاً مسرحياً بعنوان : الزفاف ( نشره في مجموعته المسرحية المعنونة : الأقنعة ، والصادرة في دمشق عام 2001 ، وذيله بتاريخ يقع في نهايات عقد الثمانينيات الماضي ) ، والقصاصات التي أرسلها المؤلف لي تتعلق بهذا النص وما تعرض له من (سطو ) في اليمن ، ومن ثم في هولندا .. وفي الحقيقة ، وبالرغم من التشابه الكبير بين نص جثير ونص اليمني عبد القادر صبري والعراقي في هولندا رسول الصغير ، وأيضاً أبرز ما كتبه فلاح شاكر في خماسية الحب والحرب ، فإن الأمر الأشد وضوحاً في القصة كلها هو تعلق المسرحيين العراقيين بفكرة الانتظار تعلقاً متطرفاً جداً ، ويبدو الكاتب اليمني متأثراً إلى حد بعيد بتجربة عدد من المسرحيين العراقيين الذين أقاموا في اليمن بعد حرب الخليج الثانية ومن ضمنهم جثير والصغير أيضاً ..

لقد استورد المسرح العراقي فكرة الانتظار من تجارب مسرح اللامعقول والعبث التي رافقت الحرب العالمية الثانية أو ظهرت بعدها ، وقد نشط الألمان على سبيل المثال في إنتاج مسرحيات غامضة ولكنها ساحرة عن الدمار الذي لحق ببلادهم وعموم أوربا في تلك الحرب ، وبالطبع فإن فكرة الانتظار ، هي أبرز ملامح الحرب ، أي حرب ، ولعل مسرحية صامؤيل بيكت الشهيرة : في انتظار غودو قد صارت في العالم ، وبالأخص في العراق ، تمثل المسرحية الطموح ، بالإضافة إلى عدد من مسرحيات هارولد بنتر ويوجين يونسكو ، ومن الطريف ذكره في هذا السياق أن المؤسسة الرسمية العراقية قد منعت لسنوات طويلة نتاج هؤلاء الكتاب من التقديم في المسارح العراقية ، وإذا ما غامر أحدهم فقدم نصاً لأحد هؤلاء كنا نتوقع أن تقوم الدنيا في العراق على أن الأمر الثابت هو أن تلك المؤسسة كانت تؤمن إيماناً عميقاً بلا تأثير المسرح التجريبي العراقي في عقول الجماهير !

وفي السياق ذاته قمت شخصياً بإعداد مسرحية عن رواية ألمانية لهاينرش بول ترجمها للعربية الشاعر ياسين طه حافظ أوائل التسعينيات وأخرجها للمسرح الفنان كاظم النصار ، وبالطبع كان فضاء المسرحية هو الانتظار أيضاً !

على أن المؤلف فلاح شاكر هو أكثر العراقيين اشتغالاً على موضوعة الانتظار في المسرح العراقي ، وفلاح يجيد اللعبة المسرحية لجهة أنه يركز في نصوصه على إرضاء الجانبين : المؤسسة والجمهور ، ولذلك نجحت مسرحياته رسمياً وجماهيرياً فيما تابعها العديد من المثقفين والنخبويين العراقيين والعرب باعتبارها ظاهرة عراقية خاصة تستحق الدرس أكثر من الإعجاب : خذ آخر مسرحياته مثالاً : وعنوانها الزرقطوني ، وهي عن سيرة مناضل مغربي ، والمسرحية ، كما تابعت ذلك من خلال الصحافة   ، حصلت على رضا  المغاربة ( لأنها تتحدث عن واحد من رموزهم الوطنية ! ) ، وكانت مسرحيته التي قبلها ، وعنوانها ( اكتب باسم ربك ) ، وقد شاهدت عرضها في العاصمة الأردنية عمان ، قد أبكت صدام حسين عندما شاهدها في عرض خاص فأمر بتكريم كادرها وإيفادهم إلى ما يتيسر من العواصم العربية والأجنبية ( ظهر ذلك من على شاشة محطة العراق الفضائية ) ، وفي المقابل فأن الجمهور استقبلها أيضاً لأنها تعوم المشكلة العراقية ويرتفع فيها نبر الخطاب وبلاغة الكلام ولوعة الحصار !! دون أن تشير إلى فداحة الأسباب التي أدت إلى النتائج التي يتحدث عنها العرض ، وهكذا الأمر مع مسرحيات فلاح شاكر الأخرى التي وضعها تحت تسمية ( خماسية الحب والحرب ) ..

وأعود إلى مسرحية كريم جثير وعلاقتها بمسرحية رسول الصغير واليمني عبد القادر صبري ، والمسرحيات الثلاث تتكئ إلى فكرة تجدها أيضاً في مسرحيات فلاح شاكر ، وبالأخص مسرحيته ( مائة عام من المحبة ) ، وملخص هذه المسرحيات : انتظار غائب يعود بعد عقود من الغياب ، الغياب القسري ( قد يكون حرباً كما عند شاكر ، وقد يكون سجناً كما عند جثير ) وفي الحالين يكون الغياب قسرياً وشرساً لجهة لا إنسانيته ، مما يسبب خراباً في بنية العائلة .. أما قصة الأقدمية في  هذا الخصوص ، فيبدو أن علينا تصديق التواريخ ، وهي تقول بأسبقية جثير عن أقرانه حيث قدم اليمني مسرحيته في بداية التسعينيات وفعل شاكر ذلك أواسط العقد الماضي فيما قدم الصغير مسرحيته قبل حوالي عامين من الآن ..

وعندي فالراجح هو أن الفكرة ذاتها تتمركز تمركزاً شديد الحساسية في وعي ولا وعي المسرحي العراقي ، وكذلك الثقافة العراقية ، ولهذا التمركز أسبابه الواضحة للعيان والمتعلقة بالواقع السياسي للبلد حصرا وما يحمله أفق الانتظار بالنسبة لعموم الشعب الذي عاش عقوداً من القهر والاستلاب والتهميش والقمع والجوع ، وقد نقلت الثقافة العراقية هذا المركز إلى مدن الشتات فأنتجت وأثرت ، كما في حالة جثير في اليمن والصغير في هولندا على سبيل المثال ، وفكرة عروض مسرحية من هذا النوع تبدو سهلة المنال حقاً بالنسبة للمبدع العراقي ، دون أن نقلل من قيمة نتاج هذا المبدع ، فيكفي أن تبني شخصية ، رجالية أو نسائية ، تعيش على عقدة الانتظار لتبني بالتالي عرضاً مسرحياً يعبر بشكل تام عن معاناة العراق اليوم .

 

عبد الخالق كيطان

شاعر من العراق مقيم في أديلايد