مسرحيون

السنة الثانية مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية آخر تحديث 16 - 2 - 2004

دور الحكاية في حياة سعد الله ونوس وموته أكرم اليوسف في المشهد الأخير من مسرحية " طقوس الإشارات والتحولات " يتقدم صفوان إلى أخته الماسة . خطاه مترددة ، والخنجر يلمع في يده. لكن الماسة تواجه الموت بشجاعة ، انهالا تصرخ ولاتطلب النجدة . كان بإمكانها أن تفعل ذلك . لكنها تدرك أنها قد تحولت إلى حكاية . والحكاية لاتموت " أنا يا صفوان حكاية ، والحكاية لا تقتل " . وبعد أن يغمد صفوان الخنجر في صدر الماسة، تقول له وهي تتداعى : "آه يا أخي .. لم تفعل شيئا . أن حكايتي ستزدهر الآن كبساتين الغوطة بعد شتاء ماطر .. إن الماسة تكبر وتنتشر . إنها تنتشر مع الخواطر والوساوس والحكايات . حكايات .. حكا.." تأخذ الحكاية أهمية كبيرة في نصوص سعد الله ونوس الأخيرة ، نصوص المرض والتأمل والموت . صحيح أن المسرح كله قائم على عنصر الحكاية ، وصحيح أيضا أن اغلب مسرحيات ونوس تطرح نفسها على شكل عبرة أو أمثولة أو لعبة تنكرية . " مغامرة رأس المملوك جابر " ، " الفيل ياملك الزمان " ، " الملك هو الملك " وغيرها. لكن الحكاية في مسرحياته الأخيرة قد تأخذ معاني أخرى . لقد تغير مفهومها بشكل كلي فأثر ذلك مباشرة على وضع الشخصية وعلاقتها بالمتلقي ، وعدل تماما من كيفية قراءة النص وتأويله وحتى طريقة إخراجه. ولكن ماذا تعني بالنسبة لسعد الله ونوس ، إنسانا ورجل مسرح ؟ ولماذا شكلت إحدى وساوسه الفنية طيلة حياته المسرحية . بل ازدادت أهمية وعمقا وجوديا في مراحل حياته الأخيرة قبل أن يموت ؟ يقول " اشعر أن موتي لن يكتمل إلا إذا رويت حكايتنا " . الحكاية مجرد كلمات . كان هاملت يقول . ولكن الأدب كله ، والمسرح أيضا يتآلفان من كلمات. حتى ارتو ، الذي غالبا ما أسيء تأويل كلماته بشكل فضائحي ، لم يطرد الكلمات من مسرح القسوة . تحدث عن مجرد فساد في استعمال الكلمات لاحربا عليها ،مناديا بأن تعطى للكلمات مكانتها الحقيقية والمساوية لكل العناصر المشهدية الأخرى عند الإخراج مثلما في الحلم . ونحن لن ندرك معنى تمسك ونوس بالحكاية في أواخر حياته إلا إذا أدركنا معنى الكلام . الكلام من بين كل ما نعرفه من أشكال الحياة ، هو الصيغة الرئيسية للتأكيد على الذات الإنسانية ، من المهد إلى المنبر ، من الكوخ الطيني إلى القصر العظيم ، من كتابة اجمل وأروع قصائد الحب، إلى قرارات الموت والمجازر وإيذاء البشر . والناس يستعملون مليون كلمة لقاء كل رصاصة واحدة � يقول ايريك بنتلي - لان الكلمات اكثر من الرصاصات ، تعينهم في الجمع معا بين أقصى العداء للآخر وأقصىالجبن ، وفي رواية " الجبل الخامس " لباولو كويلو ( صاحب الخيميائي ) يقول كويلو : " كان الكاهن يعرف انه من كل اسلحة الدمار التي اخترعها الانسان ، يبقى الكلام السلاح الاخطر والاقوى، فالخناجر والرماح تترك خلفها اثار دماء ، والسهام ترى من بعيد ، والسموم بات بالامكان اكتشافها وتفاديها اما الكلام فيستطيع التدمير دون ان يترك اثارا " . اول مايولد الانسان يؤذن في اذنه ، واخر مايسمعه وهو ينزل الى مثواه الاخير كلمات ايضا ، بين كلامين تبدأ حياة الانسان وتنتهي ، وونوس يقول ," الحكاية وحدها هي التي تخفف العذاب وتداوي الجروح " . يلخص سعدالله ونوس بهذه الكلمات معنى الحكاية ووظيفتها . في " الطابع المصري " يصف ماندلشتام ستالين وحشية ستالين المتجسدة من خلال كلماته " أصابعه مكتنزة كالديدان القميئة ، والكلمات ، قاطعة وثقيلة كالرصاص ، تسقط من بين شفتيه . " واحد من أولئك الذين سمعوا كلمات الشاعر ، وشى به إلى رجال الظلام . فاختفى الشاعر واختفت كلماته ذات ليلة الى الابد . بعد أربع سنوات من التعذب المرير وجد ماندلشتام ميتا في معسكر للاعتقال بالقرب من فلاديفوستك . كما وجدت اراخني في الاسطورة الاغريقية مشنوقة في احد كهوف الاولمب بعد ان تحدت الربة اثينا بانها اقدر منها على صنع الجمال . كانت اراخنيي اول ضحيايا الابداع وكان ماندلشتام ضحية للكلام . هذه هي الحياة ، بحر لاينضب من الكلمات التي نسمعها كل يوم . لكن الكلمات في المسرح ليست مجرد كلمات ، إنها حكايات وافعال ، معنى ومحتوى . كلام يحزن ويسر، يؤلم ويدهش ، انه حلم المتكلم وانتقام الرجل الصامت ، والمثل الياباني يقول " الرجل الصامت هو الذي يجب الاستماع اليه " . المسرح عند ونوس هو حكاية ، " حكاية يكتبها إنسان لا يريد إلا الكلام لجمهور لا يريد إلا الإصغاء إلى الكلام . حكاية يخترعها إنسان كي يبعد عن نفسه أو غيره شبح القتل ، و يخفف وطأة الضجر، وحر الطريق وألام المرض والموت " . هكذا أنقذت شهرزاد بنات جنسها من القتل ، واستطاعت امرأة بولندية أثناء الحرب العالمية الثانية ، أن تقنع زميلاتها بالبقاء عل قيد الحياة بواسطة حكايات كانت قد حفظتها ، السرد يقف في مواجهة الصواريخ ، والحياة المتخيلة في مواجهة الموت االحقيقي ، دون ان يدخل المستمع مرحلة التطهير .ولكن إذا كان ذلك المشروع قد فشل في إنقاذ النفوس ، فانه مع ذلك كان شكلا من أشكال الطاقة الحية . وسعد الله ونوس يقول : " حين تعلم الإنسان كيف يحول مصائبه إلى حكايات ، تتقاسمها الآذان والرياح والازمان ، كان يكشف بلسما سحريا للجروح والآلام " فسرد الحكاية عنصر تكويني في الزمن البيولوجي الذي لا نستطيع الفرار منه . والحياة كمايراهاباسكال ، "شبيهة بالعيش في سجن يغادره سجناء زملاء كل يوم ، لكي يعدموا " ونحن جميعا مثل شهرزاد ، محكومون بالإعدام ... او متابعة السرد، وكأننا ننظر إلى حيواتنا باعتبارها حكاية ذات بداية ووسط ونهاية . " الحكاية وحدها هي التي تخفف العذاب وتداوي الجروح .. " لعل هذه الجملة التي يقولها الاراجوز في ختام مسرحية " الأيام المخمورة " تحمل معنى الكتابة وجدواها بالنسبة لسعد الله ونوس ، الذي استمر في مقاومة المرض بسرده حكايات . هل نحن محكومون بالأمل فعلا؟ في الرسالة الدولية لليوم العالمي للمسرح عام 1996 قال سعد الله ونوس : " منذ أربعة أعوام وأنا أقاوم السرطان ، وكانت الكتابة وللمسرح بالذات أهم وسائل مقاومتي خلال هذه السنوات الأربع ، كتبت وبصورة محمومة أعمالا مسرحية عديدة ، ولكن ذات يوم سئلت بما يشبه اللوم ، ولم هذا الإصرار على كتابة المسرحيات في الوقت الذي ينحسر فيه المسرح ويكاد يختفي من حياتنا ؟! باغتني السؤال وباغتني اكثر شعوري الحاد بأن السؤال استفزني بل أغضبني ، طبعا كان من الصعب أن اشرح للسائل عمق الصداقة المديدة التي تربطني بالمسرح وأن أوضح له أن التخلي عن الكتابة للمسرح وأنا على تخوم العمر هو جحود وخيانة لا تحتملها روحي ، وقد يعجلان برحيلي ، كان علي لو أردت الكتابة أن أضيف أني مصر على الكتابة للمسرح لاني أريد أن أدافع عنه واقدم جهدي كي يستمر هذا الفن الضروري حيا ، واخشى أن اكرر نفسي ، لو استدركت هنا وقلت إن المسرح في الواقع هو أكثر من فن ، انه ظاهرة حضارية مركبة سيزداد العالم وحشة وقبحا وفقرا لو أضاعها وافتقر إليها ليس هناك ما هو أوضح من هذا الكلام لكي نكتشف كيف أن الحكاية والمسرح بالنسبة لونوس قد أصبحت مادة التعبير ومضمونه . وهو بقدر ما كان يقاوم من خلال الحكاية على الصعيد الشخصي بقدر ما كانت هذه الحكاية ، سواء كانت عبرة أو أمثولة أو واقعية ، تمثل فعل مقاومة إنساني واجتماعي وسياسي ، انطلاقا من فهمه لدور المسرح ووظيفته في الحياة . لقد ظل ونوس طوال حياته الإبداعية يمارس لعبة البحث عن وظائف واليات مختلفة لتوظيف الحكاية في الدراما ، وأكثر من ذلك ، إن ونوس يستغرب " كيف يستطيع البعض تكرار الأسلوب نفسه في عدد من الروايات " البحث عن الفرادة تنطلق خصوصية الكتابة المسرحية عند سعد الله ونوس هاجسه المستمر في البحث عن مسرح عربي له فرادته وهويته ، وذلك عبر تبني منطق الحكاية في المسرح ، وعبر البحث عن خصوصية الكتابة المسرحية ذاتها ، ومن خلال التفكير بالموضوع الذي يكتبه . "إن المسرح كبنية يشكل هاجسا بالنسبة لي . وأنا غالبا ما أشعر أن هذه البنية التي سبق واستخدمتها سابقا ، قد استنفذت وأني لم اعد قادرا على تكرارها أو استعادتها . في عملي الجديد هناك محاولة لنسف شكل من أشكال المسرح واغناء إمكانياته . هناك اعتماد كبير على أشكال متنوعة من السرد ، بمعنى أن السرد لم يعد مجرد عنصر خارجي عن الحدث عبر راو أو حكواتي . " يتمرد سعد الله ونوس في مسرحيات التأمل والمرض على كل ماسبق أن كتبه سواء في مرحلة البدايات أو في مرحلة " التسييس " ، لقد بدأ يبتعد عن النص الذي يعتبر تناوله سهلا بالنسبة للمخرج والممثلين ، مع إدراكه انه يقوم بمغامرة قد تؤدي الى نسف العلاقة مع المتفرج . هذه العلاقة التي شكلت لسنوات طويلة المنطلق الأول لبياناته المسرحية ، وكانت أحد أهم أسباب بحثه عن أشكال مسرحية تورط المتفرجين في الصالة و تجعلهم مشاركين في صياغة العرض المسرحي ، كما في مسرحية " حفلة سمر من اجل خمسة حزيران " ومسرحية " أبو خليل القباني " و" مغامرة رأس المملوك جابر " .. هل فقد ونوس أمله بدور المتفرجين ، واشراكهم في صنع العرض المسرحي ؟ أم انه أراد إعادة النظر بفهمه للتاريخ والوعي التاريخي ، وموقف جديد من العالم ومن الكتابة المسرحية ذاتها ؟ أم أن الإحباط والصمت والمرض قد دفعوا بالمسرحي إلى حافة اليأس ولاجدوى التغيير ، فعمد إلى البحث عن أشكال أخرى للكتابة المسرحية تقترب من الأدب بقدر ما تبتعد عن العرض . كتابة تتخذ فيه الحكاية أشكالا اكثر تفتتا وغموضا ، و تعتمد الحرفية العالية ومستويات السرد المتعددة والتداخل وتكرار انعكاس صورها كما لو أنها في غرفة من المرايا . و تتخذ شكلا دائريا مغلقا يتناقض والشكل السردي الحكائي الخطي في الزمان والمكان ، حيث هنا بداية ووسط ونهاية . كما في الروايات الكبرى من " دون كيشوت " إلى" الحرب والسلام " ومن " موبي ديك " إلى " فاوست " ، ومن " أوديب ملكا " إلى " الملك لير " . المبنية جميعها في ظل هذه الحكاية الخطية الموغلة بالامتداد الزمني الملحمي . المعروف أن الناس تستثيرهم الأحداث الألفية بوصفها محطات انطلاق او نهايات ، لكن ثمة فارق كبير بالتأكيد بين هذه التواريخ الكبيرة والمنذرة ، وبين الحكايات الصغيرة المتداخلة التي يتم تداولها كالهدايا المسمومة على طريقة ميديا . لايمكن أن يكون ونوس قد وصل إلى مرحلة اليأس من إمكانية أن يتغير العالم وهو القائل : "إننا محكومون بالأمل وما يحدث اليوم لايمكن أن يكون نهاية التاريخ " لكن المسرحي الذي كان حتى مسرحية " سهرة مع أبي خليل القباني " يؤمن بإمكانية التدخل في التاريخ ، وبالتحديد في المنطقة التي كان يسميها " منطقة التباس تاريخية " حيث المجتمعات والقوى الفاعلة مازالت لم تهمس بعد ، ومازال هناك يقين وأمل بالفعالية ، هذا المسرحي الذي صمت عن سرد الحكايات طيلة ثلاثة عشر عاما ، بدا اليوم مقتنعا ، بان كل شيء في حياتنا المعاصرة ، قد تم تهميشه من رغيف الخبز إلى المسجد الأقصى ، ومن أعذب الأشعار ، إلى المناهج المدرسية . لقد بات عليه أن يقوم بما اسماه " عملية غسل من الأوهام " على الصعيد الشخصي والصعيد العام :" لقد كانت لدي أوهام على كل المستويات ، أوهام على المستوى الإنساني . لاول مرة ا أنا اشعر بالكتابة كحرية " وإذا كان سعد الله ونوس في مسرحيات المرحلة الثالثة قد عمد عن قصد إلى استخدام السرد كجزء من عمل الشخصية المسرحية أو حوارها أو تعبيرها عن نفسها ، حتى ولو كان هذا الأسلوب " سيلغم " المشهدية المسرحية . بل إذا كان قد قرر أن يستخدم مستويات متعددة ومتداخلة لراوي الحكاية ، بما فيها إدخال عنصر فرجة شعبية كالاراجوز في مسرحية " الأيام المخمورة " وذلك كنوع من" كسر القدسية " في الكتابة المسرحية ، على حد تعبيره، فأين العرض المسرحي في كل أعماله الأخيرة ؟ أين المتفرج في هذا الفضاء الدرامي الجديد ؟ هذا المتفرج لذي كان نقطة انطلاق ونوس في بياناته المسرحية التي اسماها " بيانات لمسرح عربي جديد " ؟ بعد مضى اكثرمن ربع قرن على البيانات ، عن موقع يجيب ونوس عن سؤال عن دور المتفرج في مسرحه الجديد قائلا : " مازلت اكتب النص ليقدم في عرض ، هذا مؤكد ، مع فارق أساسي ، هو أنني لم اعد أتصور جمهورا محددا في الصالة ، وهذا ما سمح لي بمزيد من الحرية ، بحيث أني استعرت من الرواية ، وهي فن الكتابة الفردي وفن التأمل الفردي ، صيغا كثيرة أدرجتها في سياق عملي المسرحي الجديد . واحب أن أوضح ، أن المسرح ، ومهما حوصر ، يظل شاهدا مقلقا على تاريخه ، واني مازلت أسعى للحفاظ على هذه الوظيفة في الكتابة المسرحية " لكن سعد الله ونوس ، وان كان قد نحى الجمهور من الصالة في كتابات التأمل والمرض . إلا انه ظل على قناعة راسخة من أن المسرح هو علامة حقيقية من علامات وجود المجتمع المدني ، فما دام الناس يتجمهرون أمام باب المسرح من اجل مشاهدة عرض وولادة العرض المسرحي ذاته فذلك مؤشر على ولادة الحوار في المجتمع .. صحيح أن طغيان وسائل الاتصال الحديثة قد أفرزت أشكال فرجة فردية � يقول ونوس � تكرس العزلة وتمنع الحوار ، لكنه ظل مقتنعا أن المسرح هو الأداة الأقدر ، انه اقدر من الأدب ذاته ، على بدء الحوار المدني ، وليس صدفة أن يعنون ونوس رسالته الدولية للمسرح عام 1996 بهذا العنوان " العطش إلى الحوار " ، فاراده حوارا متعددا ، مركبا ، وشاملا . حوارا بين الأفراد،وحوارا بين الجماعات . ولم يكن ذلك جديد على ونوس ، إذ كان قد أكد على أهمية هذا الحوار ، مع صديق عمره وتجربته الإبداعية،المخرج الراحل فواز الساحر ، قبل أن يعزف له نشيج الرحيل المر، يومها قال يرثيه : " كنا نتساءل عن تعريفنا الخاص للجمال في العمل الفني ، وقد جربنا أن نبلور هذا التعريف سلبيا ، استعرضنا ماخطر لنا من أكوام البشاعات التي يغص بها الواقع ، ونحيناها جانبا . ثم شرعنا نحدد بالتلعثم والهمس ، ما يمكن أن يكون حلمنا في المسرح ، وفي الحياة . ألح فواز على مفهوم الحب ، فيما ألححت على مفهوم الحرية ، وما كان المفهومان يتعارضان ، بل كانا يترابطان ، ويتكاملان في حوار لم يصل إلى التمام . " السرد كحوار درامي ليس في هذا العنوان من تناقض ، ذلك أن سعد الله ونوس هو رجل التناقضات المتآلفة، والنهايات المفتوحة على التأويل . و مافعله في مسرحيات المرض والتأمل ، لايعد خيانة للمتفرجين ، للكتابة المسرحية والحوار الدرامي . كل مافعله هو انه استبدل شكل هذا الحوار ، من حوار مابين فضاء المنصة وفضاء المتفرج ، إلى حوار مابين ذات المتفرج وبين أناه الداخلية . فنقل الصراع من خارج الإنسان إلى داخله . محاولا بذلك الوصول الى نتيجة . تبدأ " طقوس الإشارات والتحولات " من اللحظة التي تنتهي فيها المسرحية . إنها حكاية تتداولها الألسن والآذان عبر الزمان . حكاية الماسة التي ستزدهر كبساتين الغوطة بعد شتاء ماطر . ومن خلال هذه الحكاية ، تنفتح كل العوالم التي أراد ونوس أن يلقي عليها الأضواء . في " طقوس الإشارات والتحولات " يعلن سعد الله ونوس عن ولادة تركيبة مسرحية جديدة ومجددة في تاريخ المسرح العربي . لكن هذه البنية الجديدة ستتبلور بشكل أوضح مع مسرحية التالية" الأيام المخمورة " وهي آخر مسرحية خطها سعد الله ونوس قبل أن يرحل متحولا هو ذاته إلى .. حكاية . إذا كانت " الأيام المخمورة " وعوالمها المتعددة ، وشخصياتها هي مرآة للكثير من عوالم وشخصيات مسرحياته السابقة ، إلا أنها تعتبر أيضا محطة جديدة في الكتابة بالنسبة لمسرح سعد الله ونوس وللمسرح العربي بشكل عام . ففي هذه المسرحية يتوقف ونوس عند أساسيات الكتابة المسرحية ومكوناتها ، عند العلاقة بين ماهو سردي روائي وبين ماهو حواري درامي ، بين الشخصية المسرحية ووظيفتها ، وبين الدلالات وانزياحاتها . انه يعيد الآن النظر بالبديهيات وتطرح الكتابة بحد ذاتها كموضوع بحث وكإشكالية ، بغض النظر عن المضمون الذي تقدمه . لكن المضمون يبقى حاضرا لايمكن قراءته بشكل متكامل إلا من خلال لعبة الكتابة هذه . إن جديد ونوس هنا ، يكمن ، في محاولته تعميق البحث المسرحي ، وتوسيع إمكانات التعبير في المسرح ، بحيث تصبح إشكالية الكتابة مجالا لطرح قضايا إنسانية وذاتية ، ومحاولة لسبر علاقتها بالسياق الذي تتم فيه . وهذا الجديد يبرز على مستوى الكتابة أساسا في نقطتين هما كيفية التعامل مع البنية الدرامية ، وكيفية بناء الشخصية المسرحية . ( ماري- الأيام- 191 ) تأتي هذه المسرحية كإضافة نوعية للمنحى الخاص الذي بدأ مع مسرحية " الجراد " وتتطور بعد ذلك في " يوم من زماننا " و " أحلام شقية " ، كماهي كذلك في " منمنمات تاريخية " و " طقوس الإشارات والتحولات " و " ملحمة السراب " ، وهو خط في الكتابة يتبنى الهم الإنساني والذاتي عبر إبراز الهواجس الشخصية والجماعية وعلاقتها بالإطار الاجتماعي والسياسي . كما تعتبر تتويجا للخط الذاتي/الإنساني عبر محاولة دمج العام بالخاص والبحث في تشابكهما وتوازيهما . في " الأيام المخمورة " يكسر ونوس قدسية الحكاية الدرامية عن طريق تعدد مستويات السرد وأزمنته . ثمة زمن للحكاية و زمن للبحث عن الحكاية ، و زمن الحدث نفسه و الزمن الواقعي الذي نعيشه كمتلقين . تتشابك المستويات السردية و الزمنية ، في حوار مفتوح ومتكافئ منتجة نصا مسرحيا يشكل بداية كتابة جديدة في المسرح ، يمكن أن نطلق عليه اسم السرد المسرحي ، فيتحول الحوار الدرامي من مستوى الشخصيات إلى مستوى البنية النصية الدرامية ، وبالتالي تتغير كل قواعد الكتابة والفرجة والتأويل . يقدم ونوس في هذا النص ، كما في غيره من نصوص المرحلة الأخيرة تساؤلات عميقة ماهية العلاقة ما بين السردي و الدرامي ، ولاول مرة في الكتابة المسرحية يتم طرح الحكاية نفسها كإشكالية للبحث و إعادة النظر في وضعها في المسرح و كذلك في تخطي فكرة فصل الأجناس الأدبية التي أخذتها الثقافة العربية المعاصرة عن الغرب . إعادة النظر في التعبير المسرحي يشكل المسرح كبنية عند ونوس هاجسا سواء من حيث البنية أو الموضوع . و هو لا يكف عن إعادة النظر في المسرح ذاته كأداة تعبير أو كجنس أدبي و فني . " هناك محاولة لنسف شكل من أشكال المسرح و إغناء إمكانياته . هناك اعتماد كبير على أشكال متنوعة من السرد .. السرد هنا لم يعد مجرد عنصر خارجي عن الحدث عبر راو أو حكواتي ..بمعنى أن السرد لم يعد قالبا للحدث ، و إنما يدخل في صلب الرؤية المسرحية و في صلب عملية البناء . اصبح السرد جزءا من عمل الشخصية أو حوارها أو تعبيرها عن نفسها " صار عند ونوس نوعا من ممارسة الحرية وشكلا من أشكال الدفاع عن الحياة و مقاومة البؤس و العناد و الدمار الذي يعصف بالإنسان و بالمجتمع في لحظات التحولات التاريخية الهامة و المصيرية . اصبح السرد حوارا ، وتعددت الأصوات فيه ، ومات المؤلف وسلطته المطلقة . واصبح السرد شكلا من أشكال الحوار او الحياة

دور الحكاية في حياة سعد الله ونوس وموته

أكرم اليوسف

في المشهد الأخير من مسرحية " طقوس الإشارات والتحولات " يتقدم صفوان إلى أخته الماسة . خطاه مترددة ، والخنجر يلمع في يده. لكن الماسة تواجه الموت بشجاعة ، انهالا تصرخ ولاتطلب النجدة . كان بإمكانها أن تفعل ذلك . لكنها تدرك أنها قد تحولت إلى حكاية . والحكاية لاتموت " أنا يا صفوان حكاية ، والحكاية لا تقتل " . وبعد أن يغمد صفوان الخنجر في صدر الماسة، تقول له وهي تتداعى : "آه يا أخي .. لم تفعل شيئا . أن حكايتي ستزدهر الآن كبساتين الغوطة بعد شتاء ماطر .. إن الماسة تكبر وتنتشر . إنها تنتشر مع الخواطر والوساوس والحكايات . حكايات .. حكا.." تأخذ الحكاية أهمية كبيرة في نصوص سعد الله ونوس الأخيرة ، نصوص المرض والتأمل والموت . صحيح أن المسرح كله قائم على عنصر الحكاية ، وصحيح أيضا أن اغلب مسرحيات ونوس تطرح نفسها على شكل عبرة أو أمثولة أو لعبة تنكرية . " مغامرة رأس المملوك جابر " ، " الفيل ياملك الزمان " ، " الملك هو الملك " وغيرها. لكن الحكاية في مسرحياته الأخيرة قد تأخذ معاني أخرى . لقد تغير مفهومها بشكل كلي فأثر ذلك مباشرة على وضع الشخصية وعلاقتها بالمتلقي ، وعدل تماما من كيفية قراءة النص وتأويله وحتى طريقة إخراجه. ولكن ماذا تعني بالنسبة لسعد الله ونوس ، إنسانا ورجل مسرح ؟ ولماذا شكلت إحدى وساوسه الفنية طيلة حياته المسرحية . بل ازدادت أهمية وعمقا وجوديا في مراحل حياته الأخيرة قبل أن يموت ؟ يقول " اشعر أن موتي لن يكتمل إلا إذا رويت حكايتنا " . الحكاية مجرد كلمات . كان هاملت يقول . ولكن الأدب كله ، والمسرح أيضا يتآلفان من كلمات. حتى ارتو ، الذي غالبا ما أسيء تأويل كلماته بشكل فضائحي ، لم يطرد الكلمات من مسرح القسوة . تحدث عن مجرد فساد في استعمال الكلمات لاحربا عليها ،مناديا بأن تعطى للكلمات مكانتها الحقيقية والمساوية لكل العناصر المشهدية الأخرى عند الإخراج مثلما في الحلم . ونحن لن ندرك معنى تمسك ونوس بالحكاية في أواخر حياته إلا إذا أدركنا معنى الكلام . الكلام من بين كل ما نعرفه من أشكال الحياة ، هو الصيغة الرئيسية للتأكيد على الذات الإنسانية ، من المهد إلى المنبر ، من الكوخ الطيني إلى القصر العظيم ، من كتابة اجمل وأروع قصائد الحب، إلى قرارات الموت والمجازر وإيذاء البشر . والناس يستعملون مليون كلمة لقاء كل رصاصة واحدة � يقول ايريك بنتلي - لان الكلمات اكثر من الرصاصات ، تعينهم في الجمع معا بين أقصى العداء للآخر وأقصىالجبن ، وفي رواية " الجبل الخامس " لباولو كويلو ( صاحب الخيميائي ) يقول كويلو : " كان الكاهن يعرف انه من كل اسلحة الدمار التي اخترعها الانسان ، يبقى الكلام السلاح الاخطر والاقوى، فالخناجر والرماح تترك خلفها اثار دماء ، والسهام ترى من بعيد ، والسموم بات بالامكان اكتشافها وتفاديها اما الكلام فيستطيع التدمير دون ان يترك اثارا " . اول مايولد الانسان يؤذن في اذنه ، واخر مايسمعه وهو ينزل الى مثواه الاخير كلمات ايضا ، بين كلامين تبدأ حياة الانسان وتنتهي ، وونوس يقول ," الحكاية وحدها هي التي تخفف العذاب وتداوي الجروح " . يلخص سعدالله ونوس بهذه الكلمات معنى الحكاية ووظيفتها . في " الطابع المصري " يصف ماندلشتام ستالين وحشية ستالين المتجسدة من خلال كلماته " أصابعه مكتنزة كالديدان القميئة ، والكلمات ، قاطعة وثقيلة كالرصاص ، تسقط من بين شفتيه . " واحد من أولئك الذين سمعوا كلمات الشاعر ، وشى به إلى رجال الظلام . فاختفى الشاعر واختفت كلماته ذات ليلة الى الابد . بعد أربع سنوات من التعذب المرير وجد ماندلشتام ميتا في معسكر للاعتقال بالقرب من فلاديفوستك . كما وجدت اراخني في الاسطورة الاغريقية مشنوقة في احد كهوف الاولمب بعد ان تحدت الربة اثينا بانها اقدر منها على صنع الجمال . كانت اراخنيي اول ضحيايا الابداع وكان ماندلشتام ضحية للكلام . هذه هي الحياة ، بحر لاينضب من الكلمات التي نسمعها كل يوم . لكن الكلمات في المسرح ليست مجرد كلمات ، إنها حكايات وافعال ، معنى ومحتوى . كلام يحزن ويسر، يؤلم ويدهش ، انه حلم المتكلم وانتقام الرجل الصامت ، والمثل الياباني يقول " الرجل الصامت هو الذي يجب الاستماع اليه " . المسرح عند ونوس هو حكاية ، " حكاية يكتبها إنسان لا يريد إلا الكلام لجمهور لا يريد إلا الإصغاء إلى الكلام . حكاية يخترعها إنسان كي يبعد عن نفسه أو غيره شبح القتل ، و يخفف وطأة الضجر، وحر الطريق وألام المرض والموت " . هكذا أنقذت شهرزاد بنات جنسها من القتل ، واستطاعت امرأة بولندية أثناء الحرب العالمية الثانية ، أن تقنع زميلاتها بالبقاء عل قيد الحياة بواسطة حكايات كانت قد حفظتها ، السرد يقف في مواجهة الصواريخ ، والحياة المتخيلة في مواجهة الموت االحقيقي ، دون ان يدخل المستمع مرحلة التطهير .ولكن إذا كان ذلك المشروع قد فشل في إنقاذ النفوس ، فانه مع ذلك كان شكلا من أشكال الطاقة الحية . وسعد الله ونوس يقول : " حين تعلم الإنسان كيف يحول مصائبه إلى حكايات ، تتقاسمها الآذان والرياح والازمان ، كان يكشف بلسما سحريا للجروح والآلام " فسرد الحكاية عنصر تكويني في الزمن البيولوجي الذي لا نستطيع الفرار منه . والحياة كمايراهاباسكال ، "شبيهة بالعيش في سجن يغادره سجناء زملاء كل يوم ، لكي يعدموا " ونحن جميعا مثل شهرزاد ، محكومون بالإعدام ... او متابعة السرد، وكأننا ننظر إلى حيواتنا باعتبارها حكاية ذات بداية ووسط ونهاية . " الحكاية وحدها هي التي تخفف العذاب وتداوي الجروح .. " لعل هذه الجملة التي يقولها الاراجوز في ختام مسرحية " الأيام المخمورة " تحمل معنى الكتابة وجدواها بالنسبة لسعد الله ونوس ، الذي استمر في مقاومة المرض بسرده حكايات . هل نحن محكومون بالأمل فعلا؟ في الرسالة الدولية لليوم العالمي للمسرح عام 1996 قال سعد الله ونوس : " منذ أربعة أعوام وأنا أقاوم السرطان ، وكانت الكتابة وللمسرح بالذات أهم وسائل مقاومتي خلال هذه السنوات الأربع ، كتبت وبصورة محمومة أعمالا مسرحية عديدة ، ولكن ذات يوم سئلت بما يشبه اللوم ، ولم هذا الإصرار على كتابة المسرحيات في الوقت الذي ينحسر فيه المسرح ويكاد يختفي من حياتنا ؟! باغتني السؤال وباغتني اكثر شعوري الحاد بأن السؤال استفزني بل أغضبني ، طبعا كان من الصعب أن اشرح للسائل عمق الصداقة المديدة التي تربطني بالمسرح وأن أوضح له أن التخلي عن الكتابة للمسرح وأنا على تخوم العمر هو جحود وخيانة لا تحتملها روحي ، وقد يعجلان برحيلي ، كان علي لو أردت الكتابة أن أضيف أني مصر على الكتابة للمسرح لاني أريد أن أدافع عنه واقدم جهدي كي يستمر هذا الفن الضروري حيا ، واخشى أن اكرر نفسي ، لو استدركت هنا وقلت إن المسرح في الواقع هو أكثر من فن ، انه ظاهرة حضارية مركبة سيزداد العالم وحشة وقبحا وفقرا لو أضاعها وافتقر إليها ليس هناك ما هو أوضح من هذا الكلام لكي نكتشف كيف أن الحكاية والمسرح بالنسبة لونوس قد أصبحت مادة التعبير ومضمونه . وهو بقدر ما كان يقاوم من خلال الحكاية على الصعيد الشخصي بقدر ما كانت هذه الحكاية ، سواء كانت عبرة أو أمثولة أو واقعية ، تمثل فعل مقاومة إنساني واجتماعي وسياسي ، انطلاقا من فهمه لدور المسرح ووظيفته في الحياة . لقد ظل ونوس طوال حياته الإبداعية يمارس لعبة البحث عن وظائف واليات مختلفة لتوظيف الحكاية في الدراما ، وأكثر من ذلك ، إن ونوس يستغرب " كيف يستطيع البعض تكرار الأسلوب نفسه في عدد من الروايات " البحث عن الفرادة تنطلق خصوصية الكتابة المسرحية عند سعد الله ونوس هاجسه المستمر في البحث عن مسرح عربي له فرادته وهويته ، وذلك عبر تبني منطق الحكاية في المسرح ، وعبر البحث عن خصوصية الكتابة المسرحية ذاتها ، ومن خلال التفكير بالموضوع الذي يكتبه . "إن المسرح كبنية يشكل هاجسا بالنسبة لي . وأنا غالبا ما أشعر أن هذه البنية التي سبق واستخدمتها سابقا ، قد استنفذت وأني لم اعد قادرا على تكرارها أو استعادتها . في عملي الجديد هناك محاولة لنسف شكل من أشكال المسرح واغناء إمكانياته . هناك اعتماد كبير على أشكال متنوعة من السرد ، بمعنى أن السرد لم يعد مجرد عنصر خارجي عن الحدث عبر راو أو حكواتي . " يتمرد سعد الله ونوس في مسرحيات التأمل والمرض على كل ماسبق أن كتبه سواء في مرحلة البدايات أو في مرحلة " التسييس " ، لقد بدأ يبتعد عن النص الذي يعتبر تناوله سهلا بالنسبة للمخرج والممثلين ، مع إدراكه انه يقوم بمغامرة قد تؤدي الى نسف العلاقة مع المتفرج . هذه العلاقة التي شكلت لسنوات طويلة المنطلق الأول لبياناته المسرحية ، وكانت أحد أهم أسباب بحثه عن أشكال مسرحية تورط المتفرجين في الصالة و تجعلهم مشاركين في صياغة العرض المسرحي ، كما في مسرحية " حفلة سمر من اجل خمسة حزيران " ومسرحية " أبو خليل القباني " و" مغامرة رأس المملوك جابر " .. هل فقد ونوس أمله بدور المتفرجين ، واشراكهم في صنع العرض المسرحي ؟ أم انه أراد إعادة النظر بفهمه للتاريخ والوعي التاريخي ، وموقف جديد من العالم ومن الكتابة المسرحية ذاتها ؟ أم أن الإحباط والصمت والمرض قد دفعوا بالمسرحي إلى حافة اليأس ولاجدوى التغيير ، فعمد إلى البحث عن أشكال أخرى للكتابة المسرحية تقترب من الأدب بقدر ما تبتعد عن العرض . كتابة تتخذ فيه الحكاية أشكالا اكثر تفتتا وغموضا ، و تعتمد الحرفية العالية ومستويات السرد المتعددة والتداخل وتكرار انعكاس صورها كما لو أنها في غرفة من المرايا . و تتخذ شكلا دائريا مغلقا يتناقض والشكل السردي الحكائي الخطي في الزمان والمكان ، حيث هنا بداية ووسط ونهاية . كما في الروايات الكبرى من " دون كيشوت " إلى" الحرب والسلام " ومن " موبي ديك " إلى " فاوست " ، ومن " أوديب ملكا " إلى " الملك لير " . المبنية جميعها في ظل هذه الحكاية الخطية الموغلة بالامتداد الزمني الملحمي . المعروف أن الناس تستثيرهم الأحداث الألفية بوصفها محطات انطلاق او نهايات ، لكن ثمة فارق كبير بالتأكيد بين هذه التواريخ الكبيرة والمنذرة ، وبين الحكايات الصغيرة المتداخلة التي يتم تداولها كالهدايا المسمومة على طريقة ميديا . لايمكن أن يكون ونوس قد وصل إلى مرحلة اليأس من إمكانية أن يتغير العالم وهو القائل : "إننا محكومون بالأمل وما يحدث اليوم لايمكن أن يكون نهاية التاريخ " لكن المسرحي الذي كان حتى مسرحية " سهرة مع أبي خليل القباني " يؤمن بإمكانية التدخل في التاريخ ، وبالتحديد في المنطقة التي كان يسميها " منطقة التباس تاريخية " حيث المجتمعات والقوى الفاعلة مازالت لم تهمس بعد ، ومازال هناك يقين وأمل بالفعالية ، هذا المسرحي الذي صمت عن سرد الحكايات طيلة ثلاثة عشر عاما ، بدا اليوم مقتنعا ، بان كل شيء في حياتنا المعاصرة ، قد تم تهميشه من رغيف الخبز إلى المسجد الأقصى ، ومن أعذب الأشعار ، إلى المناهج المدرسية . لقد بات عليه أن يقوم بما اسماه " عملية غسل من الأوهام " على الصعيد الشخصي والصعيد العام :" لقد كانت لدي أوهام على كل المستويات ، أوهام على المستوى الإنساني . لاول مرة ا أنا اشعر بالكتابة كحرية " وإذا كان سعد الله ونوس في مسرحيات المرحلة الثالثة قد عمد عن قصد إلى استخدام السرد كجزء من عمل الشخصية المسرحية أو حوارها أو تعبيرها عن نفسها ، حتى ولو كان هذا الأسلوب " سيلغم " المشهدية المسرحية . بل إذا كان قد قرر أن يستخدم مستويات متعددة ومتداخلة لراوي الحكاية ، بما فيها إدخال عنصر فرجة شعبية كالاراجوز في مسرحية " الأيام المخمورة " وذلك كنوع من" كسر القدسية " في الكتابة المسرحية ، على حد تعبيره، فأين العرض المسرحي في كل أعماله الأخيرة ؟ أين المتفرج في هذا الفضاء الدرامي الجديد ؟ هذا المتفرج لذي كان نقطة انطلاق ونوس في بياناته المسرحية التي اسماها " بيانات لمسرح عربي جديد " ؟ بعد مضى اكثرمن ربع قرن على البيانات ، عن موقع يجيب ونوس عن سؤال عن دور المتفرج في مسرحه الجديد قائلا : " مازلت اكتب النص ليقدم في عرض ، هذا مؤكد ، مع فارق أساسي ، هو أنني لم اعد أتصور جمهورا محددا في الصالة ، وهذا ما سمح لي بمزيد من الحرية ، بحيث أني استعرت من الرواية ، وهي فن الكتابة الفردي وفن التأمل الفردي ، صيغا كثيرة أدرجتها في سياق عملي المسرحي الجديد . واحب أن أوضح ، أن المسرح ، ومهما حوصر ، يظل شاهدا مقلقا على تاريخه ، واني مازلت أسعى للحفاظ على هذه الوظيفة في الكتابة المسرحية " لكن سعد الله ونوس ، وان كان قد نحى الجمهور من الصالة في كتابات التأمل والمرض . إلا انه ظل على قناعة راسخة من أن المسرح هو علامة حقيقية من علامات وجود المجتمع المدني ، فما دام الناس يتجمهرون أمام باب المسرح من اجل مشاهدة عرض وولادة العرض المسرحي ذاته فذلك مؤشر على ولادة الحوار في المجتمع .. صحيح أن طغيان وسائل الاتصال الحديثة قد أفرزت أشكال فرجة فردية � يقول ونوس � تكرس العزلة وتمنع الحوار ، لكنه ظل مقتنعا أن المسرح هو الأداة الأقدر ، انه اقدر من الأدب ذاته ، على بدء الحوار المدني ، وليس صدفة أن يعنون ونوس رسالته الدولية للمسرح عام 1996 بهذا العنوان " العطش إلى الحوار " ، فاراده حوارا متعددا ، مركبا ، وشاملا . حوارا بين الأفراد،وحوارا بين الجماعات . ولم يكن ذلك جديد على ونوس ، إذ كان قد أكد على أهمية هذا الحوار ، مع صديق عمره وتجربته الإبداعية،المخرج الراحل فواز الساحر ، قبل أن يعزف له نشيج الرحيل المر، يومها قال يرثيه : " كنا نتساءل عن تعريفنا الخاص للجمال في العمل الفني ، وقد جربنا أن نبلور هذا التعريف سلبيا ، استعرضنا ماخطر لنا من أكوام البشاعات التي يغص بها الواقع ، ونحيناها جانبا . ثم شرعنا نحدد بالتلعثم والهمس ، ما يمكن أن يكون حلمنا في المسرح ، وفي الحياة . ألح فواز على مفهوم الحب ، فيما ألححت على مفهوم الحرية ، وما كان المفهومان يتعارضان ، بل كانا يترابطان ، ويتكاملان في حوار لم يصل إلى التمام . " السرد كحوار درامي ليس في هذا العنوان من تناقض ، ذلك أن سعد الله ونوس هو رجل التناقضات المتآلفة، والنهايات المفتوحة على التأويل . و مافعله في مسرحيات المرض والتأمل ، لايعد خيانة للمتفرجين ، للكتابة المسرحية والحوار الدرامي . كل مافعله هو انه استبدل شكل هذا الحوار ، من حوار مابين فضاء المنصة وفضاء المتفرج ، إلى حوار مابين ذات المتفرج وبين أناه الداخلية . فنقل الصراع من خارج الإنسان إلى داخله . محاولا بذلك الوصول الى نتيجة . تبدأ " طقوس الإشارات والتحولات " من اللحظة التي تنتهي فيها المسرحية . إنها حكاية تتداولها الألسن والآذان عبر الزمان . حكاية الماسة التي ستزدهر كبساتين الغوطة بعد شتاء ماطر . ومن خلال هذه الحكاية ، تنفتح كل العوالم التي أراد ونوس أن يلقي عليها الأضواء . في " طقوس الإشارات والتحولات " يعلن سعد الله ونوس عن ولادة تركيبة مسرحية جديدة ومجددة في تاريخ المسرح العربي . لكن هذه البنية الجديدة ستتبلور بشكل أوضح مع مسرحية التالية" الأيام المخمورة " وهي آخر مسرحية خطها سعد الله ونوس قبل أن يرحل متحولا هو ذاته إلى .. حكاية . إذا كانت " الأيام المخمورة " وعوالمها المتعددة ، وشخصياتها هي مرآة للكثير من عوالم وشخصيات مسرحياته السابقة ، إلا أنها تعتبر أيضا محطة جديدة في الكتابة بالنسبة لمسرح سعد الله ونوس وللمسرح العربي بشكل عام . ففي هذه المسرحية يتوقف ونوس عند أساسيات الكتابة المسرحية ومكوناتها ، عند العلاقة بين ماهو سردي روائي وبين ماهو حواري درامي ، بين الشخصية المسرحية ووظيفتها ، وبين الدلالات وانزياحاتها . انه يعيد الآن النظر بالبديهيات وتطرح الكتابة بحد ذاتها كموضوع بحث وكإشكالية ، بغض النظر عن المضمون الذي تقدمه . لكن المضمون يبقى حاضرا لايمكن قراءته بشكل متكامل إلا من خلال لعبة الكتابة هذه . إن جديد ونوس هنا ، يكمن ، في محاولته تعميق البحث المسرحي ، وتوسيع إمكانات التعبير في المسرح ، بحيث تصبح إشكالية الكتابة مجالا لطرح قضايا إنسانية وذاتية ، ومحاولة لسبر علاقتها بالسياق الذي تتم فيه . وهذا الجديد يبرز على مستوى الكتابة أساسا في نقطتين هما كيفية التعامل مع البنية الدرامية ، وكيفية بناء الشخصية المسرحية . ( ماري- الأيام- 191 ) تأتي هذه المسرحية كإضافة نوعية للمنحى الخاص الذي بدأ مع مسرحية " الجراد " وتتطور بعد ذلك في " يوم من زماننا " و " أحلام شقية " ، كماهي كذلك في " منمنمات تاريخية " و " طقوس الإشارات والتحولات " و " ملحمة السراب " ، وهو خط في الكتابة يتبنى الهم الإنساني والذاتي عبر إبراز الهواجس الشخصية والجماعية وعلاقتها بالإطار الاجتماعي والسياسي . كما تعتبر تتويجا للخط الذاتي/الإنساني عبر محاولة دمج العام بالخاص والبحث في تشابكهما وتوازيهما . في " الأيام المخمورة " يكسر ونوس قدسية الحكاية الدرامية عن طريق تعدد مستويات السرد وأزمنته . ثمة زمن للحكاية و زمن للبحث عن الحكاية ، و زمن الحدث نفسه و الزمن الواقعي الذي نعيشه كمتلقين . تتشابك المستويات السردية و الزمنية ، في حوار مفتوح ومتكافئ منتجة نصا مسرحيا يشكل بداية كتابة جديدة في المسرح ، يمكن أن نطلق عليه اسم السرد المسرحي ، فيتحول الحوار الدرامي من مستوى الشخصيات إلى مستوى البنية النصية الدرامية ، وبالتالي تتغير كل قواعد الكتابة والفرجة والتأويل . يقدم ونوس في هذا النص ، كما في غيره من نصوص المرحلة الأخيرة تساؤلات عميقة ماهية العلاقة ما بين السردي و الدرامي ، ولاول مرة في الكتابة المسرحية يتم طرح الحكاية نفسها كإشكالية للبحث و إعادة النظر في وضعها في المسرح و كذلك في تخطي فكرة فصل الأجناس الأدبية التي أخذتها الثقافة العربية المعاصرة عن الغرب . إعادة النظر في التعبير المسرحي يشكل المسرح كبنية عند ونوس هاجسا سواء من حيث البنية أو الموضوع . و هو لا يكف عن إعادة النظر في المسرح ذاته كأداة تعبير أو كجنس أدبي و فني . " هناك محاولة لنسف شكل من أشكال المسرح و إغناء إمكانياته . هناك اعتماد كبير على أشكال متنوعة من السرد .. السرد هنا لم يعد مجرد عنصر خارجي عن الحدث عبر راو أو حكواتي ..بمعنى أن السرد لم يعد قالبا للحدث ، و إنما يدخل في صلب الرؤية المسرحية و في صلب عملية البناء . اصبح السرد جزءا من عمل الشخصية أو حوارها أو تعبيرها عن نفسها " صار عند ونوس نوعا من ممارسة الحرية وشكلا من أشكال الدفاع عن الحياة و مقاومة البؤس و العناد و الدمار الذي يعصف بالإنسان و بالمجتمع في لحظات التحولات التاريخية الهامة و المصيرية . اصبح السرد حوارا ، وتعددت الأصوات فيه ، ومات المؤلف وسلطته المطلقة . واصبح السرد شكلا من أشكال الحوار او الحياة