السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  9 - 2- 2004

مسرحية ( السفير ) للكاتب البولندي سلافومير مروجيك

ترجمها عن البولندية : عدنان المبارك

 

مقدمة الكاتب
يمثّل المسرح غرفة السفير . الجدران والسقف والنوافذ والأبواب ليست حقيقية . الأثاث حقيقى وحده أي مكتب السفير الكائن في وسط المسرح . وفي العمق يوجد كرسي وراء المكتب . الكرسي الثاني أمام المكتب . مقعدان وثيران وطاولة صغيرة واطئة علي يسار المسرح وأخرى على يمينه . أدوات للكتابة ومصباح وجهاز هاتف على المكتب . على الطاولة اليسرى سجائر وسيجار وعلبة ثقاب ومنفضة . أما على اليمين فهناك أقداح وبضع قنان ( ويسكي ، جن ، شيري ، مارتيني ، كونياك ).
فوق مكتب السفير علّق نحت بارز ( أو منحوتة إذا كان المسرح من النوع المفتوح) يمثل كشعار أو إشارة فنطازية ، رمزا وهميا لدولة وهمية . ويمكن أن يستخدم هنا النسر أو الأسد أو وحيد القرن أو سيف متقاطع مع راية أو رمح أو أنبوب مدفع ، في شتى الترتيبات وفي مختلف عناصر الزينة كالذهب والفضةو الفولاذ والبرونز والنحاس والمينا السوداء أو البيضاء أو القرمزية .
بالإمكان أن يكون النحت المذكور ذا شكل إنفجاري مقلق بل خطرلكن في كل الأحوال ليس من الممكن أن يوحي بالهزء والتقليد الساخر .ولنفترض أن (اليمين) و(اليسار) يحددهما موقع رؤية الجمهور. كذلك لنفترض أننا نمثل هنا على مسرح - علبة ولو أن المسرحية يمكن أداؤهاعلى أي مسرح آخر.
الوقت - يوم رائق في شهر أيلول .

 

الفصل الأول

 

المشهد الأول

في البدء يكون شعار الدولة مضاءا لوحده . بعدها يضاء المسرح ببطء. ونشاهد رجلا متين البنية وطويلها يقارب الخامسة والخمسين ، متورّد الوجنتين وخط الشيب شعره ويحمل نظارات بإطار اسود . بذلته رائعة ومن الطراز المحافظ . يمشي على أربع باحثا عن شيء ما ورأسه يمس الأرض . إنه السفير .
بعد قليل يدخل من اليسار ( عطيل ) سكرتير أول السفارة . عمره يقارب الخامسة والثلاثين. ذو بشرة سمراء، زيتونية . إنه من الجنوب ،أوربي مولود هناك . شعره أسوّد ويرتدي بذلة صيفية ذات لون يميل الى الصفرة أما قميصه الأبيض فهو بخطوط زرق وقرمزية. يرتدي ربطة عنق أيضا. حذاؤه أسود لامع وكعبه عال . في معصمه سوار ذهبي وتحت أبطه ملف ما .
يقف (عطيل) بالقرب من الباب. السفير لا ينتبه اليه ويستمر في البحث عن شيء ما تحت الطاولة .
عطيل - سيدي ...
( السفير ينهض محرجا . ينزع نظارته ويدسها في جيبه . يعّدل سترته الرائعة ذات الصفين من الأزرار لكي يخفي حرجه )
السفير - في أي ساعة سيكون هو هنا ؟.
عطيل - في تمام الساعة الثانية عشرة . ألم أخبرك يا سيدي ؟.
السفير -( ينظر الى ساعته) إذن في الثانية عشرة .
عطيل - هل أهملت واجباتي كسكرتير أول للسفارة والى درجة أنني حين أخبرت سفيري برغبة الحكومة المحلية في أن يستقبل السفير مفوضها في إجتماع خاص ، ونسيت أن أسأل سفيري وليس عن اليوم الذي يتفضل السفير فيه أن يستقبل المفوض بل الساعة كذلك ؟ .
السفير - أبدا .ببساطة أردت التأكد مرة أخرى .
عطيل - إنه أمر لايصدّق. إذا كنت قد أسرفت في الإهمال الى درجة أنني حين حصلت على الجواب من سفيري لم أذكره ولعدة مرات بقراره حتي أنه في صباح هذا اليوم ...
السفير - وجدته !.( السفير يسير بضع خطوات وينحني ثم يرفع شيئا ما من الأرض . يضع نظارته على عينيه ويأخذ بتفحص الشيء الذي عثر عليه). لا ، ليس هو .( وقفة . السفير يعيد فحص الشيء مديرا إياه بأصابعه ). إنه شيء آخر . عطيل ...
عطيل - سيدي ؟.
السفير - ماهذا؟. ( يتقدم عطيل صوب السفير و يتفحص الشيء).
عطيل - ميكروفون بالطبع .
السفير - على الأرض؟.
عطيل - الخادمات لا يقمن بواجباتهن جيدا يا سيدي .
السفير - خذه الى مجموعتك .( يعطي الشيء الى السكرتير ).لديك مثل هذه الهواية ..كما أظن .
عطيل - كلا ،سأرسله الى إبن أختي. هل تصدق ياسيدي بأنه يريد أن يكون دبلوماسيا أيضا ؟.
السفير - أي غرابة في ذلك ؟.
عطيل- (يدس الميكرفون في جيبه) كما تعلم يا سيدي إن مثل هذه المهنة هي أمر جديد في عائلتي . لكن يخيل الي أنك يا سيدي لم تكن قد بحثت عن هذا الشيء. هل بإمكاني تقديم المساعدة ؟.
السفير - ( ينزع نظارته) بالطبع . أرجوك أن تبحث عن زوجتي.
عطيل - ( ينظر حواليه) على الأرض؟.
السفير - أنت في مزاج فكه . وهذا ليس بالضروري . زوجتي هي في الحديقة في مثل هذه الساعة .
عطيل- وما علي أن أخبرها؟.
السفير - لابد من أن أتحدث معها على الفور .
عطيل - أسمح لنفسي بأن أذكرك يا سيدي.. في تمام الساعة الثانية عشرة ...
السفير - أنا أعرف ،أنا أعرف ( ينظر في ساعته) لكنها الآن الحادية عشرة والدقيقة الأربعون .
عطيل - سيدي !.
السفير - أتراودك أفكار خبيثة ؟. ( عطيل يصمت. وقفة) إذا رغبت الآن في التحدث مع زوجتي فلسبب واحد لاغير. وهو أن الدافع في ذلك قضية عامة .
عطيل - سيدي؟.
السفير - وطنية , عمومية . وفي كل الأحوال ليست خصوصية .(وقفة) ألا تصدقّني ؟.
عطيل -إذا كنت يا صاحب السعادة تؤكد على ذلك .. فكيف أجرؤ أنا ...
السفير - تهكمك المتواصل ليس في مكانه حقا ، خاصة في هذه الحالة .
عطيل - تهكمي ؟.
السفير -نعم . ليس في مكانه ، كما أنه ليس من أجود صنف . منذ أمد بعيد أردت أن أنبهك الى هذا الأمر .
عطيل – أكيد أن السبب في أنني لا أقدر على أن أملك أجود منه ، هذا إذا راعينا حقيقة منحدري ومسألة أنني لم أتخرج من الجامعة نفسها يا صاحب السعادة .
السفير - ها أنك تعيد الكرّة. كلا . بالأحرى أنك تواصلها.
عطيل - كما ترغب ياصاحب السعادة. وليكن هناك الوصف الذي تعتبره يا سيدي مناسبا . أنا مجرد موظف تحت إمرتك.
السفير- هذا شيء يدّل على الحكمة من جانبك حين تعترف بذلك. إذن دعنا لانضيع الوقت .
عطيل - ( ينحني بصورة مبالغ فيها) أنا في خدمتك ( يتجه صوب اليسار).
السفير - عطيل !.
(عطيل يعود)
السفير - نعم!. أنت تحت إمرتي !.
عطيل - سيدي؟.
السفير - وأطالبك بأن تبدي قدرا أكبر من الإحترام . أنت تخدم شعبك.
عطيل - سيدي؟.
السفير - شعبك , شعبنا ...
عطيل- أيهما في الواقع ؟.
السفير - إيه. لنصرف النظر عن ذلك. في كل الأحوال إن الشعب الذي تخدمه أمثله أنا في هذا المكان .
( عطيل يقف في حالة إستعداد. يضرب كعبي حذائه بمبالغة ثم يتوجه صوب اليسار ).



المشهد الثاني

السفير - أريد الإتصال بوزارتنا للخارجية .
( يردّعليه صوت في سماعة الهاتف ،أي من مكبّرات الصوت المخفية في المسرح لكي يسمعه الجمهور . المكبّرات معدّة بصورة تجعل الصوت طبيعيا .)
الصوت - سأحاول يا سيدي
(تنبعث أصوات شبيهة بأصوات التشويش الإذاعي. السفير يبعد السماعة عن أذنه.يطرق مكان الإتصال في الجهاز عدة مرات. يختفي الضجيج .)
الصوت - نعم؟.
السفير - لا إتصال هناك .
الصوت - هل أحاول مرة أخرى ؟.
السفير - بالطبع!.
( السفير ينتظر قليلا. ينبعث من السماعة صوت المغني تينو روسي وهو يغني بمصاحبة الأوركسترا أغنيته العاطفية المعروفة ( ماما ). السفير يطرق الجهاز عدة مرات . يختفي صوت تينو روسي والأوركسترا أيضا.)
السفير - لقد طلبت الإتصال .
الصوت – آآ، صحيح .
( السفير ينتظر. تنبعث من السماعة قوقأة دجاج. يطرق الجهاز مرة أخرى . تختفي القوقأة .)
السفير - ( بحنق يسيطر عليه بصعوبة ) لقد طلبت الإتصال بوزارتنا للخارجية .
الصوت- كانت هذه وزارتنا .
(السفير يرمي السماعة على الجهاز ويغطي وجهه بيديه.)


المشهد الثالث

من اليمين تدخل زوجة السفير . أسمها أميلي . إمرأة جذابة قد تكون في الخامسة والأربعين من العمر ، إذ من الصعب تحديد العمر ، فهي من النساء اللواتي يضمن لهن الثراء والأناقة والمعرفة المعاصرة المظهر الأستيتيكي بأعلى درجة وبدون معرفة العمر الحقيقي . ترتدي لباسا خاصا بالعمل في الحديقة مصنوعا من قماش ازرق غالي الثمن . تحمل بيدها باقة من زهور قطفت قبل قليل . تقف منتظرة الا أن السفير لاينتبه اليها ، فيداه تغطيان وجهه. وفي الأخير تعلن أميلي عن حضورها.
أميلي - سيدي ...
( السفير يرفع يديه عن وجهه وينهض ثم يترك مكتبه).
السفير - أميلي. وأخيرا .. ( يتوجه اليها مسرعا) لكم هو حسن أنك الآن ( يرفع كتفه ويجّر كم سترته) أنظري فقط...
أميلي - هل لي الشرف ياصاحب السعادة السفير ...
( السفير يتوقف متسائلا).
أميلي - .. هنا ، في بلد أجنبي ، التحدث مع ممثل وطننا العظيم ...
السفير - مامعنى هذا كله؟.
أميلي - ... أنا المواطنة العادية ،الناخبة ، ودافعة ال....
السفير - لاوقت لدي للمزاح...
أميلي - الحق يقال أنا أجد أن هذا التبسّط ليس في موضعه يا سيدي . إنه يحاذي سوء التربية .
السفير - لكن بحق الله ما المقصود!.
أميلي - هل تسمح لي ، على الأقل ، بالجلوس ؟. لم أتوقع أن السفير يعامل أبناء جلدته بهذه الصورة حين يستقبلهم في مقّره. هكذا بدون ابسط الرسميات. عادات شيّقة تسود في الخدمة الدبلوماسية، وفي أعلى درجاتها . قد يعامل السفير النساء فقط بهذا الشكل ؟.
( مازال السفير في حالة ذهول. يشير بصورة آلية الى المقعد).
أميلي - ( تجلس) شكرا . ( تجيل بصرها في المكان). إذن هكذا يبدو معبد السفير ...
السفير - أميلي. لننه هذا . الأمر يتعلق الآن بشيء جوهري . رجوتك الحضور ولأن ...
أميلي - أوه , ما زال هذا التبسط؟. سيدي السفير الى من تتوجه بالكلام ...
السفير - الى زوجتي !.
أميلي - في هذه الحالةهناك خطأ. لقد جئت وليس كزوجة بل مواطنة من أبناء بلد صاحب السعادة .
السفير - إلا أنني أخاطبك كزوج. الا يمكنك ولو للحظات أن تكفي عن هذه الكوميديا وأي كان معناها؟.
أميلي - طيّب. لكن لبضع لحظات فقط. ما الأمر ؟.
السفير - ( يريها الكم الأيسر من قميصه) أنظري ...
أميلي - لا ضرورة في ذلك . لاحظت على الفور هذا الشيء عندما دخلت .
السفير - لا أعرف كيف ...
أميلي - أضعت الزرّ.
السفير - نعم.نعم. لا أقدر على العثور عليه رغم أنني بحثت في كل مكان . لكن بعد ربع ساعة...( ينظر في ساعته) كلا . بعد عشر دقائق ، عليّ أن أستقبل مفوض حكومتهم . إجتماع خاص ... أنا لا أستطيع أن أستقبله وأنا في هذه الحالة ,
أميلي - مهلا!. لا أريد أن اعرف من ستستقبل ولماذا , فهذه معلومات عما يجري وراء الكواليس.وعدتني بأنك ستتحدث معي كزوج في حين انك تتكلم الآن كسفير يبوح على الصعيد الشخصي بقضايا تخص وظيفته.
السفير - السبب هو أنني زوجك وسفير في آن واحد. أوه، يا ربّي!.
أميلي - ( تنهض ) وهذا بالضبط لاأطيقه.
السفير - ماذا؟ .
أميلي - لاأطيق نفسي كزوجة للسفير .
السفير - لاتريدين أن تكوني زوجتي ؟.
أميلي - زوجتك. من المحتمل أن أكونها لكن ليس زوجتك وزوجة السفير في آن واحد.
السفير - لكن أنا الأول والآخر .
أميلي - إذن عليك أن تقرر. السفير - لكن لم تكن بيننا هذه المشكلة لغاية الآن ... أميلي - منذ عشرين سنة أنا مجرد شيء إضافي لترقيّك. كاتمة أسرار لسياسي في البيجاما، خزانة لأسرار الدولة في غرفة النوم. عشرين سنة !. أنا لا أقدر على تحمّل المزيد!.
السفير - نعم ، عشرين سنة ...
أميلي - لا أريد أن يكون فراشي ملكا لوزارة الخارجية .
السفير - لكن ...
أميلي - أنت مستغرب ؟. أكيد أنك هكذا . لم يخطر ببالك هذا الأمر أبدا . لذلك قررت أن أقوله في الأخير .
السفير - أكيد أننا سنتحدث عن هذا الشيء لكن ليس الآن... هل تستطيعين مساعدتي( ينظر الى كم قميصه بيأس) أن تعطيني زرّين جديدين ...
أميلي - كلا !.
السفير - (ينظر في ساعته) بعد ثماني دقائق ...
أميلي - كف عن الكلام عن هذا الإجتماع . أنا استطيع الإستماع أما الى الكلام عن الأزرار وأما عن الإجتماع ، لكن ليس بقدرتي الإستماع الى ما تقوله عن الإجتماع والأزرار في آن واحد . السفير !. لاأحد في العالم كله ينبغي أن يعرف أي جوارب يرتدي السفير في هذه اللحظة , وهل أن سرواله بشيّالات أم بحزام ، وأي سروال داخلي يحمله اليوم. أما أنا فعلي أن أعرف كل هذه الأشياء . الشيّالات!. فاقعة الزرقة !.
السفير - إخفضي صوتك. قد تكون هنا ميكروفونات!.
أميلي - أنا أعرف كل شيء، سواء جواربك أم التوصيات السرّية لرئيس الجمهورية. أنا أعرف عن صغار السياسة العليا وعن العكس أيضا،عن الأحداث التأريخية وقبل وقوعها ، وعن اللاأحداث التي وقعت . عن الشيء الذي قد يحصل لو لم يكن قد حصل شيء آخر ، أو لماذا حصل هذا الشيء رغم أنه لاينبغي أن يحصل . شيء واحد لاأعرفه: أي نفع لي من هذا كله؟.
السفير - نعم . بالضبط تلك هي القضية . فكري . ملايين النساء تحسدك.
أميلي - وأنا أحسدهن أيضا .أريد أن أكون إمرأة طبيعية وعادية من جديد.
السفير - ماذا تعنين؟.
أميلي - ألا تعرف ؟.
السفير - ( يمسح جبينه وهو غارق في التفكير )إمرأة... إمرأة...
أميلي - إنسانا!. هل تفهم الأمر بصورة أفضل الآن؟. أنا أريد أن أؤمن من جديد!.
السفير - بأي شيء؟.
أميلي- بكل شيء آمنت به قبل أن أتعرف عليك. في نبل الدوافع. في نظام التأريخ، في عظمة بلادنا ، في عصمة حكومتنا عن الخطأ ، في الأفكار، في المثل العليا ...في كل شيء آمنت به قبل أن أصبح زوجة سفير .
السفير - وهل أنا لا أؤمن ؟.
أميلي - تؤمن؟.
السفير - في الماضي لم أفكر بهذا الأمر . في الماضي... في مرة من المرات ...
أميلي - أنا فقدت الإيمان ، فقدت المشاعر .
السفير - نحن نتكلم عن الإيمان فقط .
أميلي - الإيمان هو الشعور .
السفير - كما تشائين...
أميلي - الآن أنا أعرف كل شيء لكنني لاأشعر بأي شيء. ولأنني لاأؤمن بأي شيء ...
السفير - وحتى بي ؟.
أميلي - بلاشيء. إلا أنني أريد أن أؤمن من جديد. مرة أخرى . بك أيضا . رغم أنه ...
السفير - هل يمكن إستعادة البراءة ...
أميلي - أريد العودة، أريد أن أكون مرة أخرى كما كنت يوما ما ، كما كنت حينها..كما كنت...
( وقفة )
السفير - شابة ؟.
أميلي - نعم, لكن لا ينبغي أن تقول هذا الشيء.
السفير - بدأت أفهم الآن.
أميلي - أنت لاتفهم أي شيء. لا كزوج ولا كدبلوماسي . لقد جرّدت من المرتبة في كلتى الحالتين .
السفير - هذا صحيح .
أميلي - لاأعرف لماذا قلت هذا الشيء...
السفير - كما يبدو أنا متعب .
أميلي - هذا ليس بعذر .
السفير - نعم .
أميلي - الآن وبعد أن قلت أنت ...
السفير - لكنني لم أفكر بهذه الصورة حقا .
أميلي - كف عن هذا الكلام . أنت تعرف بنفسك أن لاشيء يعينك الآن.
السفير -أنا أردت القول ...
أميلي - صارت الحال من سيئة الى أسوأ.
السفير - أي أنني فكرت ...
أميلي - لننه هذا الحديث وقبل ان تشعر بالخزي ، وبصورة نهائية .
السفير - إنتظري !.
أميلي - كلا!.
( أميلي تخرج من اليمين . من اليسار يدخل عطيل )
السفير - ولكن ازراري !.
عطيل - سيدي. إنها الثانية عشرة .
( يقف السفير في وسط المسرح ويخفي يده اليسرى وراء ظهره)
السفير - أنا مستعد .

المشهد الرابع


من اليسار يدخل مفوّض الحكومة المحلية . رجل مربوع القامة في سن الخامسة والأربعين . بذلته مناسبة كما بذلة السفير إلا أنها بلون أغمق قليلا . القميص بلون فاتح أكثر . ربطة العنق عريضة بعض الشيء وفاتحة اللون أكثر بقليل أيضا . يقف المفوّض عند العتبة ويفتح ذراعيه كما لو أنه يريد الترحيب بأحد أقربائه بعد فراق طويل . يتقدم بسرعة صوب السفير ويضع يديه على كتفي مضيّفه.
المفوض- (بحرارة) مرحبا بالزميل العزيز !.
السفير - (مرتبكا) أود أن ...
( المفوّض يجّر السفير اليه بقوة . يحضنه واضعا خده على خد السفير ومثلما هو الحال وليس لمرة واحدة, في الأشرطة الإخبارية عن اللقاءات الرسمية بين عدد من رجال الدول الذين يبالغون في تعابير الترحيب. السفير يبدو كأنه قد فوجيء بمثل هذا الترحيب ، كذلك يبدو عليه الإحراج مما يظهر في تصلّب قامته).
المفوّض - والآن القبلة !.
( يحضن السفير ويريد تقبيله من فمه . يدير السفير وجهه ويتخلص من أحضان المفوّض ).
المفوض - ( يتراجع الى الوراء) ماذا؟ لا؟.
السفير - أهو أمر ضروري؟.
المفوض - إذا تعلق الأمر بي ليس بالضروري لكن هكذا هي العادة عندنا .
السفير - عفوا ، لم أعرف.
المفوض - نحن نقبّل الجميع دائما . نحن من صنع القلوب.
السفير - وعلى الصعيد الرسمي؟.
المفوض - الرسمي قبل كل شيء. الصراحة ،الصراحة قبل كل شيء. مافي القلب هو على طرف اللسان . هذا مبدأ سياستنا .
السفير - علي الإعتراف بأن هذا شيء جديد عندي. كما تعرف ياسيدي أنا هنا منذ أمد قصير.
المفوض - ستعتاد ياسيدي على الأمر .
السفير - آمل في ذلك . أزاء هذا ... مارتيني أم شيري؟ .( يلجأ السفير الى درجة معينة وبعد أن فشل في إسباغ الطابع الرسمي على هذا الإجتماع ، الى الأسلوب الذى فرضه المفوض في البداية . وهكذا بدأ يتبع الأسلوب غير الرسمي أ وبالأحرى أسلوب اللقاءات الشخصية ).
المفوض - كونياك .
( السفير يتوجه الى الطاولة - البار . في الطريق يخرج من جيبه منديلا يمسح به خدّيه).
المفوض - هذا الشخص الذي رافقني أهو من الخدم ؟.
السفير - السكرتير الأول.
المفوض - آي ، آي ، آي... بمثل هذا السواد ؟.
السفير - دستورنا يقول أن جميع المواطنين سواسية بغض النظر عن لون البشرة .
المفوض - أنا أعرف. لكنه أمر غير مسّر . لدي نصيحة اليك يا سيدي. خذ رجلا أبدل جلده .
السفير - أنا لا أفهم .
المفوض - إنه أمر بسيط. تأخذ رجلا أبيض البشرة ثم تصبغه بالأسود. الكل يظن حينها بأنه أسود رغم أنه أبيض في جميع الأحوال . وهكذا هناك النفع والبهجة .
تالسفير - فكرة أصيلة . شكرا على النصيحة .
المفوض - لاشيء يستحق الشكر . إذا كانت هناك متاعب يمكنك يا سيدي أن تأتي إلي دائما .
(السفير يقّدم كأسا مترعا الى المفوض وبعدها يعّد لنفسه آخرا. يتصرف بشكل الغرض منه صرف إنتباه المفوض عن الكم الأيسر من قميصه والذي فقد زرّه. يتوجه الأثنان الى المقعدين في اليسار . يجلسان . السفير يضع يده اليسرى وراء ظهره .)
المفوض - ألديك متاعب يا سيدي ؟. السفير - أتقصد...
المفوض - كلا . أنا أقصد عموما . نحن نقدم ، و بكل سرور، المساعدة .
السفير - عند الضرورة أنا أتوجه بالأحرى الى رؤوسائي .
المفوض - بالطبع ، بالطبع . وهل يقدمون هم المساعدة؟
السفير - المعذرة ،هذه من القضايا الداخلية للسفارة .
المفوض - ماذا جرى ياسيدي ليدك اليسرى؟
السفير - يدي؟.
المفوض - أنت تخفيها يا سيدي بإستمرار . هذه اليسرى .
( السفير يخرج يده و يمعن النظر فيها كما لو أنه يراها للمرة الأولى في حياته).
السفير - أوه ، حقا .
( المفوض ينحني ويلمس كم القميص )
المفوض - الكم مفتوح . اليس كذلك؟. إنه بدون زرّ. الزرّ الذي يخاط جيدا أحسن من الآخر.
السفير - أنا أفضل الآخر .
المفوض - لكن الآخر معرّض للضياع .
السفير - للأسف .
المفوض - أنظروا . المرء يضيع مثل هذا الزرّ ولديه الآن ما يقلقه . أنا أفهم الأمر . قضية دولية ، المقام ، التمثيل الرسمي ..أنا أفهم جيدا. مثل هذا الأمور تحصل عندنا أيضا . كزميل أود أن أقول ، والكلام بيننا ، أن أحد الجنرالات سقط سرواله في أثناء العرض العسكري .
السفير- ماهذا الذي تقوله يا سيدي؟.
المفوض - نعم ,،في قلب الساحة عندما قاد مسيرة الجيش . وبحضور الحكومة وجميع الهيئات الدبلوماسية ولاحاجة بالطبع الى ذكر السكان .
السفير - إنه شيء مؤسف . وماذا بعد؟.
المفوض - أطلق النار على نفسه في اليوم ذاته .
السفير - أنا كلي إعجاب بمثل هذا الشعور المتطور عاليا ، بالشرف .
المفوض - ليس الشعور وحده . نحن ساعدنا الجنرال أيضا . ورؤساؤك مثلا ، هل يقدمون المساعدة عند الحاجة؟.
السفير- كلا. عليّ الإعتراف. وفي أضعف الأحوال ليس بهذه الصورة .
المفوض - أنا لاأقول بأن على المساعدة أن تكون بهذه الصورة لاغيرها، لكن هل بمقدورهم مساعدتك... مثلا في العثور على الزرّ الذي أضعته يا سيدي ؟.
السفير - لم أتوجه اليهم بمثل هذا الطلب .
المفوض - حسنا فعلت يا سيدي ، فلما ساعدوك. إنهم لايقدمون المساعدة حتى في مثل هذه القضية التافهة. اليس كذلك؟.
السفير - كلا ، في هذه القضية كما أعتقد .
المفوض - أترى ياسيدي؟. أنا أقدر على تقديم المساعدة .
السفير - أوه . أرجو أن لاتكلف نفسك.
المفوض - لا أكلف نفسي البتة. وحتى أنني غير مضطر الى النهوض من مكاني . أنا أعرف أين هو الزر.ّ
السفير - أنت تعرف أين الزرّ الذي أضعته قبل أن تأتي إلي يا سيدي؟.
المفوض - نعم.
السفير - يصعب علي التصديق بهذا الشيء.
المفوض - أتراهنني على ذلك؟.
السفير - إذن أين هو ؟.
المفوض - في سلة المهملات جنب المكتب .
( وقفة )
المفوض - ألاتريد يا سيدي التأكد من الأمر؟.
( السفير ينهض ويقترب من مكتبه . ينحني ويدّس يده في السلة. يعدّل قامته. وقفة )
المفوض - ما هي النتيجة ؟.
السفير - لا أقدر...
المفوض - لاتقدر ياسيدي؟. على أي شيء؟.
السفير - لاأقدر على أن أصدّق هذا .
المفوض - هل الزرّموجود أم لا؟. ( ينحني السفير ثانية . ويأخذ الزرّ من السلة .)
السفير - إنه موجود. كان الحق معك . المفوض - أكيد أنني كنت على صواب
السفير - ( يعود الى الطاولة) من أين عرفت ؟.
المفوض - هذا شيء لست مرغما على قوله .
السفير - أنا افهم . لكن... بأي طريقة ؟.
المفوض - وهذا بالطبع لن أخبرك به أيضا.
السفير - ياللأسف .
المفوض -أنا أقول فقط أنك يا سيدي أضعت الزرّ في الساعة العاشرة والدقيقة الثالثة والعشرين وثانيتين . كنت تجلس وراء المكتب وتمد يدك لرفع سماعة الهاتف . وبعدها طرررب و سقط الزرّ في سقر .مارأيك بهذا ؟.
السفير - تهانئي .
المفوض - شيء ليس بالسيء , أليس كذلك؟.
السفير - ( يعيد الزرّ الى كم القميص) في كل الأحوال أشكرك للغاية .( يجلس على مقعده).
المفوض - ليس هناك ما يدعو الى الشكر . أردت أن أريك كيف هي الأمور يا سيدي . نحن نعرف كل شيء عنكم . وأنتم ؟ ماذا تعرفون عنا ؟.
السفير - نحن لدينا معلوماتنا أيضا .
المفوض - مثلا؟.
السفير - مثلا نحن نعرف أنكم ..شعب عظيم يطمح ، رغم الفوارق التي تفصلنا ، في أن يملك علاقات التفاهم والتعاون بأسم السلام والصداقة بين الشعوب.
المفوض - ( وقد فوجيء بكلام السفير) من أين تعرف هذا ياسيدي...
السفير - من أين؟. منكم .
المفوض - همم...
السفير - من صحافتكم وإذاعتكم وتلفازكم . هل هي معلومات زائفة ؟.
المفوض – كلا، في الأساس. لكن هل تعرف التفاصيل ؟.
السفير - مثلا؟.
المفوض - مثلا هل تعرف يا سيدي ما فعلته أنا في الصباح ؟.
السفير - نظفت أسنانك كما آمل .
المفوض - بأي معجون للأسنان, أخضر أم أزرق ؟.
السفير - علي أن أعترف بأنني لا أعرف.
المفوض - لو قلت أنه ازرق ؟.
السفير - لما رفضت هذه المعلومة .
المفوض - كلا. لكنت يا سيدي قد صدّقت بها.
السفير - من أين هذا اليقين؟.
المفوض - لأنكم تميلون الى التصديق.
السفير - بالأحرى نفضل أن نثق.
المفوض - كلا. ليس الأمر بهذه الصورة . أنتم بدون إيمان تماما كالأطفال بدون سكاكر. تحزنون لأن المرارة في الفم وتريدون البكاء إذا لم يكن هناك شيء تؤمنون به .
السفير - لايسعني الإعتراض على هذا القول. فعلى الصعيد الفردي يحصل هذا الشيء. أنا أعرف حالة شبيهة...
المفوض - لاتغتموا. هناك على الدوام من يقّدم السكاكر ...
السفير - أنتم؟.
المفوض - ولنكن نحن. ولماذا لانكون من يقّدمها؟. نحن طيبون, وقلوبنارقيقة ولا نحب النظر الى الأطفال وهم يتعذبون. أما السكاكر فهي عندنا ملء الجيوب .
السفير - سيدي لماذا تقول لي هذا؟.
المفوض - ولماذا لاأقوله؟.
السفير - الا تخشى من أن تكشف بهذه الصورة، ولنقل ، عن طريقتكم ؟.بعبارة أخرى هل هذا هو بمثابة تحذير لي ؟.
المفوض - أبدا. الطبيعة أقوى من العقل . ستصدقوننا بهذه الصورة أو تلك ، مع التحذير أو بدونه . أنتم لاتقدرون على الحياة بدون إيمان . أما أنا فأحب الدردشة .
السفير - واحدة من الإثنتين لا يتطرق اليها ولو ذرّة من الشك .
المفوض - الصراحة. الصراحة قبل كل شيء هي مبدأ دبلوماسيتنا. وها أنني أدردش معك بينما نسيت أن أقدّم لك هدية
السفير - إنه لشيء لطيف من جانبك يا سيدي , لكنني لا أقبل الهدايا .
المفوض - هدية شعبنا العظيم لشعبكم العظيم .
السفير - إذا كانت المسألة رسمية...
المفوض - رسمية الى أبعد حد( ينهض). إنها مبادرة أعلى سلطة ومصادق عليها شخصيا من قبلها . أنا موفد لغرض تقديم تذكار صغير لحكومتكم من حكومتنا .
السفير - شيء صغير ؟. هل هو معك يا سيدي ؟.
المفوض - كلا . لقد تركته في بهو السفارة .


المشهد الخامس

يصفق المفوض ثلاث مرات . من اليسار يدخل جنرالان يرتديان البزة العسكرية الخاصة بالإحتفالات, أما القبعة فمدوّرة وذات حافة طويلة من الأمام. يحملان على نقّالة مؤلفة من قضيبين طويلين كرة كبيرة زرقاء قطرها متر ونصف على الأقل، وقد وضعت على قاعدة بيضاء بشكل مكعّب ومزينة بمنحوتات تمثل حمائم بيض . يضع الجنرالان الكرة في وسط المسرح . يعدّلان القامة ويستديران صوب المفوض والسفير ثم يقفان في حالة إستعداد. يؤديان التحية وينحنيان لنزع القضيبين عن الكرة. يخرجان من اليسار . جميع حركاتهما ذات إيقاع مرسوم تماما كما لوأن هذا الشيء يجري في عرض للباليه أو أثناء تبديل حرس الشرف .



المشهد السادس

المفوض - هل تنال إعجابك يا سيدي ؟.
(السفير يدور حول الكرة صامتا . ينظر إليها من كل جانب . وقفة)
السفير - إنها رائعة .
المفوض - أليس كذلك ؟.
السفير - باهرة .
المفوض - بالتمام .
السفير - لكن ما هذه ؟.
المفوض - كرة أرضية .
السفير - كرة أرضية ؟.
المفوض - الم تتعرف عليها ؟. لكم هي كبيرة !.
السفير - بالطبع إذا تعلق الأمر بالهيئة ...
المفوض - عدا هذا الشيء هل هناك ما ينقصها ؟. السفير - كلا. كلا . البتة . فقط...
المفوض- سيدي قلها بجرأة .
السفير - إذا كانت تمثّل الكرة الأرضية فهناك شيء ينقصها.
المفوض - أين؟.
السفير - في كل مكان. تنقصها أوربا وآسيا وأفريقيا وأستراليا وكلتا الأمريكتين .
المفوض - هذا غير ممكن .
السفير - لكنه واضح . الا ترى ياسيدي؟.
المفوض - أنا أرى .
السفير - إذن ؟.
المفوض - لكن هذا لايعني بأنه يفتقد شيء ما .
السفير - كيف؟.
المفوض - حين أرسلوا الكرة بهذا الشكل يعني الأمر ب&#