|
وليد اخلاصي..
ممثلاً وحيداً على
خشبة
المسرح
بقلم: نجم
الدين سمّان
يبحث الكائن
في سيرورته عن خشبة خلاص.. عن يقين صيرورته، حتى لو انه يبحث عن اللايقين!
هكذا سيمشي وليد اخلاصي على «الصراط».. صراطه المسرحي وهو يتهدّج بسؤال
مسرحيته «كيف تصعد دون ان تقع؟!».
في اللحظة
الاخلاصية يغدو الصعود فعلا فيزيولوجيا فحسب، اما السقوط مرة.. مرات، فهو
الذي يتبدى لحظة كشف، لحظة تحوّل، البؤرة الدرامية التي في موشور المرسح..
من دواخلنا الى حيث تتجسد في فضاء، وتؤول الى صيرورة على هيئة استفهام في
رحم الصالة، ليبدأ الجهور رحلة بحثه عن جواب، أو عن سؤال جديد!..
أليس الكائن
سؤال كينونته على خشبة المسرح؟ جميعا.. سنخرج من الكواليس الى بكاء
الدهشة، الى خوف اللحظة بعد فتح الستارة وانكشاف الكينونة في محرق الضوء،
ثم.. سنلعب حيث المسرح لعبة، بالاحالة الى معناه في اللغة الانجليزية،
نلعب، نغضب، نتعجب، نضحك، نتألم، نحب، نموت بغتة بالسكتة القلبية، نرتقي،
أو نمارس الخسّة ونبتكر الخديعة، نصارع ظلالنا على الخشبة وخلف كل ستارة،
نتماهى بالوجود أو.. نعتزله، نخلع قناعا أمام مرآة لنكتشف صيرورتنا، نكاد
نلمس طرفا من حرير الحقيقة، أو نرتدي الخواء، نؤول الى تراب أو.. هواء،
تصرخ أو تهمس ذواتنا بالسؤال التراجيكوميدي المستديم!: من نحن؟ النادر،
منّا يرتاد خشبة خلاصه حتى منتهاها! سيتاح لوليد اخلاصي، ان يترعرع في
بيت شيخ من ورثة شيوخ التنوير في حلب: فرانسيسو مرّاش ـ عبدالرحمن
الكواكبي، ثم سيكون له ان يواجه عصره بشهادة في الهندسة الزراعية، وان
يتبلور وعيه في سنوات النهوض، منتصف قرن مضى.. ان يذهب بعيدا في التماهي
مع ثقافة الغرب وعلمانيته وعلميته، فاذا باخلاصي ثان يحجب الاخلاصي الأول
الذي فيه، وقد باح وليد في ندوة نقاش روايته «باب الجمر» بعيد صدورها في
حلب: «تربيت على الحفظ، وأساتذتي علموني فن الحفظ لم يفكروا في دفعنا
لمعرفة الحقيقة الجمالية الاساسية في الحياة، معرفة الآخرين.. ثم كنت
ضحية الثقافة الغربية المنقولة عن طريقة الترجمة الرديئة، وقعت في فخها
وتحت تأثيرها، وكتبت تحت تأثيرها ايضا. أنا لست نادما لأنني وقعت تحت
تأثيرها لأنها ساهمت في تكوين تكتيكي الخاص وأسلوبي التجريبي».
وسيعترف وليد
ايضا: «كنت شخصيا من الناس الذين يتعالون على الواقع الشعبي، وكنت انظر
اليه نظرة احتقار، واعتقد ان كل شيء شعبي هو متخلف، تأثرت بالفلسفة
الوجودية، وبالشكلانية، وكنت ادافع عنهما بشراسة، واعتبر الكتابة شكلا،
لكنني اكتشفت من خلال اصدقاء عاشرتهم عن طريق الكتب، ان الحب الحقيقي
موجود في جوهر الناس، فندمت لأنني أضعت سنوات كثيرة في التجربة الشكلانية،
واكتشفت ايضا ان أعظم جمال يمكن للانسان ان يصنعه في حياته، هو ان يكتشف
البساطة الحقيقية عند البشر، واعتقد اني تأخرت في هذا الاكتشاف فعلا».
هل يصلح هذا
الاعتراف لفهم تجربة حياتية وأدبية مديدة، أما اننا بحاجة لاعتراف طازج
وجديد حتى نكتشف اخلاصيا ثالثا، بعد اثنين نعرفهما.. أو نخال اننا نعرف؟!
يُعد وليد اخلاصي على الخشبة ـ وفي مجمل أعماله ـ ترتيب العالم باعادة
انتاج الافكار والموضوعات، تحت مجهر ذهني، بأدوات منهجية جدا، في غرفة
عمليات.. فوق سرير التجريب! ثم سيتنازع اخلاصي موروثه الحكائي التراثي ـ
الديني، ومكتسبه من الفكر الغربي.
من جانب سنرى
سيرة قابيل وهابيل «في العالم من قبل، ومن بعد» تستعاد في كهف مع امرأة
لا يشير النص الى انها أخت فحسب! كذا «جنة عدن» المفقودة على الأرض في «انشودة
الحديقة»، سكين ابراهيم على عنق ابنه اسماعيل قبل لحظة افتدائه من الذبح
في «مقام ابراهيم وصفيّة».
ومن جانب آخر،
سنلمس اعادة انتاج اللعنة الاوديبية في «أوديب.. مأساة عصرية» مقلوبة
رأسا على عقب، في «يونان» جديدة، تقنية، الكترونية، حيث ستتناسخ «عرافة
دلفي» على هيئة «كمبيوتر»! ثمة صراع فاوست وشيطانه، صورة دوريان جراي..
أرملة شيطان في مسرحيته «من يقتل الارملة؟»، كما في روايته «دار المتعة»
فيما بعد ايضا، المسرح داخل المسرح، بيرانديللو وابسن معا، شكسبير وبيكيت،
ثم فريدريك دورنيمات على وجه الخصوص كما في مثل «سهرة ديمقراطية على
الخشبة».
يكتنف الاعمال
الاخلاصية كلها.. والمسرحية خصوصا، شك ديكارتي مستديم يرتدي قناعه
الوجودي «السارتري» لتنسرب من بين السطور التي على هيئة «ديالوج» يقيمه
الكاتب مع أناه.. سخرية «ساتيرية» تكاد لا ترى، تماما كما تشكّلت زاوية
شفتيه من طول احتفائها بغليون مستديم! ثمة مسرحية واحدة فحسب، انسربت الى
حلب مهد الكاتب ومسراه اليومي، فتماهت بالمنطوق الشعبي الديني ـ الصوفي
لأبناء حارات الشهباء، وبالحب مقتولا وشهيدا.. هكذا سيضيف وليد اخلاصي في
«مقام ابراهيم وصفية» مقاما للحب، بين المقامات التي تكتنف المدينة، حتى
ان لها في حلب حيا «حيّ المقام» و«مقام الصالحين» وباباً.
في العودة
الاخلاصية الى الرحم الحلبي، سيضيف وليد بابا لأبواب حلب التسع ـ حسب
الأسدي ـ فاذا بأبواب حلب اكتمال آحاد الى عشرات، في روايته «باب الجمر».
من «سبعة
أصوات خشنة» مسرحيته، كما من «الطين، الاعشاب السوداء، موت الحلزون» بعض
مجموعاته القصصية، ومن «شتاء البحر اليابس، احضان السيدة الجميلة، احزان
الرماد، الحنظل الاليف» بعض رواياته.. يؤوب وليد اخلاصي من شكه واغترابه
الوجودي الى الرحم مكانا وتواريخ.
ذاك الانتقال
تجلى في قصصه «خان الورد، ما حدث لعنترة» وفي رواياته «زهرة الصندل، بيت
الخلد، باب الجمر، دار المتعة» بأكثر مما تجلى في مسرحياته، حتى لكأنه
استنفذ يأسه من حركة المجاميع في التاريخ، واستنفذ «اليقين» فاحتمى
باغنيات الممثل الوحيد على الخشبة.
يُجرد وليد
اخلاصي شخوصه المسرحية حتى لكأنها صوته الاخلاصي.. يحاورها فيما هي تبوح
بالداخلي سؤالا عن الصيرورة والتشيء والاغتراب وأزمة الوجود.
منذ مونولوج
«عبد ربه» في «الصراط» ستستهوي وليدا المسرحيات القصار، التي عن ممثل في
مونولوجه، فاذا بـ «سبعة أصوات خشنة» تتجسد تحت بؤرة الضوء، ثم ستكون
أغلب تلك النصوص بما فيها نصوص «قطعة وطن على شاطيء قديم» عصيّة على
التجسد فوق الخشبة! هل كانت مسرحياته القصار مونولوجا مغلقا يقرأ في
الكتاب فحسب؟! يبدو الممثل الوحيد، مجرد تجريد، ليس «كاريكاتيرا» ولا
«نموذجا» لما نعرف. حواره: حوار أناه، فإذا كان ثمة ثان على الخشبة معه،
جاء حواره: حوارا مع أناه.. مرة بعد مرة، حوار مفاهيم، حقلا ديالوجيا
للافكار، حيث الفكرة تتجسد على هيئة ممثل وحيد يتقدم على عمق المسرح
بمقدمة جبينه حيث تستوطن الفكرة، ثم ليس مهما ان تكون له عنق أم أكتاف،
أم قدمان ليطوي بهما المسافة التي تفصل المتلقي عن مرآته على الخشبة.
ربما كانت
مسرحيات وليد اخلاصي القصار، عن ممثل وحيد أو بصحبة ظلّه، استعادة لهاجس
قديم عند وليد نفسه، حين رغب ذات شبابه، ان يكون ممثلا على الخشبة، فلم
يفلح في ان يكون على الخشبة! أعود الى جواب وليد عن سؤالي، في حوار طويل
اجريته معه، لمّا تخطى عتبة الستين، وسأترك سؤالي مضمرا، بينما هذا..
جوابه: ـ وليد اخلاصي: «أحب الحديث عن المسرحية ذات الفصل الواحد، وبخاصة
القصيرة منها، لسبب بسيط هو انني أحب الموسيقى وبخاصة «السوناتا» والتي
هي كما تعلم أساس الموسيقى الكلاسيكية من كونشرتو ومتوالية وسمفونية، فهي
مقطوعة أُلفتْ لعازف واحد من اجل اظهار براعته في العزف على آلة معينة.
ومثل هذه
الوحدانية في العزف أثبتت انها تستطيع تفجير شاعرية الفكرة واللحن بطاقة
لا حدود لعذوبتها.
قد تكون في
المسرحية شخصيتان لا واحدة، وفي هذا تجريب لنقل الصراع من الداخل الى
الخارج، وفي الاحوال كلها فإن تلك المسرحية محاولة لاقتناص لحظات انسانية
مؤثرة تمر بها احيانا، دون الانتباه الجاد اليها. انها حالة من التعاطف
مع المواقف المنسية».
يضيف وليد
اخلاصي: «كنت أتمنى ان أكون ممثلا، لكن الموهبة تنقصني، كنت أريد ان أكون
ممثلا يرتجل بالقول والحركة ما يحسه، لكن العقل لجمني».
بالتواتر مع
أعماله الابداعية المتعددة قصة ورواية ومقالة صحفية، تبدو علاقة وليد
بالمسرح علاقة استجابة يرتكبها التحريض الكامن في التجربة الاجتماعية
العامة.
وبالنظر الى
زمنية نصوصه المنجزة على المسرح والمطبوعة سنرى ان كثافة الانتاج المسرحي
الأول لوليد اخلاصي قد ارتبطت بمناخ مسرحي متميز ساهم وليد نفسه في
انجازه هو مسرح الشعب بحلب، فمنذ تأسيسه عام 1969، كتب اخلاصي: مسرحية
الأيام التي ننساها، الديب، كيف تصعد دون ان تقع، يوم أسقطنا طائر الوهم
والصراط، مع بداية تأسيس المسرح القومي بحلب على اكتاف تجربة مسرح الشعب،
فاذا بالمسرح القومي يمضي بتراكم التجربة الى سراب الأمل المعقود اليه،
بل الى تفكيك الارث المسرحي في حلب، المتواتر منذ 128 عاما من أول عرض
مسرحي في باحة المدرسة المارونية، طوال ثلاث أمسيات تعادل آنذاك مهرجانا!
مع صدور «ملحق الثورة الثقافي» أواخر السبعينيات من قرن مضى، انجز وليد
اخلاصي أغلب مسرحياته القصار، ليجدها منشورة في الملحق، مُعمّمة على
المسرحيين السوريين في أوج ازدهار المسرح، حيث كان مهرجان دمشق للفنون
المسرحية فضاء ثم توقف، ومهرجان الهواة المسرحي تم بالسكتة القلبية..
توقف، مع ذاك.. لم ينقطع الاصرار الاخلاصي عن الكتابة للمسرح، لأنه ـ حسب
وليد ـ استجابة للحوار الاجتماعي والحضاري في أمة تفتقد الحوار أسلوبا
وتقاليدا! أما عن «التجريب» الذي وسم التجربة الاخلاصية الابداعية عموما،
فسأترك لوليد ان يجيب بنفسه، وكأنه عود على بدء، خصوصا فيما يتعلق بظلال
الثقافات التي تتلامح في مجمل انتاجه الابداعي.
ـ وليد اخلاصي:
«قضيتان لعبتا الدور الأهم في تكوين الاديب العربي المعاصر، قضية
المثاقفة مع الآداب العالمية وبخاصة الاطلاع على أساليب وتقنيات الأعمال
الابداعية في المسرح والرواية خصوصا، والتعلم منها، بل.. وتطويرها احيانا
بعد هضمها لكي تتفاعل مع الموروث العربي. والقضية الثانية.. تسلّل المنهج
العلمي في التفكير، والذي بات ضرورة في الثقافة، وبه تحوّلت العملية
الابداعية الى حالة نهضوية تساهم في بناء التقدم. والمنهج العلمي وليس
الاسلوب العلمي هو الذي صبغ الاعمال الادبية بالتجريب.
والتجريب هو
أسلوب ضد التقليد، وانفتاح على الكون دون تعصب أو خضوع لثوابت معرفية
فكرية أو أسلوبية.
واذا كان مخزوني المعرفي من التراث العربي وراثيا، فإن المخزون من
التراث العالمي اكتسابي، واذا كان مُعلِّمي هو التوحيدي وألف ليلة وليلة
وكليلة ودمنة وشكسبير وموباسان وتشيخوف، فإن الميكروسكوب هو مُعلِّمي
ايضا، كما هو الحال مع فيثاغورث وديكارت. التجريب هو الشكل ـ المودرن ـ
للاجتهاد، وأنا لم أوقف باب الاجتهاد بعد
|