|
المزبلة الفاضلة
نص مسرحي كتبه: عباس أحمد الحايك
المشهد الأول
المنظر: زقاق
خلفي شبه مظلم، يتوسط عدد من المباني، تنتشر فيه حاويات وبراميل الزبالة،
وبعض الأوراق والبقايا تتناثر على الأرض، في اليمين بعض القطع
الالكترونية، و جيتار مسنود على الجدار. وفي العمق برميلا زبالة عليهما
لوح خشبي على شاكلة مكتب عليه وحوله بعض الأوراق والكتب. في يسار الخشبة
مرآة معلقة على الحائط وساعة جدارية تشير إلى السابعة إلا ربع. تخرج أيدي
من البراميل ترمي بعض ما فيها إلى الخارج، أجهزة الكترونية، ملابس، كتب،
طعام. وعلى صوت الموسيقى يخرج الأول من برميله ويبحث في آخر، يخرج
الثاني، يلم أجهزته ويضعها في يمين الخشبة، ويبحث في برميل آخر، يخرج
الثالث محملاً بالكتب والمجلات يأخذها إلى عمق الخشبة ويتجه إلى برميل
آخر. يكملون بحثهم فيعود الأول متفحصاً بعض الملابس أمام المرآة.الثاني
يفترش الأرض يعاين أجهزته .يعود الأول إلى برميل يفتش فيه، يخرج كأساً
طبعت عليه شفاه باللون الأحمر،يرفعه ويشمه
الأول- إنه من
النوع الغالي.
يمسح الكأس
بخرقة ويضعه جانباً، يخرج حمالة صدر نسائية حمراء، يضحك ويقرأ
الأول-
Made in France
،
ماركة عالمية.
يعيدها إلى
البرميل، الثالث يبحث هو الآخر في أحد البراميل
الثاني- ( وهو
مشغول مع أجهزته) يبدو أنهم لا يدركون معنى كلمة إصلاح.
الثالث-( وهو
يخرج حذاءً من البرميل، يرميه للأول) يصلح لك، لن تحلم بارتداء مثله ما
حييت.
يأخذ الأول
الحذاء ويتفحصه، ثم يرتديه
الأول-
يناسبني تماماً، إنه جديد!
الثالث- ربما
تكون صرعته قد انتهت.
الأول- أنا
أحب الصرعات، وأتمنى أن يكون لكل شهر صرعة جديدة.
يضحكون، ويخرج
الثالث علبة دواء ودمية دب متسخة قليلاً
الثالث- إنه
ناعم ( يشم الدب) وله رائحة أنثى.
الأول- ( يأخذ
الدب من الثالث ويشمه) أجل. رائحة أنثى ( يحتضنه) ربما تكون رائحة عطرها.
يبدي الثاني
شيئاً من الامتعاظ ويهز رأسه أسفاً
الثالث- (يأخذ
الدب من الأول) اتركه لي. يصلح مخدة للنوم.انظروا وجدت دواءً للإكتئاب.
الثاني-
اكتئاب؟(بسخرية) وكيف عرفت يا دكتور؟
الثالث- لا
تسخر. إنه فعلاً دواء للاكتئاب. كان لي صديق يتعاطاه .
الأول- وهل
يصابون بالإكتئاب؟ إنه لنا وحدنا.
الثالث- بلى
يصابون، والدليل أن الدواء في زبالتهم.
الأول- كم
تفضح هذه البراميل .
الثالث- صدقت،
من هذه البراميل ترى صورة عالمهم المخملي بكل تفاصيله.
الثاني- (
بفخر) أنا لا أرى فقط وأسمع أيضاً.
الأول- ليس في
الحي خلوة بين زوجين إلا وأنت ثالثهما.
الثالث- (
مقترباً من أحد البراميل) هه ألم تنته من بحثك بعد؟!
تخرج يدٌ من
البرميل، تهز سبابتها علامة النفي
الثاني- سيطول
بحثه، إنه يتوقع المستحيل.
الثالث- دعه،
فبالأمل يحيا البشر.
تخرج اليد من
البرميل بإطار صورة مذهب، يأخذه الثالث
الثالث- إنه
إطار من خشب فاخر( يعطيه للأول)
الأول-( يتفحص
الإطار، يضعه أمامه كإطار لصورته) كيف تريان صورتي، يناسبني؟
الثاني-(
متهكماً) بالطبع لا، ثمنه أغلى منك.
الأول-(متهكماً) حتى لو اجتمعنا كلنا داخله، سيكون أغلى،( يتفحصه) أي
سعيد حظٍ وضعوا صورته داخله؟
الثالث- كنا
نعلق صورنا على الجدران بشريط لاصق.
الأول- سأعلقه
على الجدار.
الثاني- دون
صورة؟
الأول- يكفي
شكله عن أي صورة.
يعلق الإطار
على الجدار، ثم يلمون بعض الأغراض ويضعونها في أكياس بلاستيكية،
ويركنونها جانباً، يرتدي الأول بعض الملابس،يتأنق أمام مرآته ويعود
الثالث خلف طاولته يقرأ
الأول- (
يدندن أغنية) لم يتبق سوى دقائق على موعد خروجها إلى الجامعة.
الثاني- (
يقفل غطاء راديو بفرح ) يا لي من عبقري، لقد أصلحته.
الثالث - (
ينتبه، ويوجه كلامه للثاني ) حقاً!! ، يعني أننا سنستمع إلى غير تلك
الأغاني التافهة التي تسمعنا إياها ليلاً نهاراً.
الثاني- لا..
الثالث-
ولماذا ؟!!
الثاني- لأني
سأبيعه واشتري بثمنه بطاريات للراديو الآخر.
الثالث- (
بإحباط يعود إلى وضعه السابق ) لا فائدة ترجى منك، إما أغاني تافهة أو
تنصت على الناس.
الثاني - (
بتهكم ) أتريد أن تسمعنا أغانيك المضجرة؟! ، دعك في كتابك، فلكلٍ عالمه.
يمتعظ الثالث
ويستأنف القراءة، يدور الأول بعد أن أنهى تأنقه للآخرين مستعرضاً هندامه
الأول- هه!!
كيف ترياني الآن ؟
الثاني -(
بسخرية ) لو أني أعثرعلى كاميرا في الزبالة، لأصلحتها وصورتك.
بفخر يعدل
الأول هندامه
الثاني- تصلح
مذيع أخبار
الأول- كفاك
تهكماً، أنا ممثل ولا أصلح لغير التمثيل ( يهدأ ) طيب !! ، هل تجداني
أنيقاً ؟!
الثاني
والثالث - ( بصوت واحد) نعم.
الثالث- يا
عزيزي، إنه ذات السؤال تكرره علينا كل يوم أكثر من مرة .
الثاني- ألم
تسام من التأنق للا شيء ؟
الأول- بل
لها.
الثالث- لمن
؟، أنت حتى لا تعرف اسمها.
الأول- لا
يهم، يكفيني أن أراها ( برومانسية ) أحلم بجسدها الناعم الرشيق،احتضنها
وأراقصها كأي حبيبين (كمن يراقص حبيبة) فتضع رأسها على صدري،وأمسح شعرها
الأسود الناعم..
الثاني- (
يقاطعه مصفقاً ) أحسنت، أحسنت، لا زلت تجيد التمثيل.
الأول- (
متبرماً ) أووه، أنت تثير قرفي، أنا في وادٍ وأنت في واد آخر.
الثاني- لو
إنك مشهور كغيرك من الممثلين..
الثالث- لو
كان في أوربا مثلاً لأصبح مشهوراً، للممثل المسرحي شأن هناك .
الثاني- أعني
لو شغّل عقله قليلاً وعمل في التلفزيون كالآخرين، لكانت معجباته كثيرات.
الأول- ( بحدة
) قلت مراراً، لا للتلفزيون.
الثاني- (
يسايره ) حسناً، لا للتلفزيون، اشتغل في المسرح الذي نعرفه كلنا، ستحظى
بالمال والشهرة، ولن تحتاج أن تقف كالمخبول تتأنق لفتاة لا تعرفها.
الأول- يا
صديقي، هذه مبادئي ، قبلت أنا أحيا على الهامش ، في هذه المزبلة ، على أن
أحيد عنها ، وأنزلق إلى التهريج الذي يسمونه مسرحاً .
الثالث- (
محرضاً ) ولا تحد عنها .
الثاني- إنك
تحرضه على الفشل .
الأول-
الفشل؟!، لا أنا أشعر أني في قمة النجاح ، أقف صامداً في وجه التيار ،
أعيش بهذه القناعة، وكفى .
تتناثر بعض
الأوراق والبقايا من برميل زبالة، يلتفتون إليه، يخرج رأس الرابع وعلى
وجهه الفرح
الرابع- احزروا! ، ماذا وجدت؟ .
يلتفون حوله
بفضول
الأول- هل
وجدت الجريدة؟
الرابع- ( يهز
رأسه سلباً )
الثالث- ماذا
وجدت ؟ ، كتاب ؟
الثاني-
تلفزيون ؟، هاتف ؟ ، قل لنا ماذا وجدت .
الرابع- ( يهز
رأسه سلباً )
الأول- هيا
أرنا ما وجدت .
الرابع- (
يخرج صندوقاً ورقياً بين يديه ) تراللم !!
الثاني- (
يخطف الصندوق ) ما الذي بالداخل ؟
الأول- ( يخطف الصندوق من الثاني، ويفتحه بفرح ) كعكة عيد ميلاد
يضع الأول الصندوق على برميل زبالة بعد أن وضع عليه لوحاً خشبياً..
فيلتفون حول الصندوق
الثالث- بل
كعكة ذكرى زواج.
الرابع- (
يقرأ) سامي..
الأول- (يقرأ
) فرح..
الثاني- عيد
زواج سعيد، ومكان لثلاث شمعات.
الأول- إنهما
يحتفلان بعيد زواجهما، يا لسعادتهما.
الرابع- أية
سعادة ؟!، كعكة في الزبالة؟!، تعني خلاف.
الثالث- أذكر،
للسنة الثالثة نجد كعكة احتفالهما هنا.
الثاني- إنهما
في خلاف دائم، يتشاجران على الدوام.
الأول-
أتعرفهما ؟
الثالث- إنه
يعرف كل أهل الحي.
الثاني- إنه
الدكتور سامي وزوجته فرح.
الأول- من هذا
الدكتور سامي، ومن زوجته فرح ؟
الثاني- طبيب
النساء والولادة الذي يعيش في الطابق الثالث من المبنى الأول في الشارع،
وزوجته مدرسة موسيقى في مدرسة ثانوية.
الرابع- يبدو
أنك تعرف قصتهما بالكامل.
الثاني- (
يضحك فخوراً ) نعم، وأعرف حتى ما يضمره أحدهما للآخر.
الثالث- لا
أسرار في هذا الحي.
الرابع- بل كل
أسرار الحي عنده.
الثالث- من
الخطأ التنصت على الناس.
الثاني- (
متبرماً ) أووه، لا تدخلني في دوامة الصح والخطأ، إنها متعة، تماماً
كمتعتك أنت بالقراءة، بالتنصت أعرف كل ما يدور في الغرف والبيوت، فاشعر
أني بين الناس ومنهم .
الرابع- (
بفضول وهو يشير لقالب الكعكة) ماذا عن صاحبنا؟
الثاني-
الدكتور سامي، ( يصمت برهة مسترجعاً أفكاره ) تزوج فرح، لكنه لا يحبها
الأول- كيف
يتزوجها وهو لا يحبها ؟
الثاني- لأنه
كان يحب فتاة تركته و تزوجت آخر، ووجد أن زواجه بفرح قد ينسيه الفتاة .
الثالث- طيب !
، وفرح تلك المسكينة ؟
الثاني-
تبادله ذات المشاعر .
الأول- حقاً
؟!
الثاني- نعم ،
وهي تزوجته لأنها مطلقة ، ( بتبرم ) لا أعرف كيف يتزوج طبيب بمكانة
الدكتور سامي بمطلقة ، لو يظل عازباً كان أجدى له .
الثالث- هذا
إفراز للخلل الاجتماعي الذي نعيشه.
الأول- يكرهان
بعضهما ، ويحتفلان بذكرى زواجهما ؟! غريب.
الثاني-
محاولة لتلطيف الجو ، لكن دون جدوى .
الرابع- أو
كسراً لرتابة الحياة .
الأول- (
يتنهد) للأغنياء همومهم أيضاً.
( يلمح الأول
الساعة المعلقة وقد تخطت السابعة، يصرخ مفزوعاً )
الأول- ( يصرخ
) إنها السابعة!!
يقفز، ويتجه ناحية زاوية المبنى المطلة على الطريق، يرقب الفتاة، وفي
الأثناء يحاول الثاني تذوق الكعكة، يضربه الرابع على يده
الرابع- لا
تلمسها ..
الثاني-
سأتذوقها فقط، ألن نأكلها ؟
الرابع- الآن
لا .. في المساء سنحتفل .
الثالث-
والمناسبة ؟
الرابع- نبحث
عن مناسبة، ( يفكر ) هل يصادف اليوم ميلاد أحد منكم ؟
الثالث- أنا ،
لا
الثاني- وأنا
كذلك ، لأني لا أذكر تاريخ ولادتي .
الرابع- وأنا
كذلك ، لقد مر منذ شهرين ( للأول ) هيه ! وأنت ؟
يهز الأول يده سلباً وهو منهمك في المراقبة
الرابع- لنفكر
في مناسبة ..
الثالث- آه ،
نحتفل بمناسبة ذكرى تأسيس هيئة الأمم المتحدة للثقافة والفنون، اليونسكو
.
الثاني- وما
شأننا نحن باليونسكو؟ اختارا مناسبة تخص الجميع .
الرابع-
لنفترض أن استيطاننا المزبلة تصادف هذه الليلة
الثاني- صح ،
وهي مناسبة تهم الجميع .
يسمع صوت
قرقعة علب معدنية من الخارج تقترب من المسرح ، يدخل بعدها الخامس ، وهو
يجر خيطاً طويلاً من العلب المعدنية الفارغة على هيئة قلادة ، يراقب
الأول الذي كان يطل على الخارج
الخامس- (
يربت على كتف الأول ) ألا زلت تنتظرها ؟
الأول- لا شأن
لك
الخامس- (
بسخرية ) سيطول انتظارك .
الأول- (
يواجه الخامس ) ما الذي تعنيه ؟
الخامس- لقد
غادرت إلى الجامعة قبل قليل.
الأول- ولمَ
غادرت مبكراً ؟ ( يستدرك ) ثم ، كيف عرفت أنت ؟ ، تكلم.
الخامس-
رأيتها تستقل السيارة ( يقلد صوت السيارة ) وتمضي.
الأول-( يحتد)
كله بسبب هذه الكعكة اللعينة.
الثاني-
رأيتها أم لم ترها، ما الفرق، ثم دعك من النساء، ولا تقع في حبائلهن.
الأول- عندك
لا فرق، لأنك لم تجرب لذة الحب .
الخامس-
الحب؟! ، هل هو لذيذ كالطعام؟
الأول- (بحزم)
بل ألذ، الحب، الحب هو ذلك الجحيم الذي يشعل فينا جمر الجنون.
الخامس- أنا
لم أفهم شيئاً ، المهم انك تحبها ؟
الأول- أحبها،
حين أراها تسري رعشة العشق في جسدي، من قدماي حتى قمة رأسي، أتيه في
عالمها وأنسى كل شيء في هذا الوجود.
الخامس- (
متهكماً ) مسكين !! ، إنها تحب غيرك .
الأول- (
مصدوماً ) تحب غيري ؟! ، من يكون هذا ؟ ( يصرخ ) قل لي من هو؟!
الخامس- (
يقفز خلف أحد البراميل مختبئاً وراءه ) أنا !
الأول- (
ينفجر ضاحكاً ) أنت ؟!، قتلتني رعباً .
الخامس- ( يطل
برأسه من خلف البرميل، وبإصرار ) نعم أنا
الثاني- سيبدأ
الآن صراع العشاق.
الثالث- بل
صراع الديكة.
الأول- قل
كلاماً يعقل، ما الذي ستراه فيك لتحبك، لا وسامة، لا ثقافة، ولا وظيفة .
الخامس- ومع
هذا تحبني، إنها تبتسم لي كل يوم، هل ابتسمت لك مرة ؟!
الأول- (
مرتبكاً ) لا، لكن لا يعني كونها ابتسمت لك، أنها تحبك .
الخامس- (
للثالث ) قل له ماذا يعني ؟ إنها تحبني .
الرابع- إذا
كانت كل امرأة تبتسم لي قد أحبتني، فيعني هذا أن عشيقاتي كثيرات .
الأول- إنها
تبتسم لك أيها المغفل، لأنها ترى فيك البهلول الذي يضحكها، ( بحدة ) مهرج
يعني.
الخامس- (
غاضباً ) أنا بهلول ؟!، ومهرج أيضاً ؟!، إنك تغار مني.
الأول- إنها
تعطف وتشفق عليك فقط، ولا تحبك.
الخامس- (
يفتش في جيوبه ويخرج صورة، يرفعها في وجه الأول ) تشفق علي وتعطيني
صورتها ؟!
الأول- (
يحاول الانقضاض على الخامس، لكنه يهرب منه ) أرني الصورة تلك.
الخامس- (
يرفع الصورة في وجوه الجميع ) هه! ، أليست هذه الفتاة التي يبحلق فيها كل
يوم ؟
الأول-
(يستشيط غضباً ) إنها هي ، ولكنك وجدتها في الزبالة، صح ؟!
الخامس- ( يهز
الصورة ويشمها محاولاً إغاظة الأول ) بل هي أعطتني الصورة بيدها الناعمة
وعلى وجهها ابتسامة حلوة.
الأول- (
غاضباً، يلحق بالخامس الذي يهرب منه، يلاحقه من مكان إلى آخر على الخشبة
) أيها اللعين، إنها لي، إنها فتاتي أنا.
( يتوقف
الخامس خلف برميل، يتوقف الأول في مقابله )
الثالث- يجب
إيقاف هذا التقاتل .
الرابع- لا
تخف لن يكون هناك ضحايا.
الأول- أعطني
الصورة.
الخامس-
كيف؟!، الصورة لي .
( يدوران حول البرميل، الأول يحاول الإمساك بالخامس )
الأول- بل لي
أنا ، أنا من يحبها .
الخامس- لن
أعطيك إياها، إنها تحبني أنا
( الأول يلحق
بالخامس، ويقبض عليه، يخطف الصورة منه، يقبلها )
الأول- إنها
هي، فتاتي وملاكي الجميل ( يضع الصورة في جيبه ).
الخامس- (
متذمراً ) هذا ظلم، إنها لا تعرفك حتى، كيف تحتفظ بصورة فتاة لا تحبك .
الأول- إذا
سمعتك تتحدث عنها ثانية، سأقتلك.
الخامس- لا
يهم ، سأحصل على صورة أخرى منها، وستكون بإهدائها هذه المرة .
الثالث- (يصرخ
فيهما) كفى صراع ديكة، كنتما كالمهرجين وأنتما تقتتلان لأجل فتاة.
الأول- كلكم
يعرف أني أظل أرقب خروجها وعودتها كالملهوف، كلكم يعرف أني أحبها وأحلم
بها.
الخامس- وأنا
كذلك.
الأول- (
غاضباً ) أنت ماذا؟، لماذا تزاحمني في الفتاة التي وهبتني إحساساً بوجودي
؟
( يرفع الخامس
كتفيه دليل عدم الفهم )
الثالث- لكنها
لا تحفل بوجودك يا عزيزي.
الأول- يكفي
أن أراها من بعيد .
الخامس- (
يقاطعه) لكن أنا أراها عن قرب، أراها أجمل مما تراها أنت، أسمع صوتها،
أكلمها وتكلمني.
الأول- لكنها
لن تحبك، ماذا فيك أنت لتحبك؟ ( يعدل هندامه بفخر) أنا ممثل مسرحي،
ووسيم، وحريٌ بها أن تحبني.
الرابع-
(للأول) ولن تحبك أنت أيضاً، لأنها لم ترك، لا تعلم بوجود كائن اسمه أنت.
الثالث- ثم أن
الفتاة ليست من عالمك.
الأول- ما
الذي تعنيه ؟ ، كلنا بشر.
الثالث- لكن
في العرف الاجتماعي، البشر طبقات.
الأول- أنا لا
أؤمن بهذا التصنيف.
الثالث- بل
تؤمن، ( يشير للخامس ) أنت تراه أقل مستوىً منك.
الخامس يتمسكن
ببعض الإيماءات
الأول- (
مرتبكاً ) أنا.. لكن..
الثالث- أرأيت
؟
الرابع-
المجتمع فيه الأغنياء .
الثاني- وفيه
الفقراء .
الثالث- وهناك
المهمشون مثلنا .
يلتزم الأول
الصمت، ثم يزفر
الثالث- أتظن
أن فتاة من حي أرستقراطي سيلفت انتباهها مشرد في مزبلة ؟!.
الرابع-
(بحسرة) أين قلمي عنهم هؤلاء الارستقراطيون؟.
الثاني-
(للأول) قلت لك، لو تركت المثاليات لكنت نجماً تلفزيونياً..
الأول- (
يقاطعه ) أووه كفى، لا تعد لذات الموال.
الثالث- (
يحاول تهدئة الأول ) المهم ألا نقتتل كالديكة لأجل التوافه، ألا نختلف،
يجب أن نكون نسيجاً اجتماعياً واحداً في هذه المزبلة رغم اختلافنا.
الخامس- (
مستفهماً ) نسيجاً ماذا ؟!
الثالث- نسيج
اجتماعي متآلف، تجمعنا حدود واحدة ومصير واحد، نصطف معاً، ولا تجذبنا تلك
التخرصات لصراع يضعف هذا النسيج.
الخامس- (
يفتح فهمه مشدوهاً ) أنا لم أفهم شيئاً مما قال، هل فهمتم أنتم؟!.
الثاني- (
يحاول إفهام العاطل ) هو يقول، أننا يجـــب أن نكون يداً واحدة، لا
نتصارع، أفهمت ؟!
الخامس- فقط
؟!
الأول- (
بتهكم ) ويقول تحبه.
الرابع- المهم
الآن،(للخامس) اذهب وترقب لنا مجئ شاحنة الزبالة .
الخامس-
كالبرق (يخرج ركضاً يجر خلفه قلادته ) سآتيكم بالخبر.
الأول- (
مغتاظاً ) إنه بهلول، كيف لها أن تحبه؟! ، أستغرب كيف أعطته صورتها ؟!
الثالث- كفاك،
انس ذلك الأمر ولو لبرهة.
الثاني- (
للأول ) لو تعطيني اسمها، لأتيتك بأخبارها بالتفصيل، قد تغير رأيك فيها.
الأول- وكيف
لي أن أعرف اسمها
الرابع- (
ممازحاً ) اسأل غريمك ، ربما يعرفه .
الأول- هذه
آخرتها ، بهلول يصير غريمي .
الرابع- يبدو
أن هذا الموضوع لن ينتهي أبداً، الأفضل لي أن أبحث عن جريدة أقرأها
يبدأ البحث في
البراميل. ينسحب الثالث ناحية مكان قراءته، الثاني يعود إلى عمله، والأول
يقف أمام المرآة يعدل هندامه، ولحظات وتسمع أصوات قرقعة العلب المعدنية،
ينتبهون، يدخل الخامس راكضاً
الخامس- (
لاهثاً ) لقد جاء، هيا بسرعة اخلوا المكان.
يتراكضون، على
أصوات موسيقى حربية، كلٌ إلى جهته يحملون أغراضهم معهم، المرآة الكتب،
الأجهزة، قالب الكعكة، ولا يبقون سوى البراميل والحاويات، ويخلون المكان،
صمت، يسمع صوت مكابح شاحنة من الخارج، يدخل الزبال بعد لحظات، يراقب
المكان، يتلفت يميناً ويساراً، يهجم على أحد البراميل يبحث بلهفة، يتركه
متبرماً، ينتقل لآخر، وآخر، ولا يجد ما يبحث عنه، يجر برميلاً تلو آخر
إلى الخارج، ويدخلهم بعد إفراغهم، ينهي كل البراميل والحاويات، وعليه
يبدو الحنق
الزبال-(يضرب
فخذيه بيديه غاضباً) لم يبق شيء، أخذوا كل شيء
يخرج الزبال
،وبعد لحظات يسمع صوت مغادرة الشاحنة، يطل الخامس برأسه من إحدى زوايا
المسرح مراقباً المكان
الخامس- لقد
غادر، يا له من حاقد ( للمجموعة ) تعالوا، المكان أمان.
تظهر
المجموعة، يتلفتون يميناً ويساراً، يتوزعون على الخشبة، يعيدون أغراضهم
إلى أماكنها
الأول- ( وهو
يعلق مرآته على الجدار ) لمَ يكرهنا كل ذلك الكره ويحقد علينا ؟
الثالث- (
يعود إلى تعديل مكان قراءته )في ظنه أننا نسلبه حقه.
الرابع- ( وفي
يده صحيفة ) أي حق ؟! ، إنها زبالة، فكيف يعتبرها حقاً له وحده ؟
الثاني- إنه
الطمع.
الأول- فيمَ
يطمع، في المال في الجاه، أو في الرفاهية التي نحياها ؟!
الثالث- إنه
شريكنا في الهم،هو يبحث عن الرفاهية المادية، ونحن نبحث عن المعنوية.
الرابع- (
للخامس ) ما يطمع فيه أكثر، تلك القلادة التي تعلقها.
الخامس- (
يخلع القلادة ) إذا كان الأمر كذلك ، سأتركها له ، وسأصنع واحدة أطول .
الثالث- لن
تكفيه، صاحبنا من المنتفعين من مشاريع التدوير، كالكثيرين.
الخامس- أنا
لا أحب التدوير.
الأول- اشرحوا
له معنى التدوير، حتى لا يصيبنا بالصداع .
الثالث يأخذ
الخامس جانباً ويشر& |