|
نظرة من قرب حول
مسرحية بغداد الأمل.. بين الجد والهزل.
كتب - محمد محمود المرباطي.
لا يزال الفن ينبض بعروق الفنان البحريني رغم ظني ان الظروف القاسية قد
وأدت الفن لدينا الي ما غير رجعة.. فاصبح من النادر في هذا الزمن ان تري
وهجا فنيا يضئ ولو ببصيص من نور مشكاة مهترئة في ليالي الصيف الحالكة عند
افول ضوء القمر.. فالحركة الفنية البحرينية المبدعة قد شابتها سكينة
موجعة كصرخات طفل لا تدري ما علته ولا لك من حول ولا قوة سوي هدهدته لعله
يستكين.
هكذا حال الفن لدينا آلام واوجاع وهموم ولا ندري ما العلة.. الا ان
الاطلالات من هنا وهناك بين الفينة والآخري تجعلك تتنفس شيئا من كبرياء
الامل بان المخاض العسير لابد ان يفجر روحا مبدعة قادمة.. ومن هذه
الاطلالات التي تستحق ان تقف عندها هي المسرحية المؤثرة التي اعدها
واخرجها الفنان محمود الملا.. بغداد الأمل بين الجد والهزل وذلك في مقر
جمعية الملتقي الاهلي الثقافي.
فهذه المسرحية وان كانت علي هيئة مشاهد قصيرة ولكن تأخذ طابعها المسرحي
حسب المفهوم الفني من حيث توفر كافة العناصر من نص يدور في متنه الحوار
والحبكة والخاتمة ومن وجود مسرح وفنانين وديكور والمؤثرات السمعية
والمرئية وان كان كل هذا بشكل بسيط ودون الغلو في التعقيد وذلك قد يرجع
الي سببين اولهما لقلة الامكانيات المتاحة من كون المكان في الاساس ليس
معدا للاعمال المسرحية وثانيهما بان المعد والمخرج ارادا ان يوصلا الينا
فكرتهما الرئيسية من تقديمهما لهذا النص المسرحي بدون تعقيد ومبالغة في
الاستعراض لكون جوهر الحبكة التي تدور حولها احداث المسرحية هي معاناة
الانسان العربي وانسحاقه تحت وطأة قوي الشر والاستبداد التي تحيق به
لمستويات غير مسبوقة في التاريخ العربي كله كما نشاهدها الآن منذ بداية
هذا القرن الدامي الذي مر علي ا متنا العربية.
يبدأ العرض بدخول الفنان محمد عواد بامكانياته التعبيرية الفذة وفي نبرة
تشوبها الآسي والتأثر البالغ علي تقاطيع وجهه يسرد ما حل بهذه آلامه منذ
بدء حرب الخليج الاولي بمؤامرة من الاشقاء قبل الغرباء وتكمل الصورة
المأساوية لواقع هذه الأمة المرير الفنانة سهير المهندي بحوار يجسد ما
آلت اليه الاوضاع العربية ممهدة بذلك للدخول في احداث المسرحية والتي
يبدأ المشهد الاول منها في احد المقاهي العربية والتي ترمز طبيعة المقاهي
في المخيلة العربية بانها مكان لتلاقي الافكار التحررية وحتي اخذ قرارات
الكفاح ضد العدو والذي ادي هذا الدور الفنان محمد البهدهي وان كان الدور
الذي اتقنه الفنان البهدهي بحرفنته المعهودة والمشهور بها في ادوار
عبدالصمت وان كان المخرج اراد به ان يمثل دور النضال العربي ضد العدو
ولكن اظهره في اشد حالاته ضعفا وتمزقا حيث يتفاوض مع الاعداء بامكاناته
المتواضعة والمحدودة والتي يستسلم بسرعة امام امكانيات العدو الهائلة وقد
قصد المخرج هذا الشيء في اعتقادي ليعبر عن نظرته الي مدي الضعف والهوان
الذي وصلت اليه هذه الامة فصورها في مشاهد كوميدية هازلة ولكنها قد ادمت
قلوبنا من الاعماق لحال هذه الامة.
يتوالي المشهد التالي في اشد حالات العرب استكانة وخذلانا عندما اراد
المخرج ان يجسد دور منقاش كرمز خرافي لقتال العدو لا يمكن تصور تحرير
الامة بأوهام واحلام واماني في التحرر بدلا من اعداد القوة والعلم وبذل
الغالي والرخيص وقد ادي هذا الدور بدون منازع الفنان الخفيف ذو الابداع
الفني العفوي سعد البوعينين في دور الفلاح العراق منقاش.
وفي مشهد آخر مؤثر يدخل علينا الفنان محمود الملا وهو معد ومخرج المسرحية
ليفاجئنا بقدرة فنية لم اعهدها فيه من قبل وهي تمكنه وتفاعله في القائه
لقصيدة حزينة عن سقوط بغداد الفها شاعر البلاط الانجليزي احتجاجا علي
الاعتداء الصارخ من بلاده علي هذه الامة وحزن الشاعر العميق علي سقوط
بغداد التي تمثل مهد الحضارات في براثن الغزو الامريكي والانجليزي.
وفي المشهد الاخير من المسرحية المفجع كان سقوط بغداد تحت ايدي المحتل
الغاصب والذي كان يحاول خداع المواطنين علي طريقة الغربيين البربر عند
احتلالهم لامريكا باغتصابها من سكانها الاصليين الهنود الحمر تارة
بالسلاح وتارة ببعض الهدايا البخسة كالخرز والمرايا والامشاط لمقايضتها
بالاراضي وهكذا يفعل بالعراق والذي مثل دور المحتل اجاد فيه الفنان
المتميز عبدالله وليد.
طبعا امام هذا الألم الذي اعتصر قلوبنا تجاه ما حل بهذه الامة وان كان
المخرج اظهرها بصورة كوميدية ساخرة ولكنها كانت تقطر بالدم والدمع
والمرارة في الاعماق ومع ذلك لم يقطع المخرج اليأس بنا فطريق التحرير
قادم لا محالة كما اراد المخرج ان يصوره لنا عن طريق الفدائية الشهيدة
ميسون والتي تخرج الينا في صورتها الملائكية بعد استشهادها في عملية
فدائية جريئة اسقطت العديد من جنود العدو وقد قامت بهذا الدور العظيم
الممثلة البارعة فضيلة المبشر في ثوبها الابيض الطاهر تحثنا بكلمات بالغة
الروعة والتأثر بعدم اليأس واستمرار النضال حتي ينقشع عن الأمة هذا الليل
الاسود الحزين وقد اجاد المخرج في ان يظهر هذا المشهد عبر الشاشة
التلفزيونية لكون الشهيدة لا يمكن ان تكون حاضرة بيننا فهي في جنة الخلد
مع الشهداء والصديقين كما وعد الحق سبحانه وتعالي الشهداء من عباده.
هذا باختصار احداث المسرحية والتي يعذرني ان لم اذكر بعض الادوار الاخري
المكملة للمسرحية لبقية الممثلين الذين ادوا ادوارا في منتهي الروعة
والجمال مثل الفنان جاسم الصايغ وغيرهم لان الهدف ليس سرد الاحداث بقدر
ما هو تحليل هذه المسرحية.
من وجهة نظري اعتقد ان هذا العمل المسرحي هو الاول في البحرين يمثل
الواقع الجديد للامة بعد سقوط بغداد فتعتبر هي بذلك تمثل صفة السبق.
المسرحية عملت بامكانيات بسيطة جدا وان حققت نجاحا ولكن ليس بالنجاح
الباهر الذي كنا نأمله لانه كما اسلفت هي كانت محاولة من الفنان محمود
الملا ليعبر عن موقفه الشخصي المتألم تجاه الاحداث فلذلك هو اسس لنواة
عمل مسرحي باعتقادي سيستفيد منها بقية المخرجين المعروفين في ساحتنا
الفنية بتطويره ليحقق نجاحا اكبر مما نطمح اليه اذا تصدي لمثل هذا العمل
المسرحي.
الفنان محمود الملا لم نعهده معدا ومخرجا ولكن عرفناه ممثلا ومؤديا لبعض
الادوار وربما اراد ان يراهن ويبرهن انه يملك مواهب وملكات فنية لم تستغل
واعتقد انه اثبت جانبا من هذا الشيء في هذه المسرحية.
الفنانون الذين ادوا ادوار هذه المسرحية قد قاموا بتقديم ادوارهم بنفس
الادوار التي عرفها بهم المشاهد البحريني الا انهم في تصوري ارادوا
بادوارهم الطبيعية هذه تسجيل موقف كل فنان عما يجيش في قلبه تجاه هذه
الازمة المفجعة لذلك ادي كل منهم دوره الطبيعي من غير تكلف ولا تصنع
اجادوا فيه اجادة مشرفة.
اعتقد اخيرا بان الفنان محمود الملا قد حز في نفسه كثيرا ان يري شاعر
البلاط البريطاني وهو من الصفوة المقربة من الحكم يعترض بقصيدته الشهيرة
’’سقوط بغداد’’ التي هزت الوجدان البريطاني والعالمي وهذا الشاعر
البريطاني الذي يفترض ان يكون من الاعداء ولكن ابت نفسه الشاعرة المفرطة
في الاحساس الا ان تقول كلمة الحق لذلك قام الفنان الملا بادائه لهذا
الدور بنفسه بالقاء مقطع من القصيدة والتي اتمني ان تنشر كاملة ليتفاعل
معها كل من يرفض الهمجية والعدوان الآثم.
|