السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  19 - 1- 2004

 

ثلاث تجارب مسرحية  هولندية شابة

ياسين النصير

1-  عرس البرجوازي الصغير

            

               في منهاج  للمعهد الفني في لاهاي " وورك شوب" قدم على مسرح في ضواحي مدينة لاهاي ثلاثة عروض لبرشت هي " دائرة الطباشير القوقازية وأوبرا القروش الثلاثة، وعرس البرجوازي الصغير" . وعلى مدى ثلاث ساعات شاهدنا أهم فصول هذه المسرحيات،

الملفت للنظر في هذه التجارب أن الممثلين من كل الأعمار بما فيهم الأطفال، وعند استفسارنا من قبل المخرجين الهولنديين الذي يشرفون على ورشة العمل هذه، أكدوا لنا أن المسرح مثل الرياضة " خذوهم صغاراً" بعد أن تجري عمليات اختبار لعدد من الأطفال ضمن تركيبة اختبار تجري تحت إشراف مختصين بفنون المسرح من إلقاء وحركة وصوت وحضور شخصية .

  ما لفت نظري بل ودمعت عيناي لمشهد طفل قدم باقة ورد لصديقته الصغيرة التي كانت تشترك في أوبرا القروش الثلاثة، فالحب ينمو كالزرع المعتنى برعايته، حسدت الطفلين اللذين لم يفلتا من تحيتي الخجلة لهما على ما قاما به، ولكني في الوقت نفسه كنت أتطلع للآخرين الكبار الذين قدموا مسرحية العرس بشيء من الجرأة والفن العالي، وسبق لي أن شاهدت هذه المسرحية على شريط فديو للفنان المخرج الدكتور عوني كرومي عندما قدمها في صيف العام الماضي في دمشق لطلبة المعهد العالي للفنون المسرحية، ولقيت إقبالا ورفضا لجرأة الإخراج  في كشف مهازل الأسر الأرستقراطية والبرجوازية عندما تكون الزيجة صفقة على حساب الحب، تذكرت الطفلين الصغيرين وباقة الورد والعرض الشيق الذي استعاض عن المائدة بقطعة قماش بيضاء وسط المحتفلين بالعروس وزوجها اللذين ظهرا في غاية السكر والفنطازيا الحركية مما أعطانا تصورا عن التركيبة الشعورية الناقصة لطبقة لا تهتم بالاحتفال بقدر اهتمامها بالمظهرية. والغنى، كالسكر يكشف عن زيف الأجساد والنفوس، وفي لحظات تألق فريق العمل يسكب المشروب على قطعة القماش ثم يقذف به إلى الأعلى فتتلقفه الأفواه  وهي فاغرة من سماء المسرح الخفيض  كالمطر النازل وسط ضحك عال يكشف عن لحظات مرحة لا حد لفنطازيتها، مما  يوحي أن اللعب الفني ما يزال هو المهيمن على تركيبة العروض الشابة، في حين كان عوني في عرضه الدمشقي قد أجلس الممثلين على مائدة طويلة ومن تحت الشرشف كانت تحري المساومات المالية والجنسية بالأيدي وبالأقدام وأمام تعري النساء، وأمام تداخل المحرم بالممنوع، قدم عوني تصورا عن انحلال الطبقة البرجوازية كما تصورها برشت، في العرض الهولندي الشاب كان ثمة احتشام على غير المألوف فلم نشاهد ما يعري هذه الطبقة إلا من خلال الحوار الذي  جسد برشت به هذه النزعة الاستهلاكية المتهالكة.

         هو عرض تجريبي يشترك فيه الهواة ولكنه بالنسبة لنا كان عرضا شيقا رغم أنه بلا دم الديكور وبلا موسيقى وإنارة،  ويكفي العاملون فيه أنه على مدى ثلاثة أيام كان الجمهور يتابع العروض النهارية بشيء من البحث عن الجديد في المسرح.

 

- دائرة الطباشير القوقازية2

                   العرض الثاني الشيق والمهم هو دائرة الطباشير القوقازية، وهي من العروض التي كان المسرح العراقي قد قدمها مرارا، بل وأصبحت مادة تحويرية لدى المؤلف عادل كاظم باسم " دائرة الفحم البغدادية" التي منعت من العرض لحسها السياسي العالي الذي يناقش فيها تقسيم العراق وفق تقاسيم الأديولوجيا. وعادل الذي أراد بعرضه هذا أن يدين التحالفات السياسية ، حاول من خلال مواقف الفنان إبراهيم حلال مخرج المسرحية أن يستبطن الحكاية القديمة للملك سليمان والموروث الشعبي للأمام علي اللذان كانت حكايتهما مع الطفل المتنازع عليه بين امرأتين  مادة للقص الشعبي - الديني: غنية تدعيه وأم تربية ولا تستطيع إطعامه، مادة لكشف الطبقات التي تتنازع على ثروات البلد، وما الطفل لدي برشت إلا رمزا للثروة القادمة. والحكم في هذا الإطار معروف. ليأتي برشت فيضفي على موضوع  الحكاية طابعا ملحميا معتمدا إطار الحساسية  الشعبية المنفتحة على التجريب والخيال. فيصور من خلالها حال الإنسان الذي تتقاسمه الرغبات الحقيقية والرأسمالية السلطوية في محيط من القص الشعبي المقبول على  مدة قرون ولكل الثقافات.

 كل المثلين من الفتيات، ومن خلالهن نستشعر طابع الأمومة والطفولة، إلا أن العرض كان جديدا بالنسبة لنا. فقد أعتمد الإخراج الراوي الكلي العلم، الحاضر والمهيمن على مسار الأحداث، ففي البداية يكشف الراوي عن اللعبة الفنية للعرض، فيروي المشهد ثم يجسد أمامنا ومن خلال تتابع فقرات القص ينتقل بنا الراوي إلى بيوت في المدينة ساحبا الجمهور خلفة متتبعين خطى الحكاية وأماكن تنفيذها قبل خطى الممثلين، فأدخلتنا الراوية في بيت ومن هناك وجدنا مشاهد العرض تتلوا بألسنة من يبحث عن الطفل- المستقبل لتأتي الأم عارضة طفلها الجائع، وعندما نصل إلى هذه النقطة تنقلنا الراوية إلى مخبز في المدينة لنرى بالفعل الخبز الذي يبيعه الفران بثمن لا تستطيع الأمم شراءه ولكن بعد المساومة تقبل بشرائه لطفلها، بعد ذلك ننتقل إلى مكان للعب الأطفال لنجد أن الطفل المتنازع عليه قد اصبح مشكلة لأطفال الحي يعارك ويشترك ويدخل في مشاحنات ومساومات، وفي هذه اللحظة تنتقل بنا الراوية إلى جوهر الحكاية عندما تستحضر الحكاية حاكما ليقضي بيتن المتنازعتين على الطفل، القاضي السكران المرتشي يحكم في أول الأمر للبرجوازية بأخذ الطفل وسط مظاهر الشد والجذب بيدي الطفل، ومن خلال القلب الكسير للأم تسمح بأن تأخذه المدعية بالطفل، لكن القاضي يفوق من غفوته ليس بسبب من صحوة ضمير، إنما لعدم قدرة  المدعية على منح الطفل مشاعر أمومة حقيقية.

3- أوبرا القروش الثلاثة

             

                    لهذا العرض الذي شاهدنا منه مقاطع كثيرة نكهة خاصة، فهو يقدم بطريقة غنائية كاملة، يؤديها ممثلون ومطربون معروفون، مما يعني أن العرض سيأخذ طابعا اوبراليا عالي النبرة وسط مشاهد تغذي العرض من خلال الحركات، ومن خلال ما تقدم يعتمد العرض على فتاة تبحث عن طريق الرقص وتقليد الآخرين عن الهوية الفنية لها. في هذا العرض يشترك أيضا الممثل العراقي رسول الصغير بعد أن اختير من بين عشرة فنانين ناجحين في مسرحية " الحج إلى جزيرة المياه" ليقدم لنا مشاهد صامتة بحركات هي أقرب إلى إلى التمثيل منعا إلى الرقص .

          ممثلون شباب، ومغنيات أوبرا محترفات، وفنانون موسيقيون محترفون وهواة، وفنانو مسرح من مختلف الجنسيات، هم كل ما يمكن أن يقدموا لنا عرضا لمسرحية كتبت في ظروف غامضة عن قصة شعبية معروفة.

             للتعامل الفني مع المسرحيات  في هولندا، كما هو في بلدان أوربية أخرى طريقة فنية مهمة أرى أن يطلّع عليها المعنيون من الفنانين العرب، طريقة  هي غير ما تعارفنا عليه في عمل مخرجينا العرب، وأستطيع القول  بوضوح أنني كنت ممن يقضي ساعات طويلة في مشاهدة تمارين المسرحيات العراقية ، قبل أن تكتمل  للعرض على الجمهور، وسمح لي عدد من المخرجين أن أواكب التمارين  المسرحية  من أول يوم عمل فيها. حتى أن حقلا صحفيا سميته " أثناء التمارين" كان يعكس ما أشاهده من تغيرات على النص والأداء ومن ثم  كيفية نمو العمل الفني وتطور أفكاره وأداؤه. إلا أنني في العروض الهولندية أشاهد العكس مما تعارفنا عليه على يد مخرجينا العراقيين. ذلك إن العديد من الفنانين المشتركين لا يعرفون ماذا يجري للعرض وماذا يؤدي  بقية الممثلين فيه، فالإخراج هنا  لا يسمح بأن يرى الكل،  الكل. وإنما يسعى لتدريب الممثلين كل على انفراد على مقاطع من العرض خاصة بهم ، وليس من شأنهم أن يروا ما يتدرب عليه بقية فريق العمل. وفي الأسبوع الأخير قبل العرض تجري عملية دمج المشاهد بعضها ببعض ومن ثم توليفها وفق خطة الداماتورج والمخرج .عندئذ يتعرف كل الممثلين على كل الأدوار، وهذه الطريقة تتبع النظام العملي للممثلين الذين لا يتفرغون للعمل كاملا، بل أن مشاركتهم هي جزء من أوقات مقتطعة من سياق التدريب والتلمذة والعمل.

 في أوبرا القروش الثلاثة، لم يكتشف العاملون بعد ما هي الخطة الإخراجية فقد تستمر التمارين اشهرا عدة على مقاطع، ومن خلال نموها تتغير الخطة الإخراجية ومن ثم تتغير طرق أداء الممثلين. ما شاهدته في الساعة المخصصة لهذا العرض هو جمع مفترق من عمل ينمو وفق سياقات إخراجية – أدائية فيها من الشعر الجسدي الكثير.