غودو، خمسون عاما من الانتظار وسوء الفهم
د: محمد سيف/باريس
لا تمر
ليلة من لليالي على العالم الذي نقطن فيه، من غير أن تمثل مسرحية (في
انتظارغودو)، هذه المسرحية التي أثارت تساؤلات كثيرة عندما قدمت لأول مرة
سنة1959 حيث انقسم النقاد والكتاب حول تفسيرها، فريق نعتها بالعمل
التافه والآخر اعتبرها رائعة من روائع المسرح الحديث.
لقد كتب صموئيل بيكت مسرحية " في انتظار غودو" بين تشرين الأول "أكتوبر"
1949
وكانون الثاني "يناير"
1949،
وترجمت حتى
الآن إلى خمسين لغة أجنبية. وعندما ظهرت لأول مرة سنة
1952
بيع
منها في فرنسا فقط ما يقارب مليون نسخة، ومنذ ذلك الوقت، والمسرحية تتغذى
يوما بعد يوم، على الفضائح والتفسيرات المتعددة والمختلفة، ولقد فتن بها
نجوم هوليود مثلما سحر بها نزلاء السجون.
إن
مسرح الأوديون في باريس يستقبل هذه الأيام في صالة عرضه الكبيرة مسرحية "
في انتظار غودو" للمخرج الألماني من مواليد زوريخ " لوك بوندي" الذي سبق
له وأن قدم هذا العرض في مسرح " فيد". ويمثل في هذا العمل الرائع كل من
الممثل: روجيه جوندي بدور "استراكون" وسيرج كورلين بدور "فلاديمير"
وفرانسو شاتوت بدور "بوزو" والممثل العملاق جيرارد دسارته بدور "لوكي"
الذي استطاع بتمثيله لدور هاملت في مهرجان أفنيون منذ عامين، أن يمسح من
مخيلتي صورة الممثل الإنكليزي السير لورانس أوليفيه والممثل الروسي
سمركتنوفسكي اللذين اشتهرا بتمثيلهما لهذا الدور من قبله خير اشتهار.
لن
يمر موسم من المواسم المسرحية سواء كان ذلك في باريس أو في باقي بقاع
العالم ما لم تنبت في مسرح من المسارح شجرة صخرية جديدة، عارية الأغصان
منتصبة مثل توقيت مصفرة لكي تشير إلى مرور الفصل، منادية على الحبل الذي
لم يكن أبدا طويلا، كي ينتهي المرء هذه المرة وإلى الأبد مع نفسه، ومع
الآخرين، ومع المسرح، ومع الانتظار.
في
كل ليلة من ليالي باريس المكتظة بالعروض والمظاهرات الفنية الغريبة
العجيبة، يتقدم حارس الماعز (الغلام- الذي يقوم بأدائه الممثل الشاب
اكزافيه لورا) بدراجته الهوائية على خشبة مسرح الأوديون بعد ساعة من
التمثيل والانتظار لكي يقول إلى شخصيتين تبدو عليهما مظاهر الادمان
والتشرد (استراكون وفلاديمير): ( لقد أوصاني السيد غودو بأن أخبركما بأنه
لن يأت هذا المساء، لكنه سيأتي غدا بكل تأكيد).
·
صموئيل
بيكت في سطور موجزة
إن صموئيل
بيكت
كاتب من أصل ايرلندي، ولد في مدينة دبلن عام
1906
من أبوين
ايرلنديين
.
كتب أكثر أعماله باللغة الفرنسية .. فهو شاعر، قاص، روائي، مؤلف درامي
ولكنه أيضا مؤلف لعدة نصوص قصيرة، يصعب تصنيفها بشكل عام وفقا للطبقات
الأدبية التقليدية. لقد لعب هذا الكاتب المتنوع الإنتاج دورا رئيسيا في
حركة التجديد الحديثة التي طغت على أزمة القصة مثلما اكتشف علاقات جديدة
ما بين الشخصية المسرحية والفضاء، الزمن واللغة.
في
شبابه تلقى صموئيل بيكت تعليمه في ترينتي كوليج حيث درس اللغة الفرنسية
والإيطالية في سنة
1930-1928
عمل مدرسا
للغة الإنكليزية (بالايكول نورمان). وهكذا أقام في باريس والتقى بالكاتب
الروائي جيمس جويس واصبحا صديقين حميمين. نشر أولى أعماله الشعرية (الهورسكوب)،
أي (الطالع) الذي غلبت عليه الرؤى التشاؤمية التي سيطرت فيما بعد على
مناخات وأجواء مسرحه. في عام
1931
نشر دراسة نقدية عن الروائي الفرنسي مارسيل بروست، تبعها في عام
1934
بمجموعة
قصصية قصيرة. ونشر في عام
1938
أول رواية له تمت ترجمتها إلى اللغة الفرنسية من قبله. بهذه الطريقة صار
يتأرجح ما بين اللغة الفرنسية والإنكليزية. ولقد هجر الكتابة بالإنكليزية
مباشرة في رواية (وات) التي أتممها في سنة
1945
.
بعد
ذلك بخمس سنوات كتب مسرحية (في انتظار غودو) التي جلبت له الشهرة واعتبرت
واحد من أبرز أعماله وأكثرها شهرة. بين عام
1958-1950
أعقبها
بمسرحيات أخرى مثل: كل الذين يسقطون، للبرنامج الثالث للاذاعة
البريطانية، لعبة النهاية، ومسرحية صامتة لممثل واحد (فصل بلا كلمات)،
ومسرحية (الشريط الأخير) و (الأيام السعيدة).
·
كلمة السر
بعد
ظهور مسرحية (في انتظار غودو) التي حققت نجاحا كبيرا، جعل أغلب النقاد
المثقفين ينقسمون حولها. بحيث صارت شخصية غودو بمثابة كلمة سر يتبادلها
الناس فيما بينهم للتعبير عن حالات شتى يمكن تلخيص بعضها في: والآن، هل
ستأتي أم أنك تنتظر غودو ؟ أو أحد يسأل الآخر الذي طال انتظار اتخاذ
قراره في مسألة ما من المسائل (ماذا تنتظر ؟ وكان يجيبه الآخر بدلا من
(انتظر رحمة الله، إنني انتظر غودو). ومرة سئل صموئيل بيكت: من هو غودو ؟
فأجاب: لا اعرف عن هذه المسرحية اكثر مما يعرف هذا أو ذاك من الذين
يقرأون المسرحية بيقظة وانتباه؛ لا أعرف عن الشخصيات اكثر مما تقوله هي،
اكثر مما تفعله وماذا حدث لها ومعها؛ لا أعرف من هو غودو ومن يكون؛ لا
أعرف حتى إذا كان موجودا أم غير موجود.
·
النص،
العرض، الديكور
يشير
صموئيل بيكت في بداية مسرحيته (في انتظار غودو) إلى طريق ريفي .. شجرة ..
الوقت مساء. ولقد احترم مصمم الديكور "جيل ايود" إرشادات المؤلف بشكل
دقيق، ولكنه غير الوجه والهيئة إلى منظر حلمي في آخر العالم، مألوف وذي
علاقة بالحلم. فجاء المنظر على هيئة طريق قادم من غير ما مكان، يمتطي
رابية تلرسم بانخفاضها انعطافا بسيطا. في قمة الرابية هنالك شجرة موضوعة
مثل هيكل عظمي عار، يتفرع منها غصنان وحيدان حتى نحسب الشجرة منذ الوهلة
الأولى، صليبا أو مشنقة ولكن في نفس الوقت، لا يبدو عليها الموت أو
الحياة لأنها ليست إلا شجرة لا أكثر ولا أقل.
الجو
العام شتائي، أرضية المكان حليقة، تبرز فوق سطحها بعض الأجمة الصغيرة.
ويوجد فوق الطريق قطران وصخرة مركونة على جهة. في عمق المسرح تلوح سماء
فارغة، خالية من زوقتها التي لا تظهر إلا مع استدارة الرابية. هنا في
كآبة هذا المنظر الذهني المفتوح على الأنتظار بلا حدود، يدعو "لوك بوندي"
أربعة ممثلين خاصين جدا لكي يجسدوا أو نص مسرحي كتب منذ حوالي خمسين عاما
بالتحديد من قبل مؤلف لم يكن معروفا كما هو الآن. فرانسو شاتوا، جيرارد
ديسارته، سيرج مارلين وروجيه جوندي، يعيدون في هذا العمل صوت بيكت، دون
أن يفقد هذا الأخير مزاجه الحاد، غرابته أو بريق رقته اليائسة.
الخوف
من ماذا ولماذا، أن أغلب المرجين إن لم يكن أكثرهم يخافون وينتابهم الرعب
قبل أن يقدموا على تقديم نص مسرحي لبيكت، والسبب يعود بكل تأكيد إلى كون
هذا النوع من المسرح مليئا بالمخاطر والمنزلقات المستمرة والمفاجئة. وذلك
ولأننا في المسرح نتعامل مع شخصيات مادية، حاضرة على المسرح في كل مساء،
وهذا عكس ما يحدث مع الشخصيات الروائية، وعناصر اللوحة التي يقوم بتخيلها
القارئ أو المشاهد لحظة القراءة أو المشاهدة. وغودو مثل سائر البشر، يأكل
بقايا الخضر، في بقايا الحالات، ولكن في النص توجد |أربع شخصيات وليست
شخصية واحدة وجميعها تعيش وتتنفس وتدور حول بقايا الإنسانية المتآكلة.
كيف يمكن تصوير وتقديم ذلك دون الوقوع في مهالك الفضيحة والخزي والعار
الذي يشد العالم إلى صدره بقوة ذراعية ؟ إن مسرح بيكت صعب ويقع على
الحدود القصوى للمسرح، ولكن هذا لا يعني لأن مسرحه ضد المسرح أو ضد
التقاليد المسرحية بقدر ما هو مسرح يتحدث عن عالم في حالة انهيار، عن
ثقافة مهشمة أو بقايا ثقافة وضعتها معمارية المسرح التقليدي بكيفية
مغلوطة، ومع ذلك فهو مستمر ولازال يتحدث عن الماضي، عن الثقافة ولكن
بطريقته وطرازه الخاص، ونعتقد أن هذا هو السبب الذي يجعل اكثر المخرجين
في حالة تردد طويل.
إن (
في انتظار غودو) عمل لا يعني بالنسيان مثلما يقول "لوك بوندي" مخرج العمل
وأن "استراكون" كشخصية مسرحية مرصودة من قبل النسيان وفقد الذاكرة، وليس
من قبل بيكت. وفي هذه المسرحية نلاحظ وجود علاقات جد معقدة مع الاعراف
والتقاليد، وفيها نسيان كثير للذاكرة. إن غودو تُذكر كمسرحية بشكسبير،
وبكل تأكيد، تقوم بالاشارةوالتلويح نحو الميوزيك هال، ولقد انتهيت حديثا
من قراءة تشيخوف ثانية، فوجدت أن العلاقة بين تشيخوف وبيكت عجيبة ومدهشة.
إن نهاية مسرحية بستان الكرز، والفصل الأول من مسرحية " طائر البحر"،
وحوارات
trepler
حول نهاية العالم والقيامة الموصوفة من قبل "نينه" يمكن أن تكون لبيكت
مثلما هي لتشيكوف وما يشيد ذلك الاستمرار، وهذا الشكل الذي يقارب ويشابه
ما بين ممثلين: هو الاتفاق العظيم حول عملية الانتظار، على سبيل المثال.
ومن ثم، ما بعد ذلك، هناك الدور المنتقل إلى لا شعور شعور الناس، الطبقة
اللامرئية، وبعض الأحيان الغريبة والمضحكة التي تنبثق منها الجمل:( لقد
اعتقدت أنك ذهبت إلى الأبد) يقول أحدهم، ويجيبه الثاني: ( وأنا أيضا)
بالإضافة إلى كل هذا توجد أيضا الطريقة غير المنتظرة التي تتغير فيها
تصرفات الشخصيات: الشعور الجيد الذي يأخذ موقع المدافع الخدوم، وبعد
لحظات قليلة يتغير ويتخذ من الشتيمة موقعا للهجوم، بكل تأكيد، أن مسرح
بيكت في جدل مستمر مع هذا أو ذاك الغائب، فهو مسرح المؤلف والدراماتورج
الجيد، أنه مسرح يعرف كيف يحكي بشكل جيد، مسرح الحاضر الذي يعيش فيه
الماضي، ومسرح الزمن الذي يستطيع أن ينظم نفسه فيه من جديد في كل مرة.
وهذا في حقيقة الأمر، لا يتقاطع مع التقاليد المسرحية ولا يمكن أن يترجم
على أساس أنه ضد المسرح مثلما حدث من قبل ولازال يحدث. ففي مسرح بيكت،
ينصب الاهتمام الكبير أيضا على الزمن، ولكن فقط في معنى القرن التاسع
عشر، من حيث المضمون الدرامي، أي في معنى ابسني للموضوع وهنا مثلما يقول
المخرج: " يوجد نوع من القطيعة مع بعض التقاليد، إذ توجد رغبة للنسيان،
والعمل على نسيان النصوص الجميلة، هذه التي تحترم المسرح الوجودي، على
سبيل المثال، بالنسبة لي، إن هذا القطع والقطيعة حاضرة مسبقا في أعمال
تشيخوف. الانتحار، لدى بيكت لم يعد موجود، إن هذا ليس بالمهم أو الضروري،
ولكن يوجد ذلك الإحساس بالانتظار. في مسرحية (الأخوات الثلاثة) تقول
الأخوات الثلاثة في مقطع من مقاطع المسرحية (موسكو…
موسكو) في مسرحيته (بستان الكرز) أيضا، الاتجاه الدرامي يتأسس على شيء ما
لا نستطيع أن نتوصل إليه ومع ذلك، نتمنى أن نبلغه. وهذا الشيء الغير
متوقع دائما هو الذي يبقى أو يعيش فيما بعد، والذي يباغت الجمهور" إن
بيكت قد أكد في عمله على هذه التأثيرات المفاجئة، على التقاطعات.
·
المخرج
والنص
نلاحظ
من خلال مشاهدتنا وتتبعنا للعرض، إن المخرج قد عقد علاقة خاصة جدا مع
النص، استطاع أن يقترب منه بدقة وأناقة، مبتعدا قدر ما يمكن عن لغة القص
والتأويل الذي غالبا ما يقود العرض نحو الاستعارة والتشويه. فهو لم يقطع
من النص إلا ما حذفه بيكت نفسه عندما قدم المسرحية في برلين، لأسباب
تقليصية وتكثيفية، ولكن مع ذلك لجأ المخرج إلى الموسيقى كحالة تعويضية
مثلما فعل بيكت عندما قدم عرضه، إذ جاء العرض خاليا من الموسيقى، مبررا
ذلك من خلال عقد مقارنة ما بين مسرح مارغريت دوراس وبيكت، نشرها في
برنامج العرض الذي وزع على المشاهدين لحظة الدخول. يوجد لدى مارغريت
دوراس موسيقى وذلك لأن نصوصها تتأسس على الحالات في حين أن بيكت، ككاتب
مسرحي، يعتبر مؤلف حالات، مثل تشيخوف وشكسبير. فهو يعمل على تمرير الجمل
الجميلة بمناسبة المسرحية، انه مؤلف مسرحي يمارس فن التماثل والتناسقات
الكبيرة، فن المحاكاة، فن تحريف المحاكاة وتشويشها.
تعتبر مسرحية (في انتظار غودو) مسرحية الجمل الصغيرة، ولكل جملة من الجمل
أسباب لوجودها. وفي نفس الوقت لكل جملة من الجمل صراعها مع ما يحيط بها
من جمل أخريات مكملة ومعمقة لهذا الصراع. وإن المخرج الجيد، في اعتقادنا،
هو ذلك المخرج الذي يتوقف كثيرا متسائلا حول ملاحظات المؤلف ويحاول أن
يعرف مدى أهميتها، أن يجعل هذه الملاحظات ذات الدلالة المبطنة معاشة من
قبل هذا الدور أو ذاك.
فالتوقفات والصمت الممتلئ الذي يسيطر على فضاء وإيقاع العرض كان في تقديم
"لوك بوندي" يحمل دلالات ومعاني غنية وثرية، إنها لم تكن مجانية أو تحاول
أن تكون تطبيقية حرفيا لما أراده بيكت، ثم أن لعبة القبعات التي بدت كما
لو أنها نوع من الكوميديا، ولكن أي كوميديا ؟ لقد كانت كوميديا سوداء
قاتمة عكس ما يمكن أن تفسر من قبل أي مخرج أخر أو فرقة أخرى (كلا، إن هذه
لا أريدها، آه، إن هذه تليق بي أكثر، ومن ثم لا، لا أريد هذه أيضا، ولكن
ربما أن تكون هذه أفضل
…)
وهكذا تبدأ اللعبة بين الرفض والقبول، بين التي تليق والتي لا تليق لكي
تنتهي بكل شيء يرجع إلى مكانه، لم تتم عملية اختيار حقيقية لهذه القبعة
أو تلك بحيث نعتقد نحن المتفرجين المأخوذين بلعبة القبعة هذه بأن هذا
القلق واللاقرار الذي سيطر على الحالة المسرحية التي بدت كوميدية مثيرة
للضحك كانت تخفي شيئا آخر، وهذا الشيء الآخر المبطن يغذي الممثل الذي راح
في هذا العرض يؤسس تمثيله على البحث، على الاختزال والعثور على ما يجاري
الحالة والحالة المسرحية، إذ كان يتوجب على الممثل أن يشيد صرح الدواخل
الخفية لكل لحظة من اللحظات، والانتقال بينها بكل خفية وسر لكي يصل إلى
مرحلة أن تتوقف فيها الكلمات والجمل على أن تكون صادرة عن نص أدبي. وهذا
ما حدث وتحقق في هذا العرض الذي أحس به المتفرج بأنه قادم من صميم
التجربة الخاصة للممثل وليس من نص أدبي أو من مشاعر مجردة ومفخمة. لقد
أحس المشاهد بأن الكلمات قادمة إليه من من تجربة العالم المحضة وعوالم
أخرى، وأيضا من تجربة لغوية غنية. ونستشف من تصريحات المخرج وطريقة عمله
في هذا العرض انه قد تخلى عن طريقته القديمة في قيادة الممثل.
فهو مخرج عرف بمتابعته الدقيقة للممثل وتمثيله أمام الممثل للكشف عما
يريد ويتخيل أن تكون عليه الشخصية الممثلة، يقول المخرج في هذا الصدد: (
لقد تركت المسرحية أن تنتج إشاراتها بنفسها، لم آت هذه المرة بأفكار
خارجة عن النص، لقد أردت أن أخلق إحساسا بالارتجال، بالارتجال الجد دقيق
وليس الفوضوي ما بين اللامتوقع والمهم، لقد تركت الممثلين في بعض الأحيان
يتقدمون في تمثيلهم دون مقاطعة أو إعطاء ملاحظات مدة عشرين دقيقة، أردت
أن يخرجوا شيئا من عندهم، من مخيلتهم". وفي اعتقادنا، أن المخرج لم يخطئ
ولن يرتكب حماقة إذ ترك ممثلين مثل جيرارد دسارته وسيرج وفرانسوا شاتو أن
يعملوا وفق ما يحسون ويشعرون فيه، فالمخرج يتعامل مع ممثلين محترفين
يعرفون كيف يتخيلون أنفسهم وهم يؤدون شخصياتهم، ونعتقد أيضا، أن العدل في
الأداء والانضباط والكثافة في الحركة، تنبع في هذا العمل من حلم ورغبة كل
واحد من هؤلاء الممثلين البارعين.
·
انه الحلم إذن
نوم وحلم
وتفكير، أين الحدود بين هذه العناصر الثلاثة ؟ ليست هنالك حدود أو فواصل
أو تقاطعات يمكن ذكرها بشكل دقيق، إن المسرحية من فصلين، إن ما يحدث في
الفصل الأول هو شيء قليل، وما يحدث في الفصل الثاني، هو أن الممثلين
ينسون ما حدث في الفصل الأول، ونلاحظ أن ما بين الفصلين هناك فجوة في
الذاكرة، وهناك شك كبير مثلما لدى ديكارت، وشوبنهاور اللذين يعرفهما بيكت
خير معرفة ومثلما هي في هاملت، لأنه عندما لا يتذكر "استراكون" شيء، ربما
لأن "فلاديمير" لم يفعل شيئا سوى انه كان يحلم بما حدث مع "بوزو". وإذا
كان فلاديمير قد حلم بما حدث، فهذا يعني نحن الذين حضروا نفس الشيء، كنا
نحلم معه أيضا، وإن العرض لم يكن سوى حلم. إذن، نحن في هذا العرض أمام
اللاقرار وفلسفة الـ "ربما" وجميع الجمل التي تتأرجح على حبال اللغة ما
هي إلا أشكال محببة إلى بيكت. فـ "في انتظار غودو" اللاقرار يعتبر شكل من
الأشكال التي تخص في نفس الوقت الوجود، التفكير والجمال، " لا تتقدم ولا
تتراجع"، أليست هذه هي الكلمات الأخيرة التي تنتهي فيها المسرحية؟
فلاديمير:
حسنا، هيا نمضي
استراكون:
نعم .. هيا نمضي
ولكن
الملاحظة التي يضيفها المؤلف تقول: (إنهما لا يتحركان)، لأنه لا يوجد
هنالك برنامج، ولا يوجد أي اتجاه، ومع ذلك "استراكون وفلاديمير" يستمران،
شأنهما شأن الفنانين، إن التهديد الكبير للفنانين هو أن يجد أ، يجد نفسه
محروما من الإلهام، ومع ذلك يستمر بالتمثيل والإخراج أو الرسم والكتابة.
إن فلاديمير واستراكون يتساءلان دائما فيما إذا سيكونان قادرين على
الاستمرار أم لا، ولكن ما هو السبيل إلى الاستمرار ثانية، دون الغرق في
حالة الوهن والعجز؟ إن بيكت يعبر عن هذا في عمله بكل قسوة وخشونة، وخير
دليل على ذلك شخصياته التي تصل في تفكيرها إلى حد الانتحار ولكي تتمكن
ثانية من الانتحار، وهذا يبدو جد إنساني.
هذا هو
اليأس بعينه، اليأس الحقيقي، ولكنه ليس بالتخمين والتنبوء، إن بيكت قد
أحس بالمصاعب التي مرت واستمرت تمر بنا منذ البداية لكي يسمح لنفسه أن
يقول على لسان حال "بوزو" : ( إن الأمهات يلدن إلى جانب القبر، ويلمع
الضوء لحظة، ثم يسود الظلام مرة ثانية). إن تشيخوف وشكسبير يرددان نفس
الشيء، ولكن لدى هؤلاء دائما بيت، صداقة، مدينة نتمنى أن نذهب إليها، في
حين أن لدى بيكت لا يوجد أي شيء يمكن أن نحيل أنفسنا إليه.
نلاحظ أن
معايير الجمال في أعمال بيكت لا تكمن في طلاوة الابتكار وعمق الصورة
الرمزية وسوداويتها التي لا تخلو من الضوء، وبراعة الصياغة فحسب وإنما
وبالتحديد بأصالة الرؤية وصدقها، بنقل تجربة الوجود، وهو إذ يقوم بذلك
يكون مخلصا وغير هياب في عرضه لحقيقة الوضع الإنساني وهذا ما يختلف فيه
وبشكل وهمي المسرح الواقعي عن مسرح اللامعقول، ومثلما يقول "بيتر بروك"
في كتابه "الفضاء الخالي" في حديثه عن المسرح المقدس: ( ربما كانت كتابات
بيكت اكثر الكتابات المسرحية ذاتية وإجهادا في عصرنا هذا، وما مسرحياته
إلا رموز، بكل ما في الكلمة من معنى، إن الرمز الصادق متماسك وواضح أما
الرمز الكاذب فهو هش وشاذ، والرمز الحقيقي هو رمز خاص وهو الصيغة
الوحيدة). والرمز الحقيقي، هو الذي يجعل، في رأينا، من استراكون
وفلاديمير ينتظران قرب شجرة يابسة.
|