محطات
من تجربة فنان مسرحي ........
بقلم رسول
الصغير*
سخرية
أولى
لعل
روح( مدلوله بحر ) المرحة جدا جدا هي كانت النافذة الأولى التي
أطللت منها وتعلمت التعبير عن الأشياء بسخرية ,حيث كانت تلك
النافذة مشرعة دوما لا تحدها حدود ولا تؤطرها زمانات وكانت أمي
تستخدمها كوسيلة بتحويل اليوميات المثقلة بالحزن والهم والاختناق
والعوز والحرمان إلى سخرية تجعل كل شي سهل ومتاح.
كانت
تلك الأمسية التي اصطحبت أمي فيها إلي سينما السندباد في شارع
السعدون ببغداد لمشاهدة فيلم هندي اسمه اليتيم ,هي المرة الأولى
وربما الأخيرة التي شاهدت أمي فيها صالة السينما ....لقد بكينا بكل
مرارة وانجذبنا بعاطفة غير اعتيادية إلي أحداث الفلم ولكن كعادتها
أمي لم تفوت فرصة السخرية (بعد أمك هيه هاي ونستك...)
لم
ينقطع ضحكي كما لم تنقطع سخريتها حتى وصلنا البيت.وبقيت أمي كلما
تلقت دعوه من شخص ما تقول بسخرية
عسا ان
لا تكون كدعوتك.
كانت
السخرية هي الملاذ الوحيد الذي اعتقدته في بداية بحثي عن ذاتي
الفنية فقد وجدتها واسعة ,مدهشة بالتخيل والتصوير
اللانهاية......لقد صاحبتني السخرية واقعيا في تفاصيل حياة اكثر من
بائسة عشتها في بيت معدم بالفقر مليء بالمرح والضحك.
ربما
كانت تلك أول دروس الكوميديا السوداء التي تعلمتها من تلك الأسرة
الجميلة.كان للسخرية قدر كبير في بناء مخيلتي أو ذاتي الفنية
وكنت في منتهى الجدية في ذلك البحث,كان اكثر ما يؤرقني هو المكان
الذي سأقف عليه.
الحيز
الذي أريد ان اجعله نابض بمفردات مشروعي الفني ....لم تكن الرؤيا
واضحة بعد ولكنها كانت تتبلور رويدا
رويدا.............................كان لتأريخي الشخصي اثر كبير
في رفد نضوج ذاتي الفنية بل واصبح في ما بعد ذاكرتي الانفعالية
الخصبة في كل عمل اقدم عليه .فأنا لم أحيا حياة عادية مطلقا كل ما
كان يجري من حولي كان في منتهى السخرية......
محطة:_______
في
مساء بغدادي جميل وجدتني برفقة والدي في صالة مسرح ...كان العرض
مسرحية بهلوان آخر زمان على قاعة المسرح الفني الحديث ,كنت في
حينها في الحادية عشر من عمري......... لا أستطيع ان احدد ألان هل
كان ذلك حلما أو أحد ما قص لي هذه الحكاية وما علق بذاكرتي من هذه
الحكاية ان الدهشة تملكتني على أولئك الناس الذين تجمعوا في قاعة
العرض وذلك الصمت المهيب الذي يلتزم به الجميع.... ترى ماذا
ينتظرون لماذا جاءوا إلى هنا؟ومن هو ذلك الساحر الذي يشد كل هذا
الحشد من المتفرجين إليه؟ ....كانت تلك الرحلة بالنسبة لي اكثر من
مد هشه .لقد كانت رحلة كل ما فيها مثير حيث صعدت الباص وشاهدت
شارع السعدون وشربت عصير من محل......عدت من تلك الرحلة بشعور
سوف يتطور لاحقا كان شعوري على ما جري على الخشبة مبهما ولكن
فضولي لمعرفة ما يجري خلف المسرح كلن اكثر حضورا ...كنت أريد ان
اعرف فقط ما ا لذي يفعله الممثلون خلف الكواليس.
سخرية أخرى
بعد
نجاحي من الصف الخامس الابتدائي إلى السادس كانت أول هدية احصل
عيها من والدي هي كتاب مغلف بغلاف اصفر أنيق عنوانه (أين الله )لمكسيم
غوركي ..لقد اربكني ذلك العجوز بهديته ولا اعلم إذا كان متقصدا
باختياره الكتاب لي أو أنها محض صدفة أو ربما سخرية من سخريات
القدر لطفل في العاشرة من عمره ..لم تكفني العطلة الصيفية وعدد
المرات التي قرأت الرواية فيها من استيعابها ولكني حفظت الكثير من
جملها التي لازلت استشعر إسقاطها علي في تلك الفترة ....... لازلت
أشم رائحتها مهما عتقت
محطة:________
كنا
نسكن في بيت عمي وهو بيت صغير جدا ,يحتوي على ثلاث غرف صغيره جدا
الأولي لجدتي والثانية لعائلة عمي والثالثة لنا وكان مجموع الذين
يعيشون في المنزل اثنان وعشرون شخصا......... كان هناك حدث منتظما
يحول ضجيج البيت إلى صمت كامل باستثناء شخص واحد يدخل إحدى الغرف
........يغلق الباب و يبدء ... تارة بالصراخ وتارة بالصمت
والهمهمات الغريبة كان ذلك الصوت يجذبني لاستراق النظر على هذا
الذي يتلوى في الغرفة ويهمس أحيانا ثم يصرخ أحيانا ويقول كلاما
يشبه الشعر....كان ذلك ابني عمي الطالب في معهد الفنون الجميلة في
حينها الفنان المسرحي جبار الصغير......
بدأت
الأشياء تتراكم في ذاكرتي النهمة وبدأت أحس ان شي يجرني إلية ولكن
ما هوووووو.
كانت
مسرحية الخليقة البابلية للدكتور صلاح القصب هي أول نافذة منحتني
رؤية المسرح وطلبة المسرح وأجواء أكاديمية الفنون الجميلة,, سقط
اسم أكاديمية الفنون الجميلة على أذني كأسم صديق فارقته منذ زمن و
ألان فقط وجدته...كنت استعرض المبنى شبرا شبرا واختلق الألفة معه
رغم ان مسرحية الخليقة البابلية كانت بطاقة دعوتي الأولي لمشاهدة
الممثلين والفنيين عن قرب وكان جبار الصغير هو صاحب الدعوة .كنت
حينها في المرحلة الإعدادية من الدراسة و كان هو بالطبع ممثلا في
المسرحية ,من دون ان ادري كيف...... وجدتني في غرفة المكياج .كنت
أراقب بكل الانشداد والدهشة هذا العالم المدهش,,.....كنت أتتابع ما
يفعله أولئك الشباب بوجوههم وكنت مأخوذا بالتفاصيل التي كانت تجري
أمام عيني ...كان العرض بالنسبة لي كشيء سماوي اعجز ألان عن
استرجاع تلك الغبطه التي شعرت بها هناك ولكن ما حدث في غرفة
المكياج كان وقعه علي سحريا وبقي في ذاكرتي ولازلت أشم رائحة ذلك
اليوم كلما مررت على تلك الحادثة.
لم اكن
أتخيل أبدا ان صلاح القصب سيكون أستاذي لاحقا وسوف يعطيني درسا في
الإخراج ومن ثم يختار بنفسه لي النص الذي سوف أخرجه كمشروع تخرج
....لقد اختار لي أستاذي العزيز الدكتور صلاح القصب مسرحية الخادم
الأخرس لهارولد بنتر وقد أخرجتها فعلا...هذه الصدفة أو المصادفة
كانت واحدة من أخريات كثيرات شكلن ملامح فنان مسرحي اسمه رسول
الصغير.كانت المسافة ما بين ما حدث في غرفة مكياج مسرحية الخليقة
البابلية وما حصل لي فيما بعد حيث وجدتني طالبا في الصف الأول في
أكاديمية الفنون الجميلة فسم الإخراج المسرحي وصلاح القصب بشحمه
ولحمه يدخل غرفة الدرس ليدرسن مادة الإخراج المسرحي أحسست بشعور
غير طبيعي .كنت فرح جدا ,اذكر أنني وبعد ان عرفت أسماء الاساتذه
الذين سوف يقومون بتدريسي عدت إلى البيت فرحا فأحاطني الآهل فرحين
وبداءت اعدد الأسماء بفرح طفولي غامر وكانوا طبعا كلهم مشهورون
إعلاميا.....وككل الأحداث السعيدة القليلة جدا في بيتنا لابد ان
يكون الدمع حاضرا.
سخرية
:________
أكاديمية الفنون الجميلة
كان
يوم الاختبار يوما عصيبا بالنسبة لي لما علق بذاكرتي من اختبارات
ارتبط اغلبها بالتحقيق ,تسأل وتجيب ....كانت أمي بارعة بالاستهزاء
من الشرطة السرية أو مخبري الأمن..الذين كانوا دائمي البحث عن
والدي,كنت اقف مرعوبا إلى جنبها انظر إلى عينيها القويتين وهي
تختلق الأعذار لذلك الشرطي,أعذارا كنت رغم صغر سني أجدها أكاذيب
واضحة لكن أمي كانت تقول هؤلاء مطايا وعليك ان تتحدث معهم باللغة
التي يفهمون...
كل هذه
المشاعر كانت تختلج في صدري وأنا اعد العدة لتحضير مشهد مسرحي
للاختبار.
كانت
طاولة الاختبار تشبه إلى حد ما طاولة التحقيق التي ألفناها:لكني
سرعان ما شعرت بألفة عجيبة وجناحين امتدا إلى ابعد حتى من أمنياتي
.....لقد شعرت إنني أطير حقا.كنت امثل والعيون تحدق بي .اللعنة
عليك أيها الممثل ألان فقط أدركت لماذا اتجهت صوبك تلك العيون في
قاعة المسرح الفني الحديث.
كان
الفنان المسرحي كريم جمعة من المسرحين الذين شاهدت له عروض في
مدينة الثورة مع فرقة مسرح الجماهير
وعلى
مسرح مركز شباب الثورة.
اختار
لي هذه الفنان مشهد لشخصية ياكو في مسرحية عطيل لوليم شكسبير وظل
يدربني على هذا المشهد لمدة أسبوع كامل وكان في منتهى التفاني
والحرص معي .
كنت
اقف مثل الطفل أمام الكم الهائل من المعلومات التي كان يوصيني ان
اتبعها ويشتاط غضبا عندما يقل تركيزي في حركة ما كان كريم متأنيا
بتعليمي وكنت مستعجلا جدا كي اصرخ بأعلى صوتي أنني موهوب أتستطيع
ان افعل عندما تعطوني فقط فرصة أي شي كانت الطاقة الكامنة عندي
كبيرة وكنت اعرفها تماما .
قدمت
مشهدي أمام أعمدة المسرح العراقي ,عوني كرومي,فاضل خليل,صلاح
القصب.شفيق المهدي,سامي عبد الحميد,بدري حسون فريد
قبلت
في الأكاديمية ولم يكن هناك أي مشكلة سوى أنني كنت مستقل في الوقت
الذي كان من الصعوبة ان يحصل أي طالب على القبول إلا ان يكن
حزبيا..
لا
أنسى أبدا تلك الإحاطة الرائعة من أولئك الأساتذة الذين انحني أمام
أسمائهم بكل المحبة والاحترام ,,,لقد كانوا الجسر الآمن لعبوري إلى
الضفة الأخرى............
هذه
التفاصيل التي اكتبها ألان كانت تمر بعجالة وكان دائما هناك من
يسهل لي الأمر ................
سخرية:________
أول
تعليق لامي عندما رأتني ارتدي الزي الموحد ذاهبا إلى اللاكاديمية
كان أول تعليق لها(كلبهه الله بجبر)
يبدو
إنها لم تصدق بعد ما يجري لفرط الإحباط الذي رافقها دهرا منذ
ارتباطها بوالدي السياسي المعدم.
كانت
مشكلة الزي الموحد مشكلة كبيرة بالنسبة لي فالمبلغ كان اكثر من
خيال ممكن ان تتخيله تلك العائلة.ليلتان عصيبتان قضاها الجميع
بالبحث عن حل فليس من المعقول ان احصل على القبول ولا أستطيع ان
احصل على ملابس تجعلني اعبر بوابة الاستعلامات إلى قاعة الدرس.صار
السؤال الوحيد ألان هو كيف سندبر هذه اللعنة التي اسمها الزي
الموحد و الزي الموحد كان عبارة عن (جاكيت ازرق ,قميص ابيض,بنطون
ازرق .تلك الأشياء البسيطة صارت مشكلة حقيقية لعائلة تعيش في بلد
هو من أغنى بلدان العالم وفي أوج ازدهاره الاقتصادي في
الثمانينات....(مزهله)كما تلفظها أمي...........تغيبت ثلاثة أيام
عن بداية الدوام حتى جاءني المدد من حيث لم اكن أتوقع جاء الزي
الموحد من المطرب المرحوم صباح السهل والشاعر عريان السيد خلف
,بتلك المعجزة بتلك السخرية وتراكماتها سارت خطاي إلى أكاديمية
الفنون الجميلة ..دخلت وطعم المرارة يحرق حلقي
دخلت
وبين يدي عيون أبى و أمي واخوتي شاخصة بنفس السؤال الذي قادني إلى
المغامرة الأولى ,كان السؤال
أكون
أو أكون.......لم تكن الأمور تتحمل كلمة.......... لا ......لأنني
قررت ان اجعل ما تختزنه ذاكرتي و عيني إلي فعل ما........ يؤسس
النواة لمشروع مخرج مسرحي وقد كان جل ما يعنيني في البداية ان
تسبق تلك الكلمة السحرية اسمي..كنت مستعجلا جدا......
كنت
أسير في الكلية وعلى ظهري حصاد كل تلك السنوات التي يقال إنني
عشتها .كان الصبر عندي نكره ....كنت اركض ...اركض....اركض..وانهم
ما يقع بيدي من كتب عن هذا العالم المدهش عالم المسرح كانت تلك
البناية بالنسبة لي مثل الحلم فدخلت إلى الحلم وكانت السخرية حاضرة
بكل تفاصيلها ,هل بإمكان ذلك التاريخ الذي عشته ان يمنحني فرصة
للتخيل والحلم............. نعم لقد أيقنت منذ البداية ان هذه
الفنتازيا التي تحيطني دوما والسخرية التي قادتني إلى هذا المكان
هي دافعي ووسيلتي الأولى للتخيل والتعبير والخروج بالمشروع المسرحي
إلى الضوء.
ألان
أصبحت تلك المفردات والأفكار واليوميات العلمية تنضج مثل ذاك
النضوج المعذب الذي وصفه( الكسي بوبوف في كتابه التكامل في العرض
المسرحي) .وبداءت الرحلة.
الكل
كان يبحث من مكان له وكنا مجموعة من الطلبة الشبان الحالمين
باكتشاف وإفراز الذات وفي الحقيقة كنا حالمين اكثر من الحلم
نفسه.عاشقين ودراويش كانت كل الأسماء التي رافقت الرحلة دائمين
البحث ومبدعين
واصبحوا فيما بعد أسماء جميلة هي ألان تزين لوحة المسرح العراقي
والمدهش بالأمر ان أحدنا لا يشبه الآخر
في
أسلوب عمله بالرغم من إننا كنا ولا زلنا نحلم سويا ...(عادل عيسى
,هادي المهدي,باسم عبد القهار.طارق العذارى,جبار محيبس,)...ومن
السخرية إننا سرعان ما تبعثرنا في المنافي فذهب هادي المهدي إلى
الدنيمارك وباسم إلى استراليا وعادل إلى أمريكا وأنا إلى هولندا
وبقي محيبس في العراق.
محطة:________
سوناتا
الركام
كنت
اكثر من مستعجل ومتلهف لممارسة ذلك السحر الذي يسمونه الإخراج ,كنت
قد قدمت عمل مسرحي صفي وأنا في الصف الأول ولم يحالف ذلك العمل
النجاح بل بالعكس تعرضت لحملة قاسية من زملائي والذي يبدو انهه
كانوا ينتظرون شيئا غير الذي قدمته .كنت أريد في هذا العمل ان
أقول شيئا لكن وسائل تعبيري المتواضعة حيتها قادت العمل باتجاه آخر
تماما .فشل العمل .هذا هو الشعور الذي تملكني .بالرغم من انه عمل
صفي وبالرغم من إنني لم استمع إلى نصيحة أستاذ مادة الإخراج
المسرحي بعدم تقديم عمل للجمهور سيما أنا في الصف الأول .....كنت
مستعجلا جدا على الطيران ..ثقل جناحاي و صارا عبئا.....شعرت
بإحباط شديد لم يدم اكثر من أسبوع.......
واصلت
بحثي وقراءاتي وصارت الأمور تتفتح أمامي لكن العجلة لازالت تسيطر
علي في كل يوم كنت اشعر إنني سوف أموت دون ان أرى كلمة مخرج تسبق
اسمي........لماذا....؟ لا اعرف . كنت اعمل في الكلية طوال اليوم
وفي كل شي .كنت أريد ان أتعلم كل دقائق الفن المسرحي .عملت في
الاضاءه والموسيقى في مشاريع الطلبة الذين سبقوني في التخرج
.عملت
في السينما .الإذاعة .التلفزيون...وكانت اغلبها خلف الكواليس .كنت
وما زلت مغرما بما يجري خلف الكواليس .هو عالمي الذي ا صور فيه
أحلامي وإبداعي.
في
الصف الثالث وكان لي صديق في قسم التمثيل اسمه إبراهيم حنون جاءني
حامل بيده حفنة أوراق وقال هذا النص (يفيدك) كان النص هو مسرحية
سوناتا الركام لكاتبه حسين علوان...............من القراءة الأولى
للنص بدأت عملي على الورق ووجدت فيه ثأري من العمل الأول ..جاء
إبراهيم حنون ليخبرني ان كاتب النص رفض ان أقوم أنا بإخراجه ويريد
ان يقوم بذلك إبراهيم حنون نفسه..جلست على الرصيف المحاذي لقسم
المسرح وكانت آخر الكلمات التي سمعتها من إبراهيم(اقسم لك يا رسول
أنني قلت له عليك ,خوش ولد وخوش فنان....بس الولد ما يعرفك) طلبت
لقاء مع الكاتب ولم يوافق على ان اخرج العمل وكان مصرا على إبراهيم
وظل يردد انه يريد شخصا معروفا لاخراج نصه.......ذهب الرجل
وشرعت أنا بالعمل تاركا النتائج تحسم الأمور بل وتاركا سخريتي
تنطلق بأقصى درجات التطرف
كان
العمل من الأعمال المشاركة في مهرجان للشباب نظمه مجموعة من
الفنانين والشعراء العراقيين اذكر منهم الشاعر الصديق حميد الصائح
...
اخترت
ممثلا للبطولة ...ليس طالبا في الكلية بل نجارا كان يعمل في قسم
الديكور...... , شكل علي عبد الستار
هو
الذي كنت ابحث عنه وبقية التفاصيل هي مهنتي التي احب......
حصل
علي عبد الستار على جائزة التمثيل وحصلت أنا على جائزة الإخراج
وحصلنا على جائزتين للاضاءه
والديكور...........كان سيلا من المطر قد نزل على مسامات روحي
المنتظرة مذ رحل نوح بسفينته إلى الضفة الأخرى.........ذهبت إلى
بيتنا مشيا...ركضا..بكاءا......لا ادري ........
استقبلني أهلي استقبال الفاتحين...يبدو إننا كنا جميعا بانتظار
لحظة ما تذكرنا بآدميتنا ..وككل العراقيات كان فرح أمي .......دمعا
لا
أنسى تدوين مشهد ذلك الشاب الأنيق الذي يرتدي بذلة أنيقه في الباب
الرئيس ,يتبادل التهاني مع أصدقاءه والفرحة تؤطر
وجهه............كان ذلك الشاب هو المؤلف حسين علوان.
كانت
مسرحية سوناتا الركام قد فتحت أمامي نافذة متقدمة للولوج إلى عالم
الإخراج المسرحي بكل تفاصيله وضمنيا ته فقد عملت مع خيرة المخرجين
المسرحيين العراقيين واطلعت عن كثب على طريقة عملهم ومن اكبر إلى
اصغر التفاصيل المكونة للعرض المسرحي فكانت هذه الفترة بالنسبة لي
تطبيق جد مبكر لكل ما درسته من نظريات وأفكار عن فن الإخراج
المسرحي على يد أساتذتي في الأكاديمية: د- عوني كرومي ,د- صلاح
القصب,د- فاضل خليل, الأستاذ سامي عبد الحميد ,الأستاذ بدري حسون
فريد,الأستاذ شفيق المهدي,الأستاذ عادل كاظم,الأستاذ بهنام
ميخائيل.........
عملت
في فرقة المسرح الفني الحديث وقي مسرحية خيط البر يسم للمخرج فاضل
خليل وكنت بالطبع ضمن الكادر الفني (منفذ إضاءة) وعملت مدير للمسرح
في مسرحية حلاق بغداد لنفس المخرج وانتاج أكاديمية الفنون الجميلة.
عملت
لمدة أربع سنوات متتالية مع المخرج المسرحي عزيز خيون وكان العمل
مع عزيز خيون هو جواز السفر الذي دخلت فيه إلى الفرقة القومية
للتمثيل أول مشاركة خارجية والتعرف على ثقافات الشعوب الأخرى إذا
كان العمل مع عزيز خيون هو ملامسة لواقع آخر هو الاحتراف واقامة
البناء بعد مرحلة شاقة من البحث والتعلم
منحني
عزيز فرصة حقيقية للمساهمة بعملية الإخراج لمجمل الأعمال التي
اشتركت بها معه ,عزيز خيون مخرج مختلف كل الاختلاف عن المخرجين
الذين عملت معهم في الفترات السابقة ,كان عزيز ليس مدرسا ومخرجا بل
كان ممثلا ومخرجا وكان اكثر التصاقا بالفعل على المسرح لا
المعلومة كنت هنا شاهدا على كل الأعمال التي عملنا بها سويا شاهدا
على ولادة العرض المسرحي من قراءة النص إلى ان يتحول إلى صور و
أفعال ,كان عزيز خيون مفتوحا على جميع كادر العمل المسرحي مما
منحني مساحة اكبر لرؤية أفكاري في هذا المشهد أو ذاك
العمل
مع عزيز قربني اكثر إلى الخشبة وصرت اكثر دراية بما يجري خلف
الكواليس...
لازالت
التمارين المسرحية هي المحراب الجميل الذي اقضي فيه ألذ ساعاتي
وتطوير مخيلتي لانتاج الإبداع بأكمل صوره.
في هذه
الفترة تعلمت تقريبا كل ما يخص العرض المسرحي من تقنيات .
كل تلك
التجارب والمساهمات كانت ضمن فترة دراستي والتي لم تكن سوى أربع
سنوات عملت فيها بروح الباحث الذي يريد ان يعرف كل شي وكنت أريد ان
أتعرف على كل مكونات العرض المسرحي عن قرب كي أكون عارف بها .عملت
في أ للإضاءة والموسيقى والمكياج والأزياء والإدارة المسرحية ثم
مساعد للمخرج وكان أخر عمل لي مع الفرقة القومية للتمثيل هو مسرحية
قطط للمخرج كريم رشيد بعدها لملمت أمتعتي لتبدء رحلة من نوع آخر
لم تخطر على بالي مطلقا..............
أثناء
تلك الفترة في الفرقة القومية جاءتني فرصة للعمل مع المخرج المسرحي
الفنان القدير قاسم محمد..كان شيئا مختلف تماما له مذاق آخر
.....انه إذا قاسم محمد اشتركت معه في عملين .
صارت
مرحلة الدراسة هي ليست الساعات التي اقضيها في قاعة الدرس بل تلك
الخبرة العملية من واقع التمارين ومع مخرجين لهم طرائق متنوعة في
اللاخراج مما ساعد في إنضاج المادة الفنية في مخيلتي وذائقتي
الإبداعية وسقلها.
كانت
فترة تمارين مسرحية (أنا لمن وضد من) لقاسم محمد دهشة كاملة
بالنسبة لي .....
عملت
مع الأستاذ قاسم محمد في مسرحية أنا لمن وضد من وكانت هذه التجربة
من العلامات الفارقة في تكويني الفني خصوصا وان الأستاذ قاسم
محمد لم يدرسن في الأكاديمية لذا كانت التمارين دروس في منتهى
اللذة لمتشوق مثلي إلى أسرار المسرح لقد كانت مشاهده تشخصيه
بالنسبة لي..... كانت طريقة عمل الأستاذ قاسم محمد مع الممثل مدهشة
للغاية لقد كانت دروس مهمة لي في كيفية التعامل مع الممثل
.......... كان قاسم محمد وكما يحلو له ان يقول( ينحت) الممثل نحتا
دون ان يتحول الممثل إلى قالب جامد .
عالم
آخر كانت تمارين مسرحية صراخ الصمت الأخرس للمبدع الفنان عوني
كرومي والذي كا ن مشرفا فنيا على أطروحة تخرجي.........في مسرح
عوني كرومي تلمست تماما سحر المختبر المسرحي .تمارين عوني كرومي هي
أشغال شاقة بالنسبة للمثل وهي صراع دائم بينه وبين ممثليه حتى
يستقر على الفكرة التي يريد..... نوع آخر من المسرح تعلمت منه
أيضا كيفية استخلاص الدلالة وتحويلها إلى كائن يساهم في شكل
العرض المسرحي.
مسرح
عوني كرومي هو مختبر حقيقي لعملية ولادة الأفكار ونموها
وصيرورتها.
محطة:
في ذلك
الصباح وبينما كنت جالسا على مدرجات نادي الأكاديمية ,مر الدكتور
صلاح القصب,,,,,,,, سار بجنبي ورمى علي بضعة أوراق مستنسخة وواصل
سيرة وهو يتكلم وكان ما قاله لي (رسول الصغير هذه أطروحة تخرجك.(خوش
نص أيفيدك).
ذهب
صلاح القصب وبقيت أنا متعلقا بشريط خاطف مر أمام عيني .شريط أبتدأ
من غرفة مكياج مسرحية الخليقة البابلية إلى اللحظة التي ملئت
الأوراق المكان من حولي .كان شعور عاطفيا جدا...
بداءة
التمارين وبداخلي مجموعة من المشاعر المختلطة
·
ان الدكتور صلاح القصب انتبه لي تلك بداية اكثر من
مشجعة لا سيما وان التخرج ليس دائما دليلا على امتلاكك لملامح
مخرج مسرحيا
·
تلك الصدفة التي جمعتني بالفنان صلاح القصب في بداية
ونهاية مشوار الدراسة
·
النص أدهشني لما فيه إمكانية لاستعراض كل ما تعلمته
·
الخوف من المغامرة
·
بداية الطريق
·
تطبيق ما تعلمته
·
و أخيرا هل سأصبح مخرج مسرحي.........أكون أو
لالالا أكون
كانت
بحق فترة عصيبة جدا كان فيها التجريب محفوفا بالمخاطر لان
المسؤولية كانت اكبر من...؟؟؟؟
إنها
المرة الأولى التي أكون أنا وحدي المس |