السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  12- 1- 2004

مسرحية عيناها لـ صالح كرامة:

نسق النص وبنية الحل الاخراجي

بقلم ـ طاهر عبد مسلم

 

تبدو اشكالية العمل المسرحي متعددة الاوجه مترابطة الحلقات ضمن نسيج المشهد الثقافي العربي اليوم. ولذا تنخرط عموم التجارب المسرحية في كل او بعض من اوجه هذه الاشكالية.

ولعله نزوع ابداعي لتشكيل ذاكرة مسرحية ووعي مغاير يرتقي فيه الشكل المسرحي الى مرتبة التأثير لدرجة ان يطرح العمل المسرحي نفسه بديلاً. ونجد كثيراً من الاعمال المسرحية التي يقدمها مبدعوها على انها هي الحل، وهي التي ستختصر معطيات اشكالية كثيرة. ربما كان هنالك مأزق يواجه النص المسرحي العربي في تشعب سماته وعلاقاته بالاجناس الابداعية الاكثر رسوخاً، القصة، الشعر الحكاية الشعبية، المقامة،

ولذا برز هنالك انشغال اخر موصول بالأزمة، انشغال يحيلنا الى جدل البحث عن اطر للنص وملامح لبناه واسسه التعبيرية. وبموازاة ذلك يبرز الحل الاخراجي والرؤى الاخراجية المسرحية التي انفكت تحاكي معطيات المعاصرة وتحولاتها الراهنة، لذا صار البحث عن خصائص تعبيرية ودلالية للمخرج العربي تحدياً حقيقياً باتجاه تأصيل التجربة،

وباتجاه الخروج من اسر النمط والمحاكاة وحتى نقل التجارب المسرحية الغربية في شكلها الاكثر حداثة، نقول صار البحث عن هذه الخصائص التعبيرية هو احد اهم ما يعنى به المبدع ـ المخرج المسرحي اليوم.

ننطلق من هذه المعطيات في استقرائنا لتجربة المخرج والمؤلف المسرحي صالح كرامة.. متوقفين بالدرجة الاولى عند تجربته في تقديم «مسرحية عيناها» ـ تأليفاً واخراجاً من خلال مسرح الاتحاد ومن خلال المشاركة في مهرجان المسرح العربي في الاردن مؤخراً.

ومما لاشك فيه ان تكريس فنان المسرح لخبرته ومحصلاته باتجاهين احدهما اخطر من الآخر هو بحد ذاته تحد للذات، في ايجاد ارضية مشتركة تبرز من خلالها مهارات كل ميدان على حدة: التأليف ـ الاخراج...

بنية النص ـ نسق الدوال

انطلق من النص الذي اتيح لي الاطلاع عليه، فالنص يعنى بنسق تعبيري، ينشغل فيه برؤية وتلمس ما بعد الراهن، ما بعد الأزمة التي تعصف بالذات، انفتاح على تجليات غزيرة، ذاكرة محملة بأثقال من الاحاسيس، ولذا تتأطر الشخصية بنسق حكائي مبثوث عبر تداعيات ما هو آني، بمعنى انها توليدات آنية راهنة، يتماهى فيها النسق الحكائي ويعوّم مع الاحساس بالأزمة الراهنة، تغيّب الحكاية، وتفيض الذات بما بعد الحكاية، بأثر لا مرئي يحرك الذات.

تتأسس بنية النص على فرضيات متعددة: الغياب، الاغتراب، اللاجدوى، الحرمان، الكتمان، العزلة، ووسط هذه المفاصيل الضاجة بما تحتويه من دلالات تتحرك الشخصية ابتداء من ربيع الذي يفصح بدءا عن حاجته للقول، للبوح، للتعبير، للافصاح عن الذات

وبهذا المفتاح سننطلق في الاقتراب من مغاليق اخرى تقودنا الى شعور اغترابي حاد.. (ALENTATION) (كانت بجواري حنجرتي، اتحدث منها بصوت مبحوح وكأنني قد شنقت للتو)، ان الازمة الاولى هي ازمة الذات، هذا الوجود الغامض المقفل، الذي لا يتيح مساحة وافرة لتجليات تلك الذات في عزلتها الراهنة، ولذا سرعان ما تنخرط الذات في بدائل تسقط عليها ابعاد تلك الازمة:

(انها المدينة تدب بالغرباء) تلك الدالة التعبيرية التي تكرس ازمة الشخصية وتدعم النص، فالشخصية تخرج من ازمتها للافصاح عن ازمة وجودية اعمق، انه الهرب من المدينة التي تعج بالغرباء، نكوص ذاتي يحيلنا الى تشظيات الحكاية المفقودة، وربما كان هذا تطميناً بأن هذا النص لا يسير في فراغ بل ان دعاماته التعبيرية قائمة لكنها بعيدة وقد تم تجاوزها لتلمس حقيقة ما بعد الأزمة.

ثم تتجلى صور تتفرع عن تلك الصورة القاتمة: (الغرباء يطاردوننا عبر الطرقات)، فاذا كان هنالك تمهيد للاحساس بالازمة، فان الازمة الحقيقية في استنبات صراع ما، قوة ما ستفتك بالشخصية فتنفتح امامها محصلات اخرى سرعان ما تلتحم مع هواجس شخصية اخرى انه «ذيب» مرآة ربيع ووجوده المقابل، ولذا سرعان ما يفصح عن «وجعه» الانساني:

«ليتني ياذيب امسك بالذي يسمونه الوجع»، انه اسقاط لتلك الهواجس التي لا يمكن السيطرة عليها او الخروج منها «المدينة، الغرباء» بايجاد بديل مقترن بالشكوى والألم وهو «الوجع» الذي هو وجع انساني موزّع على الزمان والمكان.

وما تلبث هذه الاشكالية وهذا الوجود المأزوم ان يكتسب بعده الثالث المقابل من خلال مغنية الاوبرا «شوك» التي تتهيأ للرحيل عن المدينة التي اجتاحها الغرباء.

يذهب «جينيت» الى أن المعطى الواقعي للخطاب هو امتداد لمستويات السرد والتعبير عن الحركات والاحداث والشخصيات، انها بنية دلالية تتمحور بين الخطاب والتعبير..

ومن ذلك نخرج بأننا ببروز الشخصية الثالثة نكون امام المستوى الثالث من السرد المسرحي وبموازاة ذلك فان «الخطاب» قد امتلك خاصيته كنسيج لذات مفكرة وانخرط في نوع من التعبير المكتنز بالرموز والاحالات.

وعند شوك: «نخبو ونغدو شيئاً ماكراً مثل طباعنا، انه شيء قابل للسكر» انها ذات افتراضية، تهويمية، لا تتكامل محصلاتها لانها قابلة للتهشيم ولذا لا يمكن الركون لما يقال بل بتلمس ما وراءه.. «مدينتنا لم تعد تصلح سوى للمعطوبين، يطوقها الغرباء بحزام من الديناميت، سوف يجتاحون المدينة غداً»..

ان دائرة القلق هي التي تؤطر بنية الخطاب، وهي التي تحكم حركة الشخصيات فيما حاولت الخروج من الأزمة، وهذا الوجود المأزوم ما يلبث ان يحيل الى انشغالات عميقة باسقاط كل مكونات النص على اكثر من واقع واكثر من زمن، من خلال بناء انساق انسانية متشابهة تحكي ازمة مشتركة لانسانية مأزومة، ولذا انشغل النص بتتبع «مستوى» التطابق بين افتراضات النص وبين انطباقه على «ذوات» متعددة وازمنة واماكن متعددة. انه «تلوين» تعبيري يحفل به النص المسرحي ويخرج عن اطار الراهن والآني والخاص.

اشكالية العرض: ذاكرة مخرج

تتكامل في اي عرض مسرحي ادوات متعددة، صار المسرح المعاصر وتجاربه تتسابق لبلوغها وبلا هذا التكامل تنشأ الاختراقات والثغرات التي تضعف في بنية النص بهذا القدر او ذاك. ولعل ادوات المخرج السينوغرافية والجسدية والصوتية هي التي تتيح له المساحة الاوفر للتعبير..

ولأن افق التجريب المسرحي واسع ومتنوع فان الحديث عن «وصفة اخراجية سحرية» هو ضرب من الخيال، لكن ثمة ثوابت موضوعية تتيح للمخرج ان يتحرك مفصحاً عن حله الاخراجي.

يتجه صالح كرامة في هذا الحل الى اعتبار النص بتشكلاته المبنية على «الازمة» يفرض ازمة مقابلة في العرض المرئي، او احساساً بالأزمة يجب ان تكشف عنه كل الوسائل والادوات المتاحة.. وقد عني المخرج اولا بوحدة المشهد وامتداده الزماني، وانعدام الفواصل والتحولات الزمانية والمكانية، وتكريس نسق مشهدي متصل تتكشف من خلاله تلك الأزمة الخانقة.

يضاف لذلك انه اختزل البناء السينوغرافي وغزارته المعروفة الى محددات ضيقة للغاية، فالشخصيات تتقاسم جلسة على طاولة عريضة عليها اكسسوارات بسيطة.. واكتفى بذلك..

وبذا ادخل العمل في دائرة ارتكازية قوامها ايصال الخطاب عبر التجليات الحوارية، بمعنى ان الحوار صار الاداة الاكثر اهمية للتغلغل في بنى الحدث ومكونات الخطاب المسرحي، ربما هو وجد في مثل هذا الحل بديلاً.. ولسنا هنا في جدل تقليدي مستهلك قوامه ما هو صح وما هو خطأ. ولكننا نطرح محصلات في بنية الاخراج والنسق التعبيري للاخراج، اذ ان هذا الاخترال الدلالي للسينوغرافيا قد شكل ثقلاً حقيقياً وعبئاً اضافياً على الممثل وتلك قاعدة معروفة

ولذا تتطلب حشداً لطاقة الممثل في التعبير الشفاهي وتنويعه وتشكيله وتنميط الصوت وطبقاته ومستوياته من جهة وحشد للطاقة الجسدية بما تتطلبه «الليونة» الجسدية من مهارات تشغل المساحة المفقودة المرتبطة بالسينوغرافيا.

واذا كان فريق عمل «عيناها» قد قالوا ما عندهم، فقد غابت عنهم رؤيتهم للنص على اساس هذه الحقائق كما يبدو، فتعاملوا بالأخص «ربيع وذيب» معه ـ النص ـ على انه امتداد للمسرح ونصوصه واشكاله التقليدية،

بينما كان المخرج يسعى ـ بتواضع ـ واضح ان يقول اشياء اخرى ويأمل ان يسعفه ممثلوه في الوصول لهذا الخطاب. بينما بدا واضحاً تميز «شوك» واحساسها بمتطلبات دورها، وانها ليست معنية بنمطية الاداء بقدر البحث عن اشكاليات الشخصية، المرأة المأزومة، وقد ساعدتها طبقة صوت مدربة ونوع من الشجن الانساني الذي يجعل منها ممثلة «مونودرامية» ناجحة بكل تأكيد.

وبقي ذلك الرقم المحايد في المعادلة وهو عازف الكمان المجنون، الذي لم يشكل اضافة نوعية بسبب ضآلة ومحدودية اداءه سواء شفاهياً او جسدياً.

خلاصة

لسنا بصدد اطراء فريق «صالح كرامة» ولا لومه، فالمسألة اولا تتعلق بنص محمل بشاعرية كثيفة، يحتاج الى بناء تعبيري يتناسب معه، كتب كرامة نصه بإحساس عميق بالاشياء وبأزمة الانسان، وتنقّل عبر مستويات دلالية متنوعة، تفتح امامه افقاً لمنجز كتابي مسرحي جديد ومتجدد..

اما حله الاخراجي فكما اتضح لنا ان اختزال السينوغرافيا كان حلا جسّد قناعة المخرج لكن الشخصيات لم ترتق لهذا الحل رغم ما بذلته من جهد. لم تحمل «عيناها» صخب الادعاء، بل كانت تجربة اولى ومشاركة اولى بموازاة فرق عربية مخضرمة وكثيرة الاحتكاك.. عيناها ربما تكون منطلقاً لمنجز مسرحي مقبل يتعامل مع التجربة بموضوعية وينفتح على الاراء بإيجابية ليقدم مسرحاً مبدعاً وخلاقاً.