السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  12- 1- 2004

انتولوجيا المسرح الفرنسي الحديث

ترجمة: د. ماري الياس

الناشر: دار المدى ـ دمشق 2002

الصفحات: 535 صفحة من القطع الوسط

ابراهيم حاج عبدي

الكتابة المسرحية عنصر اساسي ومهم في الحركة المسرحية برمتها، لكن هذه الكتابة (النص المسرحي) تتفاوت اهميتها لا كنص مستقل، وانما بالنسبة الى العمليات التراتبية للحركة المسرحية تبعا للمراحل المختلفة ففي بعض الأوقات يكون المؤلف المسرحي سيدا للعملية المسرحية، وفي أوقات اخرى يغيب دوره ويجري الحديث عن «موت المؤلف» مثلما حدث في بداية القرن العشرين حين راحت شخصيات بيراند للو تبحث عن مؤلف. وقد تفاقم هذا التراجع بعد الخمسينيات لصالح نص المخرج في العرض، «وطرأ تغيير على شكل تواجد المؤلف المسرحي الذي رافق المخرج وكتب لصالحه نصوصا بناء على الطلب او انه سمي معدا بعد ذلك»، لكن مثل هذا الامر لم يستمر طويلا اذ احتلت الكتابة المستقلة عن العرض موقعها المهم من جديد وهذا ما تؤكده النصوص الكثيرة التي تصدر في مختلف دول العالم في السنوات الاخيرة، والتي تأخذ شكلا جديدا، واسلوبا مغايرا يتطلبان من المهم قراءتها وتلمس ملامحها بغية فهم التوجه الذي يأخذه المسرح في القرن الجديد الذي بدأ بالكاد،

ولعل المحاولة التي اقدمت عليها د. ماري الياس في كتابها «انتولوجيا المسرح الفرنسي الحديث» (دار المدى ـ دمشق ـ 2002) تنصب في هذا الجانب، فقد قامت بترجمة مجموعة من النصوص الفرنسية الحديثة في محاولة لتقديم رؤية «بانورامية» مدروسة لا تقوم بها حركة الترجمة «فحركة الترجمة لا يمكن ان تكون امينة دائما بمعنى ان تكون شاملة لما يصدر، خاصة اذا لم تكن مبرمجة او نابعة من مشروع محدد، فهي غالبا انتقائية واعتباطية تبعا لرغبة المترجم او لما يمكن ان يتوفر بين يديه، ولهذا تبقى الصورة ناقصة بالنسبة لمن لا يتمكن من قراءة النصوص بلغتها الأم، او بالنسبة لمن ليس لديه امكانية متابعة ما يصدر هنا وهناك» حسب ما تقول المؤلفة مبررة بذلك عملها الذي نحن بصدده.

تطمح الباحثة الاكاديمية السورية من خلال النصوص الفرنسية الحديثة (كتبت اغلبها في الثلث الاخير من القرن المنصرم) الى تعريف القاريء العربي بجزء اساسي من المشهد الاجمالي لمسرح القرن العشرين في العالم وأوروبا بخاصة عبر العناية الفائقة التي توليها لاختيار النصوص بما يؤدي الى هدفها، حيث تسعى الى تقديم ما يشي بالتنوع من جهة وبالتطور الزمني من جهة اخرى، فتبدأ مع مسرح الحياة اليومية ليشيل فينافير، والمسرحيات القصيرة جدا «الدراماتيكول» لصاموئيل بيكيت والتي تعد استكمالا لما هو معروف ومترجم من اعمال هذا المسرحي الفرنسي الكبير.

وبعدها تقدم حالتين خاصتين هما كتاب ولويس كاليفيرت، وهي باهمالها لأسماء اخرى كبيرة وكثيرة لكنها تسير وفق «أهمية تنوع النماذج» فحسب، والتي تكشف لنا عن ملمح يشكل السمة الاساسية للنص المسرحي في الثلث الاخير من القرن الماضي، وهو «التحرر من اية قواعد او اعراف مهما كانت ومنها قواعد العرض الاولية التي تفترض وجود الشخصيات المكتملة والحوار... الخ».

ان النصوص المدرجة في هذه الانتولوجيا هي القراءة وأغلبها ذو طابع ادبي، مختلف عن نصوص المرحلة التي سبقتها والتي بدت نصوصا للعرض قبل كل شيء وعصية على الفهم والقراءة، ومع ذلك فإن النصوص الجديدة «لا تنفي وجود المعنى خاصة على مستوى التفصيل ولا تتجاهل متلقيها بل تطرح اشكالية التلقي على كافة المستويات»، ومع ذلك لا تدعي انها تملك منظورا متكاملا للعالم «فالنص المسرحي لا يختزل العالم او المجتمع ولا يطمح لذلك» على ان هذا لا ينفي وجود رؤية شمولية للعالم في النصوص ولو لم تكن هي المحرك والمحرض الاساسي للكتابة، كما تشير المؤلفة وتضيف: «ان هذه الرؤية تكشف المقصود بعولمة كل اشكال العلاقات الممكنة الاجتماعية منها والاقتصادية والنفسية، والتي تغيب الفرد والفرادة، لان هذه النصوص تسلط الضوء اولا على الانا في جزء منها او انها تصور هذه الأنا التائهة في هذا العالم من دون ان تدري».

وبقليل من العناء يكتشف القاريء ان هذه النصوص موجودة بغض النظر عن المخرج، ما يعني تقويض المسار السابق حيث بدا المخرج سيد العرض عبر تأويله لنصوص كلاسيكية معروفة، او القيام بالتأليف بنفسه او الاعتماد على ارتجال الممثل على الخشبة، ففي هذه النصوص ثمة انعتاق من اشكالية المسرحة التي لا تتحقق حصرا في التوضع في فضاء ملموس، وانما قد يكون فضاء تجريديا بحتاً، ولهذا قد يكون مفتاح قراءة هذه النصوص واخراجها كما تقول د. الياس ـ هو البحث في الشرط الذي يتوضع فيه القول او الخطاب. واللعبة المسرحية هنا تكمن في الأداء الصوتي والنص السمعي في نص يقرب من الشعر. ويبدو العرض كمشهد اقل ارتساما داخل النص من المسرح المعروف لذلك فإن فسحة المرئي في العرض تبقى فسحة بكرا تابعة لخيال المخرج، حسب وصف الباحثة.

ولعله من المفيد الاشارة الى النصوص التي ضمها كتاب «انتولوجيا المسرح الفرنسي الحديث» وهي بحسب تسلسلها في الكتاب: «روبرتو زوكو» لبرنار ماري كولتس، «قصة حب» و«السفر الى لاهاي» لجان لوك لاغرس، «لقاء» لآلان كناب، «منشق، امر بديهي» و«نينا شيء آخر» لميشيل فينافير، «غني، ثلاثة فقراء» لجان لويس كاليفرت، الى جانب مجموعة من النصوص القصيرة لحائز جائزة نوبل صموئيل بيكيت (1906 ـ 1989).

«انتولوجيا المسرح الفرنسي الحديث» تقدم ستة اصوات مسرحية مختلفة ترسم بمجموعها ملامح الكتابة المسرحية في شكلها الراهن، ويمكن القول ـ بقليل من المجازفة ـ بأنها تفتح افاقا لما ستكون عليه شكل الكتابة المسرحية في السنوات القليلة المقبلة. كما انها تتميز بتجاوز القاعدة التي تقول بأن «النص المسرحي لا يقرأ، بل يشاهد» وهنا ربما تكمن مشروعية اصدار هذا الكتاب المهم الذي يردم الهوة بين القاريء وبين توجهات الكتابة المسرحية الحديثة.