السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث 12 - 1 -2004

مسرحية: الحج إلى جزيرة المياه

Mekka     op Waterland

ما زال برشت  يهيمن  على المسرح الأوربي التجريبي

 

ياسين النصير

 

من أعداد وإخراج الهولندية " لوسيان فان املسفورت" وعلى مسرح "زفالتبيدريختنز" ولفترة من 21-24 من حزيران  عرضت مسرحية برشت " عبور المحيط" والتي تحولت في العرض الهولندي إلى " الحج إلى فاترلاند" أي "الحج إلى الأراضي المنخفضة" ويعني ضمنا سفر المهاجرين إلى هولندا، مثلما كان برشت يقصد بمسرحيته " عبور المحيط" اللجوء إلى أميركا. والمخرجة الهولندية التي عملت سيناريو العرض المسرحي بمساعدة من قبل مختصين بمسرح برشت والمسرح الملحميط بينهم  مدربة الرقصات" بولينا ليفكس" والموسقي "خير فان دايك وكيس فان جيت" ومساعد المخرج آنا فان كلاس "  جعلت من المسرحية مقبولة لدى الجمهور الهولندي لأنها أشركت في التمثيل عددا من الفنانين الهواة ومن مختلف الجنسيات اللاجئة إلى هولندا: من تركيا وإيران والعراق والمغرب والصومال وسورينام، وبالطبع من الهولنديين. وميزة الاختيار أن العرض التجريبي هذا يقف على حقيقة واحدة هي أن المسرحية تؤدى في بعض مقاطعها بلغات هذه البلدان مما يعني إن اللجوء إلى هولندا لا يفقد الإنسان لغته الأصلية مع التعامل مع اللغة الهولندية. كما إن المشاهد المؤداة تخضع هي الأخرى إلى اجتهادات الممثلين الذين يشعرون أن بعضا من خصائصهم المحلية يجب توظيفها، وهكذا وجدنا أن النواح التموزي- الكر بلائي موجود في العرض من خلال تشييع جنازة أحد المهاجرين الذي يتوفى في السفينة المبحرة وهي ثيمة عراقية مقترحة من رسول الصغير. كما أن طريقة تقديم الشخصيات تتم من خلال التعامل مع خيال الشخصية المهاجرة وأحلامها، في الكيفية التي كانت هذه الشخصيات تفكر به في السفر إلى الغرب، فما هو الغرب بالنسبة لها؟  وما هي الوسائل التي توصله إليه؟ فشهدنا مقاطع بلغات المهاجرين تتلى على أسماعنا، هي جزء من أحلام محبطة كانت تترافق مع طماح شباب بالسفر إلى بلدان أخرى. وما يخص اللهجة العراقية التي مثلها الفنان رسول الصغير أن الغرب بالنسبة له عالم من المبهمات المقبولة فكان التعامل معه يتم عن طريق قراءة ما في الغرب ثم بعث رسالة بطابع بريدي  محمل بأحلام، علّه يوصل ذاته بذوات مجهولة.

                   تتحدث المسرحية عن مجموعة من المهاجرين  من مختلف بلدان العالم تسلك طريق البحر للوصل إلى هولندا، وهذا بحد ذاته مبدأ إنساني حيث أن مختلف الجنسيات تقصد بلدا آمناً. إلا أن العرض لا يقف عند هذه الثيمة لوحدها، فالطابع الإنساني يغلب على العرض لسبب أن العاملين في العرض من ذوي الاتجاهات اليسارية، الذين ينظرون إلى قضية الهجرة قضية اكبر من كونها المنافسة وتغيير الجنس والاختلاط، خاصة في ظروف عالمية غاية في الدقة والتعقيد. وقد تكون مثل هذه النظرة متساوقة الآن مع العولمة التي ترى في هدم الحدود الجغرافية وهيمنة الأسواق والفكر الأحادي وإلغاء الخصوصيات الأثينية - وهو ما شكل  كل سكان أمريكا وأوربا من جنسيات مختلفة عدا نسب قليلة- هو في المسعى الأيديولوجي لفكر الفئة المتنورة من المثقفين اليساريين الذي يضيفون إلى جانب ذلك الوضع القائم الذي تتعرض له شعوب عدة على يد حكامها المستبدين.

          ولأنهم مجموعة غير متجانسة في الأعمار والاهتمامات كانت المفارقات مادة للعرض، فهناك الرقص والغناء والتنظيف والتآمر البسيط والمعارك الصغيرة والحب الذي ينشأ عفوا والمغازلة، وكلها تؤدى بطابع السخرية والغناء وهي أساليب مقبولة فنيا لطرافتها وسهولة مغادرتها إلى غيرها. مما يجعل العرض منفتحا على أشكال فنية ارتجالية أو مدروسة. وفي الطريق إلى هولندا تقف السفينة في موانئ عدة  ويتعامل اللاجئون مع المواقف بأساليب مقبولة للعرض، كمغازلة فتيات والذهاب إلى المبغي وبيع بعض النساء أجسادهن ، أو المساومات الصغيرة بين اللاجئين، وعندما تحط السفينة رحالها في هولندا، وتبدأ حياة اللاجئ بالاندماج مع المحيط تبدأ المشكلات المعاشية تظهر على سطح الحياة اليومية، ووسط الترحيب والاحتجاج والاعتراض يوظف العرض من يرفض وجود اللاجئين في الأراضي الهولندية بحجة أنهم يقتطعون أجزاء من الدخل الخاص بالمواطن الهولندي، وتوظف المخرجة هذه الثيمة بحوار بين الممثلين وصالة العرض، حيث أن توزع بعض الممثلين داخل الجمهور هو من مفاهيم المسرح الملحمي.

        النقطة الجوهرية في هذا العرض هو انفتاح الشكل الفني على أساليب أداء مختلفة تعتمد القدرات الذاتية والتجريب، وقد وصلنا العرض فنيا  من خلال البناء الصوري والمشهدي الذي اعتمدته المخرجة وهو أسلوب ما يزال يغذي طماح الشباب المسرحي في أوربا، وخلال السنتين الماضيتين عاد برشت للساحة الفنية بقوة.  فقد قدمت في مئويته عشرات العروض  لأعماله الفنية في ألمانيا وهولندا وفرنسا، والعرض الذي نحن بصدده سبق أن شهادته مرتين في ألمانيا ومن إخراج المخرج الأمريكي" ولسن" الذي أعتمد تقنية الطيران فوق المحيط من خلال تعليق الممثل ودراجته في فضاء البحر السماوي، وفي هولندا تجري الآن عشرات العروض التجريبية لمسرح برشت يقوم عليها محترفون بعد أن وصل الفن التجريبي في عروض مسرحية حد القرف من أساليب الجنس والتعري والاعتماد على طاقات الجسد بدون نص معروف.

                 أتخذ العرض شكلا فنيا مقبولا هو التداخل بين الغناء والحوار القصير، بين الحركة الموضعية الفردية، وبين الحركة الجماعية، وغلب أسلوب المخاطبة مع الجمهور على أسلوب التفاعل بين الصالة والعمل، وكلها مفردات برشتيه ما تزال غنية الدلالة في العروض التجريبية .

                      اشترك في العرض المسرحي أكثر من أربعين فنانا محترفاً وهاويا  من مختلف القوميات والبلدان والألوان، وكأن العرض فيسفاء هولندية تشبه التكوين الديموغرافي لسكان هولندا.  الفنان العراقي رسول الصغير وجد فرصة صغيرة في أول الآمر مع فريق العمل لكنها توسعت بعد أن اثبت الفنان قدرته على التعامل مع المناخ الذي تريده المخرجة لعملها، مما يعني أن فنانينا المغتربين يمتلكون خزينا من التعامل مع المسرح الملحمي الاستعراضي جاءوا به من تجارب عراقية مختزنة التجربة والرؤية ليجدوا له صدى في تجارب أوربية شبابية وحديثة.

      على مستوى الأزياء لعبت الملابس المختلفة الأشكال والالوان دورا بارزا في اضهار التباين بين الشعوب، بالقدر نفسه الذي لعبته الحركات وأساليب الأداء الأخرى، فقد وظفت المخرجة الأزياء للدلالة على التلون والخصوصية، مع تطعيم بمناخ وظروف البحر حيث ألبست كل الممثلين سترة نجاة من الغرق. الطابع المكاني الذي كان المؤشر الأكثر على البحر وعلى السفر. وفي جانب الموسيقى كان هناك خلطا بين معزوفات موضوعة ومقاطع غنائية معروفة بدليل أن الجمهور كان يردد بعض مقاطعها وأرادت المخرجة إضفاء طابع الألفة على العرض من خلال إشراك الجمهور في معاناة اللاجئين في سفرهم. والأمر نفسه نشعره في الإنارة التي كانت موظفة بدقة لإظهار التباينات في مستوى خشبة المسرح وملئ الفراغات ببقع لونية عازلة أجزاء من المساحة الكلية. جاعلة منها في مركز البؤرة للمشاهدة ، وتعد هذه الأساليب من مقومات العرض الناجح، بليل أن الإمكانات الفنية لدى المخرجين العرب كانت تعمل بالشكل الفني الذي نراه في عروض مهمة في الغرب.

عموما يصلنا العرض المسرحي من خلال الخبرة التي نحن عليها في التعامل مع برشت، ومن خلال اشتراكنا جميعا في التعامل مع قضية إنسانية نحن صناع أطراف منها. وعندما يصل العرض وهدفه إلى الجمهور الذي تعاطف مع المسرحية من خلال تزاحمه الملفت للنظر بعد لوحد نجاحا للعرض.