السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  5 - 1 - 2004

في انتظار جودو،الدراما التي نسفت والشعر الذي اطلق

بقلم: أديب كمال الدين

تبدو مسألة الانتظار في مسرحية الكاتب الايرلندي الشهير صموئيل بيكيت (في انتظار جودو) هي كل محتوى مسرح العبث. انه موضوعته الأساس، بل روحه بعبارة أدق. ومرد كل هذا، ان الانتظار بحد ذاته عبث حقيقي خالص لاتشوبه شائبة، خاصة عندما يكون الشيء المنتظر لاوجود له أصلاً أو لامعنى له، بل لا هيئة له.

فمن هو جودو هذا؟ أهو المنقذ، أم الشافي أم من يجعل الحلم حقيقة؟ من هو؟ أهو الأمل، الفرح، السعادة؟ أهو الموت، الفراغ، اللاجدوى؟ من هو هذا القادم الذي يقضي أبطال بيكيت حياتهم في انتظاره دون جدوى، وسط يأس كامل، وطبيعة جرداء: أهو الطفل الذي جاء لهم بعدة أخبار متناقضة، مرة يقول انه سيجيء، ومرة يقول انه لن يجيء اليوم؟ أهو (بوزو) القوي المستعبد لـ (لاكي) المستعبد الراضي باستعباده؟ من هو جودو: أهو الزمن الذي يحطم البشرية شيئاً فشيئاً، ويقودها، وهي ساهمة لاهية، لتشرب من كأس الموت؟ أم هو العبث: حيث لاشيء يحدث ولا أحد يجيء ـ كما تقول المسرحية ـ وحيث باطل الأباطيل باطل؟ ولماذا لايجيء أبداً؟ ان لغزية هذا القادم الذي لايجيء أبداً وسريته وغرائبيته وابهامه المطلق قد ألقى بظلال عميقة على مسرح صموئيل بيكيت (1906 ـ 1989). فهو، أي جودو، قد نسف تقاليد الدراما المتعارف عليها، مثلما نسف تقاليد الحوار وتطور الحبكة المسرحية وصولاً الى الذروة. هنا الحوار مقطوع، مبهم، مرتبك، لايوصل رسالة ما، أي رسالة كانت. والمتحاورون لا يقولون شيئاً مفيداً. ربما لأن فاجعتهم، أعني حياتهم (التي هي حياتنا دون أدنى شك) أكبر من أن توصف، وأكبر من أن يعثر لها على حل شاف. هكذا نراهم يتحدثون فقط، لتمضية الوقت انهم يتحدثون عن أي شيء كان ليقتلوا الصمت. فالصمت مرعب وسط طبيعة جرداء، والانتظار أكثر رعباً.

يقول مارتن اسلين في كتابه (دراما اللا معقول ـ ترجمة صدقي عبدالله حطاب): عندما ظهرت مسرحيات بيكيت ويونسكو وجنيه وأداموف على المسرح لأول مرة حيرت معظم النقاد والمشاهدين وأثارت سخطهم. ولا عجب في ذلك إذ ان هذه المسرحيات تهزأ بجميع المعايير التي ظلت تقاس بها المسرحية قروناً كثيرة. ومن هنا لابد أنها تظهر كأنها تتحدى الناس الذي يؤمون المسرح وهم ينتظرون ان يجدوا أمامهم عملاً يدركون انه مسرحية محكمة الصنع. ويتوقع في المسرحية محكمة الصنع ان تقدم شخصيات دوافعها مقنعة وتصويرها صادق. أما هذه المسرحيات فهي تجيء، في الغالب، خالية من كائنات بشرية يمكن التعرف عليها، تقدم على أفعال خالية من الدوافع تماماً. وينتظر أن يجيء الاقناع في المسرحية محكمة الصنع عن طريق حوار ذكي ومنطقي البناء. ولكننا نجد في بعض هذه المسرحيات حواراً يبدو وكأنه ينحدر الى مستوى الثرثرة التي لا معنى لها. ويتوقع ان يكون للمسرحية محكمة الصنع بداية ووسط ونهاية حبكت ببراعة. أما هذه المسرحيات فانها تبدأ، في الغالب، عند نقطة متعسفة، وتبدو وكأنها تنتهي بشكل اعتباطي أو تعسفي. فإذا قسنا هذه المسرحيات بجميع المقاييس التقليدية في التذوق الأدبي للمسرحية نجدها ليست رديئة بطريقة مقيتة حسب، وانما لاتستحق اسم الدراما. اذن، اذا لم تكن المعايير النقدية في المسرحية التقليدية لاتنطبق على هذه المسرحيات، فلابد ان هذا يرجع الى اختلاف في الغاية، والى استخدام وسائل فنية مغايرة، وباختصار لأن هذه المسرحيات كانت تبتدع وتطبق تقليداً مسرحياً مغايراً. فكما انه لامعنى لشجب لوحة تجريدية لأنها تفتقر الى المنظور أو مادة موضوع يمكن التعرف عليها، فكذلك لامعنى لرفض مسرحية: «في انتظار جودو» لأنها تفتقر الى عقدة يعتد بها. ان فناناً كموندريان، عندما يرسم صورة من مربعات وخطوط، لايريد ان يصور شيئاً في الطبيعة، ولايريد أن يبتدع منظوراً. ومثل هذا يقال عن بيكيت عندما كتب مسرحية «في انتظار جودو» فهو لم يرم الى حكاية قصة، ولم يرد أن يعود المشاهدون الى بيوتهم قانعين بأنهم عرفوا حل المشكلة التي طرحتها المسرحية، ومن ثم فلا داعي لتأنيبه على عدم قيامه بشيء لم يسع اليه أبداً.

اذن، فأن اللغزية المطلقة لجودو الذي لا يجيء أبداً أدت الى نسف تقاليد الدراما التقليدية، ونسف مبدأ حدود الشخصية وملامحها ونموها، ونسف الحوار ورسالته، ونسف مبدأ تطور الحبكة الدرامية.

ولابد لكل ما نسف أن (يوضع) مكانه شيء جديد يعوض ما ضاع أو فقد أو اختفى. هكذا استخدم الشعر هنا بقوة. فالكثير من مقاطع (في انتظار جودو) يمكن اقتطاعها، لتتحول ببساطة شديدة الى قصيدة حديثة. انها المقاطع التي نرى الحوار فيها يتجاذبه بطلا المسرحية: فلاديمير واستراجون. وكذلك المقاطع التي يتقاطع فيها فلاديمير واسترجون في حوارهما، حيث لارسالة تتداول بينهما، لا معنى ولا اشارة. انه حديث فقط لتزجية الوقت وقتل ما يتولد من هذا الوقت من مخاطر لاتحصى.

وأحياناً يتطور شكل القصيدة الحديثة في هذه المسرحية، لتظهر لنا، أي القصيدة، بهيئة دمدمة بشرية خارقة أو هذيان آدمي رهيب ذلك الذي يطلقه بطل المسرحية (لاكي)، انه هذيان يفصح عن خواء البشرية المطلق ووصولها الى درجات أقل من الصفر بكثير. ان ما قاله (لاكي) هنا، يمكن اقتطاعه، ونشره كقصيدة منفردة فيها الكثير من ميزات الشعر وملامحه. فيها التوتر والانطلاق العنيف نحو قول الحقيقة بطريقة جمالية مذهلة، وفيها بالطبع الانزياح الشعري الكبير.

يقول مارتن اسلين: بينما تهتم معظم المسرحيات التقليدية في الدرجة الأولى بحكاية قصة أو توضيح مشكلة فكرية، ومن ثم يمكن اعتبارها صورة قصصية أو استطرادية من الاداء، نجد ان مسرحيات «دراما العبث» قد قصد بها في الدرجة الأولى ان تنقل صورة شعرية أو نمطاً معقداً من الصور الشعرية، وهي فوق هذا كله شكل شعري. ان الفكر القصصي أو الاستطرادي يسير بنهج جدلي ومن ثم يجب ان يفضي الى نتيجة أو رسالة ختامية، ومن هنا كان ديناميكياً ويسير طبقاً لخط محدد من التطور. أما الشعر فيهتم، قبل كل شيء، بنقل فكرته الاساسية أو بالجو أو بكيفية الوجود.

ورغم كل هذا النسف لتقاليد الدراما المتوارثة، فإن مسرحية «في انتظار جودو» تبقى تحمل في داخلها الكثير من الترقب والتوتر. يحدث هذا رغم سكونية الاحداث، وابهام الحوار، وارتباك الفعل المسرحي برمته، وهو المتأتي من «ارتباك» العالم، واللغة، والعقل، والمنطق، ومفهوم المنقذ في عقل صموئيل بيكيت الذي يعتبر من أهم كتاب المسرح المعاصرين وأعمقهم انجازاً وبخاصة في هذه المسرحية التي تعتبر أفضل أعماله وأشهرها على الاطلاق.

يقول مارتن اسلين: ان الموقف في المسرحية يظل ثابتاً، وما الحركة التي نراها الا تفتيح للصورة الشعرية. وكلما ازدادت الصورة غموضاً وتركيباً ازدادت عملية كشفها تعقيداً وجاذبية. ولهذا فإن مسرحية كمسرحية «في انتظار جودو» تستطيع ان تولد ترقباً وتوتراً درامياً بالرغم من انها مسرحية لايحدث فيها ـ بالمعنى الحرفي للحدث ـ شيء. بل هي مسرحية وضعت لتظن أنه لايمكن ان يحدث شيء أبداً في الحياة الانسانية. ولانستطيع أن ندرك النمط العام للصورة الشعرية المعقدة الذي نواجه به الا عندما تقال السطور الأخيرة وتهبط الستارة. فإذا كنا في المسرحية التقليدية نجد ان العمل يتحرك من نقطة (أ) الى نقطة (ب) ونظل نسأل على الدوام: «ما الذي سيحدث بعد هذا»، فإننا هنا نصادف عملاً يتألف من التفتيح التدريجي لنمط معقد ونتساءل معه: «ما هذا الذي نراه! ماذا ستكون عليه الصورة الكاملة عندما ندرك طبيعة التكوين أو النمط».

هكذا، اذن، بدت مسرحية «في انتظار جودو» مسرحية اللاقول، ويراد منها أن تقول شيئاً، ومسرحية اللافعل، ويراد منها ـ ومن المسرح عموماً ـ ان يفعل شيئاً لينير لنا ظلمات الحياة وخواءها واضطرابها وقلقها. انها مسرحية اللامنطق في عالم يتظاهر بالمنطق وفي داخله فوضى مرعبة. انها مسرحية اللامسرح التي أصبحت المسرحية الأشهر في العالم!