|
الدكتورة هدى وصفي: ارفض ان نكون
عالماً
ثالثاً وسلاحنا اليأس
حوار: أمنية طلعت
الدكتورة هدى وصفي من اعلام المسرح المصري، امضت حياتها بين اروقة
المسارح وصفوف المشاهدين، ترصد حركته وتدرسه بعناية داخل مصر وخارجها
تدرسة في جامعة عين شمس ثم في اكاديمية الفنون المصرية حتى حانت اللحظة
التي استطاعت فيها ان تنفذ كل النظريات المسرحية التي درستها وقامت
بتدريسها على ارض الواقع وتخرج كل احلامها التي اختزنتها بداخلها الى
النور لتصير واقعاً مسرحياً متنامياً يخلق حالة جديدة تجدد الدم المسرحي
المصري بعد فترات ركود طويلة.
ومازالت حتى
الان تعمل بروح الشباب وتجربة المخضرمين في مركز الهناجر والمسرح القومي
اللذين ترأسهما حالياً.. ولا تتوانى الدكتورة هدى وصفي لحظة في المساعدة
بخبرتها المسرحية في اي بلد عربي، وهي دائما تعيش بالامل ولا تفقده ابداً
على ان المسرح العربي سينمو ويصير فتياً بأبنائه.
وفي حوار معها
تحدثت عن المسرح في الامارات قائلة: في البداية احيي واثني على الهم
المسرحي الذي يحمله حاكم الشارقة في الوقت الذي عادة ما تكون فيه السلطة
مهتمة اكثر بالنواحي السياسية والاقتصادية التي تستغرقها اكثر من النواحي
الثقافية، لذلك اوجه تحية خاصة لحاكم الشارقة الذي يوجد الوقت للكتابة
والحث والتحريض الثقافي وعلى الوعي الادراك والانتباه للمخاطر التي تحيط
بالامة العربية ومحاولة ترجمة هذا في نصوص مسرحية بعيداً عن الخطابة
والمباشرة، فاهتمام الجهات الرسمية بالمشاريع الثقافية يساعد على نموها
وازدهارها تماماً مثلما فعلت سوزان مبارك لدينا في مصر فاهتمامها بمشروع
الكتاب (القراءة للجميع) اعطاه دفعة قوية.. لذا فانني ارى بعد ما كنا
نقول انه ليس على المبدعين ان ينتظروا الدولة باستمرار وان يبحثوا عن
الدعم في نفس الوقت، وتكون لديهم باستمرار مبادرات للكفاح لأن المسرح في
الحقيقة من الاشياء التي لابد من الحفاظ عليها مهما كانت الظروف
التكنولوجية والآليات الابداعية الجديدة والتي تضعف المسرح وتجعله شاحبا
امام اي ابهار تلفزيوني او يقدم في الفضائيات، لكن انا اقول اننا لا يجب
ان نستسلم لما يقال عن ان المسرح ضعيف او شاحب.. لأنه بالرغم من ان رواده
لا يتمتعون بالقاعدة الشعبية العريضة مثل باقي وسائل الاعلام الاخرى
ويكون هناك تخوف منه لأن الكلمة تصل الى المتلقي في نفس اللحظة ساخنة
ومتوهجة، برغم كل ذلك لابد ان يستمر لأنه اداة تحريض واداة توعية وادراك.
وتضيف
الدكتورة هدى قائلة: كون امارة مثل الشارقة تهتم بهذا البعد وتدعم فرق
هواته ولديها فكرة تكوين موسم مسرحي يستطيل طوال العام.. هذا الاهتمام
وما شاهدته من عروض يدل على وعي مسرحي جيد، وان هناك مرحلة تم قطعها،
فشغلهم يدل على وجود ممارسة جيدة وعلاقة بالسينوغرافيا وتحريك الممثلين
ويدل على وجود جهة ومعرفة تامة بالمسرح وواضح ان مهرجان المسرح بالشارقة
استطاع ان يستفز الهم ومهما كان عدد المهتمين بالمسرح ليس كبيراً فهذا
غير مهم لأنه حتى لو هناك فكرة او دعوة روحية او ايديولوجية يعتنقها واحد
او اثنين فستنتشر بعد ذلك، لذا لابد ان ألا نستهين بقلة العدد لكن يجب ان
نقف وراء هذه العملية الابداعية ونقف وراء آلياتها وما ينقصها وماذا
تحتاج وهذا ما يجب ان نكون على وعي به.. ان هذا النشاط الموجود في
الامارات يعد وضعاً طبيعياً لحاكم مثقف ومستنير عرف ان اداة التغيير تأتي
من الفكر والادراك والاحتكاك، كل هذا كان في وعي الحاكم لذلك فإن تجربة
المسرح في الشارقة حتى لو كان فيها بعض العثرات والسلبيات فانها تجربة
مكتوب لها النجاح وهي بالفعل بدأت تجني ثمار هذا النجاح وارجو لها ان
تستمر وأن يتكاتف المبدعون مثل المسئولين لكي يقفوا وراء تجربتهم.
مسرح عربي
حقيقي ـ يردد بعض المسرحيين العرب اننا لسنا لدينا مسرحاً حقيقياً في
الوطن العربي ونطالب ببدء تأسيس مسرح عربي الان.. ما تعليقك وهل المسرح
العربي مات وعلينا ان نحييه؟ ـ يحضرني هنا ما حدث بيننا وبين بعض
الاصدقاء من تونس حيث نستضيف في الهناجر الكثير من المبدعين العرب وكان
آخرهم المخرج العرافي قاسم محمد.. فكان لدينا مجموعة من الاصدقاء
التوانسة وفي هذه البلد يوجد مسرح متميز وقوي فسألت واحداً منهم لماذا
تهتمون بالمجيء الى مصر ولديكم مسرحاً قوياً فقالوا لي (عندنا في تونس
مبادرات فردية اما لديكم فيوجد بنية تحتية ومسرح متجذر في المجتمع وله
تقاليد ممتدة من سنوات طويلة) لذلك بالرغم من الشحوب الحالي لبعض الاوضاع
ليس فقط التي تمس المسرح لكن تمس المنطقة كلها بسبب تداعيات حرب الخليج
والانتفاضة وعدم التوصل الى الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني وبسبب بعض
الازمات الاقتصادية ايضاً، والمسرح لا ينقطع صلته بكل ما سبق فهو يأتي في
سياق اجتماعي، فالمسرح هنا والان وانا وانت نشتبك مع القضايا الراهنة ولا
يمكن ان نكون بعيداً عما يحدث، وقديماً كان يقال ان المسرح مرآة للشعوب..
بالتالي اعتقد ان التجربة المصرية مع ما يعتريها احياناً من نوبات ضعف
فهي ممتدة ومتجذرة في الواقع المصري وربما ايضاً السينما التي يطالها
الكثير من النقد وعدم الاحساس بجذورها، مؤخراً وعلى سبيل المثال قال
المخرج السينمائي السوري محمد ملص في حوار له في مجلة روزاليوسف (لنرضى
او لا نرضى تعبت كثيراً من البقاء دون عمل فيلم لمدة عشر سنوات فأتيت الى
مصر لأنه مهما قلنا فإن هناك بنية وتقاليد لعمل سينما اياً كان رأينا في
هذه السينما).. هناك عادة ما يحدث نوع من الانتقاد المستمر داخل مصر
للمسرح والسينما بشكل احياناً حاد وغير عادل، فالدولة مؤخراً دعمت عدداً
من العروض المسرحية برغم كل الظروف المضادة.. لكن برغم ذلك نجد هجوماً
شديداً على المسرح.. اننا اعتقد ان في مصر تقاليد مسرحية مهما تكلمنا عن
ظروف صعبة فهناك مسرح وابداع حقيقي وصيغ مسرحية جديدة تتشكل وشباب يعي ان
المسرح قيمة في حد ذاته يسعى اليها، واعتقد ان هذا الافراز بدأ يتبلور
على الساحة فهناك جيل تسلم من السابق عليه وهذا تسلم من جيل يسبقه وهكذا،
لذا فالتحدث عن التجارب المسرحية على انها شجرة وسط صحراء فهذا كلام غير
حقيقي بدليل وجود تقاليد مستمرة لا نستطيع في كل مرة نبدأ فيها مشروعاً
نقول سنبدأ من الصفر متجاهلين هذه التقاليد ولا يفعل ذلك سوى الدول غير
الواثقة من نفسها انما الدول التي تعرف قدرها وحضارتها وثقافتها يعنيها
اكثر ان تعترف بمن سبقها والذي لا يعترف بمن سبقه ما هو الا شخص مهزوز
ليس له اي جذور في مكانه ولا في اي مكان اخر.. وهنا استعين بمصطلح نيتشه
(من ليس له ذاكرة ليس له مستقبل) وانا اعتقد انه ايضاً ليس له حاضر..
ونأخذ على سبيل المثال (مسرح الطفل) لولا رغبتنا ان يكون هذا الطفل سوياً
ومواطناً صالحاً وان يعمل بجد واجتهاد من اجل رفعة شأن وطنه لما فكرنا في
مسرح الطفل فاننا نعلم انه عندما نعد الطفل فاننا نعد المستقبل، اذن كل
شيء يبدأ من البداية، لذا فاننا عندما نتكلم عن الحاضر لابد ان يكون
لدينا ماض نستقي منه بعض المعلومات وبعض الاشياء ولا نترك الاشياء التي
اصبحت ليست قادرة على المنافسة.. ما معنى استخدامنا للتراث لانه هو البحث
عن العناصر التي احتفظت لنفسها بطوابع حقيقية او فاعليات او ديناميكيات
حقيقية واستمرت وعبرت الازمنة وبالتالي هذا هو استخدام التراث، بمعنى انه
ليس قطعة مع الماضي ولكنه حوار مع عناصر استطاعت ان تصمد مع الزمن
وتعالوا عندما نتأمل اعمالاً ابداعية للفارابي او الجرجاني السيوطي،
هؤلاء قادرون على محاورة الحاضر ويمكن التعامل معهم.. وتحضرني الان مقولة
عبدالله العدوي (ان الغرب يدفعنا دفعاً الى البحث لتقديم اعمال فلكلورية
وانا اعتقد ان هذه هي الثقافة الميتة التي نقدمها لثقافة حية حتى تتفرج
عليها) ففعلاً الفلكلور يجب ان نستخدم فيه العناصر التي يمكن ان تحاور
الواقع وتؤدي الى تجاوز الواقع الى مستقبل افضل وهنا يحضرني مصطلح ادوار
الخراط عندما اشار الى شعراء السبعينيات وقال (حساسية جديدة) في كل عصر
استخدم هذا التعبير لأن هناك حساسيات لكل مرحلة وهناك طرق تعبير وفرجة..
وعندما نتكلم عن الصورة وعن النص المرئي ولا مناص من الحديث عن هذه
الامور، لكن ما قولكم ان هناك صورة نسميها الصورة المفترضة وما قولكم ان
هذه الصورة ليس لها اي وجود في الواقع وانما هي من صنيعة الكمبيوتر هذا
ايضاً واقع فرض علينا ولابد ان نتعامل معه.. اشياء كثيرة فرضت علينا ولا
نستطيع الا ان نتعامل معها بقولنا مثلاً اننا لم نعد انفسنا جيداً
للعولمة، ولتملك ادوات المعرفة التي تدفعنا للتعامل مع هذه العولمة علينا
ان نعيد حساباتنا مع الكتلة ونواجه الاخر ليس بدونية ولكن بندية مع
الاعتبار بأن الثقافة ليس فيها سبق، هذا موقف وهناك موقف اخر اننا نلوذ
بالماضي ولا نريد ان نرى حاضرنا او مستقبلنا برغم استخدامنا لكل المنتجات
المادية لهذه العولمة من ادوات واتصالات، لذا لابد ان نتعامل مع الواقع
ونكون اقوياء ونعرف ما لدينا وما لدى غيرنا.. وهنا في الشارقة لاحظت
اهتمامهم بما سبقهم من مسرح في مصر والعراق والكويت واعتقد ان هذا مهم
لتحقيق التقدم والانجاز.
المسرح
التجاري والدور الاعلامي ـ هناك قضية تناقشها كل بلدان الوطن العربي
تقريباً وهي طغيان المسرح التجاري على المسرح الجاد.. ما رأيك؟ ـ طبعاً
اعتقد ان هذه حملة اعلامي لا ادري من وراءها؟.. الرغبة في تحطيم كل ما هو
جاد وانا لست من انصار عقلية المؤامرة، لكن كل ما اعرفه اننا لا نستطيع
ان نجبر الصحافة ان تكتب الحقيقة الا اذا كانوا يريدون هذا وفي اكثر من
مرة طالبت الصحافة المصرية ان تكف عن الطرق على رأس المسرح المصري لأنه
قلعة للثقافة ولا نستطيع ان نستهين بها ولدينا في الاستبيان الصادر في
كتاب من جزءين اصدره المركز القومي للبحوث الاجتماعية باشراف الدكتورة
سهير لطفي والدكتورة نسرين بغدادي ما يدل على ان المسرح الجاد مازال له
جمهوره الذي يجد فيه ما يمتعه ويفيده في نفس الوقت وهناك اجوبة من
العينات التي تم اخذها من جمهور المسرح المصري سواء الخاص او العام، ما
يضحض كل ما يقال عن طغيان المسرح التجاري.. نفس الشيء يقال عن السينما
المصرية التي اتهموها بأنها تجارية ودمرت القيم الاخلاقية لكن السنيما
المصرية كانت لفترة طويلة ذاكرة للمنطقة، كون هناك تجاوزات في مرحلة من
المراحل قد تعود الى تجاوزات وتراجعات سياسية وسواد روح الاحباط والهزيمة
التي سيطرت على صناع المسرحيات او الافلام، او ربما استجابة الى جمهور
معين قدمت له هذه الاعمال وروجت له بعض النجوم والافلام التي انساقت وراء
هذا الامر.. انا اعتقد ان صوت المسرح التجاري اعلى لانه عادة يلجأ الى
النجوم وان كنا في المسرح القومي نلجأ الى النجوم ايضاً وانا خلال تجربتي
في خمس سنوات مع المسرح القومي قدمنا 38 مسرحية وهذا ليس في قدرة القطاع
الخاص الذي يقدم المسرحية وينتظر حتى تؤتي اكلها، اما مسرح الدولة فهو
الوجه الاخر للتعليم وللثقافة عموماً وعليه دور ورسالة وهذه الرسالة
تتمثل في تقديم وجبة من الفكر سواء العالمي او العربي او المحلي للمتلقي
حتى يمعن النظر فيها ويقارن بين فكر وفكر ومراحل تاريخية ومراحل اخرى وكي
يستفيد من هذا العطاء الفني الذي يكون اكثر قدرة على النفاذ الى وجدان
المتلقي من الوعظ المباشر او الارشاد او البرامج الموجهة، هذا السلاح
الجميل وهو الفن سلاح فعال عندما يحسن استخدامه، وقد تم استخدام هذا
الامر بشكل جيد للغاية من خلال المسرحيات التي قدمت على خشبة المسرح
القومي واذكر منها مسرحيات لأحمد شوقي ولألفريد فرج ولينين الرملي وسعد
الله ونوس والمسرح العالمي بيراند للو ومن مسرح الستينيات محمود دياب
وهكذا قدمنا لبريخت ولهارولد بنتر ومسرحيات لشخصيات لم تقدم على المسرح
المصري من قبل مثل ميلان كونديرا وادوارد بوند.. وبالتالي المسرح له
رسالة ورسالته ان يقدم بانوراما من الفكر العالمي سواء الفكر الذي اصبح
تراثاً عالمياً او الفكر الكلاسيكي والفكر الذي يثير الجدل او فكر استفاد
من التراث ووظفه بشكل فاعل مع المعاصرة، كل هذا قد قدمناه على مدى خمس
سنوات في المسرح القومي ولنا ايضاً تجربة في الهناجر تعد رائدة اعتبرها
اليونسكو من التجارب النشيطة في جنوب المتوسط وقد احتفلنا في ديسمبر
الماضي بمرور ثماني سنوات على بدايته، فكان ان كرمنا باعتبارنا من انشط
المراكز الثقافية في جنوب المتوسط بعد ان وضعنا في كتابه عام 1998.. ولا
نغفل مهرجان المسرح التجريبي الذي كسر حالة ركود كانت سائدة في المسرح
ومهما كان لنا من وجهات نظر مغايرة لما يقدم من اعمال مسرحية الا انها في
النهاية اعمال تجريبية لها ما لها وعليها ما عليها.. وهناك ايضاً ايام
قرطاج المسرحية وللأسف كان هناك مهرجان دمشق التي حجبته الظروف السياسية
وكذلك مهرجان العراق.. لكن رغم كل شيء فهناك في المنطقة العربية مسرح
حقيقي له جذوره ومبدعوه ومخرجوه وفنانوه وممثلوه على اعلى مستوى، لديهم
قدرات يناقشون بها القدرات العالمية.
انصراف
الجمهور عن المسرح ـ لكن قضية عدم اقبال الجمهور على المسرح بشكل كبير
مثلما كان في السابق مسألة حقيقية بماذا تعلليها؟ ـ الحقيقة انا لا
استطيع تحديد الاسباب لأني لا اعاني من هذه المشكلة في المسرح القومي او
الهناجر، فالحقيقة ان الهناجر استطاع ان يخلق جمهوره، فالناس تأتي دون ان
تسأل عن النجم فالجميع يتصلون ليسألوا عن اسم المسرحية فقط وبشكل منتظم،
اما المسرح القومي فله جمهوره الذي مازال يحافظ على تقاليده ولم يفقده
بعد.. نعم المسرح فقد الجمهور في مرحلة سابقة ولكن الان هناك بالفعل
جمهور منتظم والمسألة ليست بسبب غلاء في اسعار التذاكر فسعر التذكرة في
الهناجر بين اثنين وخمسة جنيهات والقومي اغلى تذكرة ثلاثين جنيها، كما
اني عقدت بروتوكولاً مع الجامعات لتحديد سعر موحد للطلبة وهو خمسة جنيهات
فقط وكذلك تخفيضات لاعضاء النوادي تصل الى خمسين في المئة وكل هذا يجعل
الناس تقبل، وحماني أنا من ندرة الجمهور.. احياناً يحدث عدم اقبال وذلك
لاسباب خاصة اهمها هجوم الصحافة غير المبرر على بعض المسرحيات.
ـ كيف يمكن
الاستفادة من تجربة الهناجر لتطبيقها في بلاد عربية اخرى؟ ـ الحقيقة ان
الهناجر الذي تم افتتاحه في نهاية 1992 جاء ليلتقي بمسألة يسمونها في علم
التلقي (افق انتظار) فتلاحم مع هذا الافق.. كان فكرة مخاض وضغط وتراجع
بالرغم من اننا نمر مرور الكرام على السبعينيات والثمانينيات بفرض ان ما
تم فيها لا يستحق الوقوف عنده، الحقيقة انه كان هناك تجارب جيدة وكانت
هناك جماعات مسرحية بدأت تتشكل وكان هناك تجربة نجيب سرور الهامة جداً،
كانت هناك اشياء كثيرة نمر عليها مرور الكرام يمكن بسبب سيطرة التيار
الستيني على المسرح والابداع، لذا فالهناجر سبقها ارهاصات ومحاولات وصيغ
مسرحية بدأت تتشكل وهي موجودة على الساحة ولكن بشكل غير واضح لأنه لا
يوجد فراغ مسرحي، لكن ما حدث ان وجود المهرجان والذي سبقته اول ندوة نشرت
في اول عدد من مجلة (الفن المعاصر) التي تصدر عن اكاديمية الفنون وكانت
بعنوان (التجريب).. وبعدها بشهور بدأت اول دورة للمسرح التجريبي 1988
وبعدها عام 1992 تم افتتاح الهناجر.. كانت عملية اشبه بالتراكم الافقي
الذي تحول في الهناجر الى تراكم رأسي.. وطبعاً كان لابد ان تواجه تجارب
الهناجر صراعاً مع الاخرين واشبه بما حدث في فرنسا في نهاية القرن السابع
عشر من صراع بين القدامى والمحدثين.. لذلك فالمسألة دخلت فيها صراعات
بسبب عدم تقبل التيار السابق الراسخ للتيار الذي يبحث لنفسه عن مساحة.
المسرح يحتاج
لفكرة ـ هل هذه التجربة تحتاج لمسئولين وتدعيم من الدولة؟ ـ هي تحتاج
لفكرة.. ما الذي نريده من المسرح هل نريد تجديداً ام ترسيخاً ام تعليماً،
ما السياسة او ماذا يريد بلد ما من المسرح، هل نريد ان يكون اداة توعية
وادراك ام اداة تسلية ام مناسبات، لكن بلداً تنظر للمسرح على انه الوجه
الاخر للثقافة وكيان يواكب العملية التعليمية مع البعد الترفيهي مثلما
قال موليير ان المسرح لابد أن يفيد ويمتع، فأغلب المسرحيات تصيب احياناً
بالملل.. اذن فالمسألة هي ما نريده من المسرح مع الاعتبار ان المسرح يعلم
الحوار فمن ميزاته الاساسية التعددية، فلغة المسرح لغة مفاوضات واقناع
رأي ورأي اخر ومقارعة حجج بأخرى، كما من الممكن ان يكون عن طريق الجسد
فلغة الجسد تعني اليماءات وكتلته وشغله لحيز فضائى في الوجود.. وكتاب (الاساطير)
لرولان بارت يوضح ان اي اشارة في الحياة اليومية تترجم لمعنى ما.. وطبعاً
المسرح يعلمنا علم العلامات والسينوغرافيا، المسرح مدرسة كاملة.. اذن ما
نريده من المسرح شيئاً مهماً جداً وطبعاً الهناجر حظت بحدث مهم وهو اصرار
وزير الثقافة على ان يفتتحها الرئيس مبارك حيث اقنعه بأنه بذلك يفتتح
مفهوماً جديداً للثقافة وهذا دعمنا كثيراً.. الهناجر لم تبدأ كتيار مسرحي
جديد فقط ولكن قدمت جيل ادباء التسعينيات وتياراً جديداً من الموسيقيين
والتشكيليين وأحدثت مزاوجة بين الفنون، اي انه تيار شمل كل الفنون
بالاضافة الى تقنيات المسرح فقد اعتمد الهناجر صيغ الورشة والوعي
والادراك ليس ليقدم نتائج نهائية بأعمال بقدر ما يقدم عملية توصيل كيفية
عمل الشيء ليس مهماً ان تقدم عرضاً مسرحياً فالطبيعي ان العرض المسرحي
تجري له عدة بروفات ثم تعرض لفترة طويلة لكن في الهناجر تستمر الورشة
شهرين او ثلاثة لتعرض لمدة يوم او اسبوع فقط أو لا تعرض نهائياً فالورشة
تعلم الابعاد الفكرية والفلسفية والتنظيرية.
تجربة ادارة
مسرحين ـ انت تجمعي الان بين ادارة الهناجر وادارة المسرح القومي، رغم
اختلاف توجهاتهم المسرحية فكيف استطعت التوفيق بينهما؟ ـ لا يوجد اختلاف
فعندما ننظر الى الكوميدي فرانسيز سنجد فيه المبنى الذي يقدم الريبوتوار
الفرنسي العالمي وهناك ما يسمى باستوديو الكوميدي فرانسيز يقدم التجارب
الجديدة بالعناصر الجديدة وهي عناصر تعد تجريدية على اساس ان هذا الرافد
الطبيعي لأن ما هو تقليدي الان كان تجريبياً في يوم من الايام وبالتالي
لا يوجد اختلاف، فالهناجر تقدم تجارب جديدة والقومي يقدم اشكالاً قديمة
ولكن ما يحدث في الفنون ان التجارب الجديدة لا تلغي القديمة مثل الابداع
الادبي، فميلان كونديرا لا يلغي ارسطو وعلى سبيل المثال عندما قدمنا (ارض
لا تنبت الزهور) و(طقوس الاشارات والتحولات) طالبوني بنقلها للمسرح
القومي.. اريد ان اقول انه لا يوجد تعارض بقدر ما هناك تجارب جديدة قد لا
تلقي القبول في البداية واحياناً تسيطر عليها روح الهواية يستحسن ان توضع
في هنجر لحمايتها ونحن نحمي تجارب الشباب حتى ترى النور، فممكن ألا يكون
ملائما ان نضعه في المسرح القومي، لكن فيما بعد يمكن ان نذهب الى القومي
وهذا ما حدث مع المخرج محمد عمر الذي قدم (حكمت هانم ألماظ) منذ سنوات
على الهناجر وهي مأخوة من ريبرتوار المسرح القومي عن مسرحية (الخطاب
المفقود) اليجالي وكان حمدي غيث قدمها عام 1957، ولم يسلم من النقد
اللاذع واليوم محمد عمر يقود اوركسترا السيمفونية التي تجمع اسامه انور
عكاشة وسميحة ايوب وفاروق الفيشاوي ورياض الخولي وعبدالعزيز مخيون
ونيرمين كمال ومجموعة من الفنانين الكبار الذين سبقوه بأجيال لكن هذا
الجيل الجديد استطاع ان يتواصل مع الجيل الكبير واستطاعوا ان يقدموا هذه
السيمفونية وهذا ما احب التأكيد عليه فلابد ان نعترف بالماضي، لكن هناك
حاضر ومستقبل وبالتالي هذا التواصل هو الذي يضمن التواجد المسرحي الدائم
وتجديد الدم المسرحي.. يجب ان نفسح الطريق لكل ما هو جديد حتى يتنفس
ويسير في مجراه.
ـ انت في قلب الحركة المسرحية العربية فما رأيك فيها بشكل عام وهل هي
في طريقها الى الانتهاء ام تنفض الغبار عن نفسها لتستعيد عافيتها؟ ـ انا
ضد ان نكون عالماً ثالثاً وألا نتسلح باليأس ونتكلم دائماً عن السواد
والاحباط، نحن لا نحتاج لنظريات المؤامرة وبدلاً من التشبث بأي بصيص امل
ونؤسس عليه نركن الى الاحباط ونرفض الايجابيات ورصد السلبيات، كل هذا
يكفي عدونا حتى ننهار، وحدنا.. انا شخصيا لست محبطة وصحيح هناك معوقات
شديدة في الوطن العربي بسبب اوضاع كثيرة غير صحية، لكن لابد ان نضع في
اعتبارنا ان نستمر حتى النهاية في مواجهة المحبطات والسلبيات والخطاب
الماضوي الذي يحاول ان يدخل الفنون في زاوية الحلال والحرام لأن هذا اسوأ
سلاح يمكن ان نستعمله ضد انفسنا ليس ضد الفن فقط ولا يبقى لدينا سوى
البكاء على الاطلال وحينها فلنذهب الى الجحيم او لنمت
|