السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  29 - 12 - 2003

 

القـــــائل  نعــــم ... والقــــــائل  لا

تأليف : برتـولد بريخــت

ترجمة: بُرهـان شــاوي

 

إضاءة حول المؤلف والنصين:

 

   برتولد بريخت (1898 - 1956) مسرحي ألماني، يُعد واحدا من أهم مجددي الدراما والمسرح في القرن العشرين.. عبقري منذ طفولته الباكرة، شاعر نشر القصيد منذ مطالع العام 1914. أهم مجموعاته : أشعار وأغان. ناقد مسرحي متمرس، بدأ الكتابة النقدية منذ العام 1920. قاص، نشر أولى مجموعاته القصصية العام 1921. درس الطب، ومن تجارب الألم والعذاب والمعاناة ذهب الى مسرحيته الأولى (بعل) في العام 1918. ذاع صيته بعد الحرب العالمية الثانية وأشتهر على نطاق العالم. خلف أكثر من أربعين مسرحية الى جانب أعمال إعداد وتحويل، وكم هائل من المقالات النقدية التي تتضمن نظريته الثورية حول وظيفة المسرح والاخراج، بخاصة في (الأورغانون الصغير للمسرح - 1948) و(العمل المسرحي - 1952)، وفيهما يطرح  نظريته في الملحمية والتغريب.

 

   * الذي يقول نعم أو (القائل نعم) (Der Jasager) نص تعليمي كتبه بريخت للمسرح بين العامين 1929-1930 ونشر العام 1930، وقد اعتمد فيه على مسرحية النو اليابانية (تانيكو - Taniko) ، وهو عمل أوبرالي كتبه بريخت للتلاميذ في المدارس الثانوية الألمانية.  وحينما عرض النص على خشبة المسرح ، رفض الكثير من التلاميذ فكرته الأساس، واتهموه بالرجعية ومحاولة قتل الانسان باسم الحفاظ على التقاليد الاجتماعية.

 

   * الذي يقول لا أو ( القائل لا) ( Der Neinsager) اوبرا مدرسية تعليمية أيضا كتبها بريخت في العام 1930، ونشرها في العام 1931، بعد عروض (القائل نعم)، وهي مراجعة عبقرية للنص الأول، وإستجابة أصيلة من مبدع فذ لنبض الناس واستشراف للروح الجديدة للعصر، وتطبيق متماسك للجدل الفلسفي الذي كان يقود فكره ووعيه الظاهر والباطن. بعد ذلك ظل النصان متلازمين في العروض وفي النشر الأدبي.

 

   (القائل نعم والقائل لا) في بنيته الحالية، نص تعليمي يعتمد على مقولة بسيطة ولكنها مهمة وأساسية هي : على المرء أن يفكر بطريقة مغايرة تبعا لكل حال يستجد. لكن هذه المقولة رغم بساطتها تحمل في طياتها الكثير من الصراع والجدل، فما بين ( نعم) و(لا) برزخ بين عالمين.

 

 

 

 

القــائل نـعــــــم : ( Jasager )

 

 

الشخصيات : المعلم - الصبي - الأم - الطـلاب الثلاثة - الكورس الكبيـر

 

 

                         ( 1 )

 

                        الكـورس الكبيــر :

 

   من المهم، وقبل كل شيء، ان نتعلم الإقتنـاع، (القناعة بما نؤمن). الكثيرون

يقولون نعم، لكنهم غير متفقين مع جوابهم.. والكثيرون لم يُسألوا عن رأيهـم،

والكثيـرون موافقون على الخطــأ. لذا، فمن المهــم، وقبل كل شيء، ان نتعلم

الاقتنــاع.

 

 

( المعـلم في المنطقة 1، الأم والصبي في المنطقة 2 )

                         

 

                         ( المعــلم )

 

   أنا معلم في إحدى المدارس، ولدي تلميـذ يتـيم، ليس لديه سوى أمـه التي تتولى

أمره. ألايد الآن أن أذهب إليهما لأودعهمــا، لأنني مزمع على سفر الى الجهة

الثانية من الجبل، من حيث ان وبـاء إجتاح منطقتنـا وليس لدينا دواء أو أطبـاء..

إذ ان جميعهـم يسكنون الجهة الاخرى من الجبل..( يطرق الباب) هل لي بالدخول؟

 

( يأتي الصبــي من المنطقة 2 الى المنطقة 1 )

 

                         ( الصبــي )

 

  مـن الطـارق..؟ أوه.. هـذا أنت أيهـا المعــلم جئت لزيارتنـا..!

 

                         ( المعــلم )

 

 لمـاذا تغيبت عن الدراسـة هذه المـدة الطـويلة..؟

 

                         ( الصبــي )

 

  لـم أستطع المجـيء لأن امــي مـريضــة..

 

                       ( المعــلم )

                        

  لـم أكــم أعـرف ذلك، والآن لو سمحت..، قل لها بأنني هنـا

 

( الصبي ينادي باتجاه المنطقـة 2 )                     

 

                  ( الصبــي )

 

  أمــي .. المعــلم هنـا

 

( الأم تجلس في المنطقـة 2 )

                      

                           ( الأم )

 

  فليتفضل بالدخــول..

 

                        ( الصبــي )

 

  رجـاء.. تفضـل بالدخـول..

 

( يدخل كلاهما الى المنطقـة 2 )

 

                       ( المعــلم )

 

  لم أزركم منذ مدة طويلة، لقد قال لي ابنك بأن الوباء قد داهمك ايضا..

  أتشعرين بالتحسن..؟

 

                        ( الأم )

 

  للأسف.. انني لا أشعر بتحسن ما، لأننا لا نملك أي دواء ضد هذا المرض..

 

                       ( المعــلم )

 

  يجب ان نجد حلا..، لذا جئت لأودعكم، لأنني سأنطلق غـدا الى الجبال كي أحمل

  دواء وعلاجا ً من الجهة الأخرى من الجبـل حيث يعيش أطباء مشهورون..

 

                    ( الأم )

 

  لكنني سمعت بأن الطريق الى هناك محفوفة بالمخاطر.. أتود أن يكون إبني معك؟

 

                    ( المعــلم )

 

  إنها رحـلة صعبة لا يمكـن لصبي مثله ان يتحملها..

 

                    ( الأم )

 

  إذن أتمنـى لكم التوفـيق..

 

                   ( المعــلم )

 

  عـلي الذهـاب الآن.. وداعــا

 

( المعلم يذهب الى المنطقة 1، الصبي يتبعه الى هناك..)

 

                 ( الصبي )

 

  أيها المعلم.. إنني اود ان اقول لك شيئا..

 

( الأم تتنصت السمع من المنطقة 2..)

 

               ( المعــلم )

 

  مـاذا تود ان تقـول..؟

 

               ( الصبي )

 

   أود أن أرحـل معكم عبر الجبـال..

 

                ( المعــلم )

 

   مثلما قلتُ لأمـك، انها رحـلة صعبة ومحفوفة بالمخاطر..، إنك لا تستطيع أن

    تأتي معنا، الى جانب ان أمك مريضـة، فكيف لك أن تتركهـا وحيـدة؟ إبـق هنا،

   إنه لمن غير الممكن أن تأتي معنــا.

 

                ( الصبــي)

 

  لقد أصبت، فلأن أمي مريضة، أريد ان أرحل معكم الى الجهة الأخرى من

  الجبل كي أحمل لها الدواء والعلاج..

 

              ( المعــلم )

 

  لكننـي يجب أن اخبر أمـك بذلك..

 

( المعـلم يرجـع الى المنطقة 2، بينما يبقى الصبي عنـد الباب..)

 

            ( المعــلم )

 

   لقد رجعت، لأن ابنك يريد ان يأتي معنا، ولقد أخبرته بأن عليه أن لا يتركك

   وحيدة لأنك مريضة، الى جانب إن الرحلة صعبة وحفوفة بالمخاطر، لذا سيتعذر

  عليه ان يرحل معنا.. لكنه يصر على الرحيل معنا من أجل ان يحمل لك الدواء

  والعلاج..

 

         ( الأم )

 

  لقد سمعته يقول ذلك، وأنا لا أشك في صـدق نواياه، تعال يابني أدخل..( الصبي

   يدخـل) ..منذ يوم رحيل أبيك لم يبق لي في هذه الدنيا غيرك..، إنك لم تبتعد عن

  فكري وعيني اطول مما كنت احتاجه من أجل إطعامك وخياطة ثيابك وتوفير

  النقود لك..

 

           ( الصبـي )

 

   كل ما تقولينه هو الصواب بعينه..ن لكن ذلك لا يحيدني عن قراري..

 

          ( الصبي.. الأم.. المعــلم )

 

  سوف أرحل ( يرحل )في الطريق الصعب..، لكي أحمل الدواء ( يحمل) لعلاجي

  ( لعلاجها ) من الجهة الأخرى من الجبل..

 

             ( الكـورس الكبيـر )

 

   ولما لم تجد الأم والمعلم أية حجـة تثنيـه عن عتزمه قالا بصوت واحـد :

 

             ( الأم.. المعــلم )

          

    الكثيرون يوافقون على الخطأ، اما هو فانه لا يوافق على المرض وانما على

    علاج المرض..

 

              ( الكــورس الكبيـر )

 

   وأضافت الأم..:

    

                 ( الأم )

 

  إنني لا أستطيع التحمل أكثر، وإذا كنت مصرا على الرحيل فأرحل مع السيد

  المعلم، لكن عــد إلي سـريعا..

 

 

                  ( 2 )

 

               ( الكــورس الكبيــر )

 

   لقد رحلت المجموعة الى الجبال، حيث كان المعلم والصبي ضمنها، غير ان

   الصبي لم يكن أهلا للصعاب، لقد كان يحمل قلبه الذي يحن للعودة السريعة،أكثر

   مما يحتمل، وعند الفجر، وبالقرب من حافة الجبل كان الصبي يجر أقدامه بتعب

   شديد..

 

( يدخل المعلم وثلاثة طـلاب .. وأخيرا الصبـي.. الى المكــان )

 

                  ( المعــلم )

 

  لقد صعدنا الجبل سريعا، وهناك عند ذلك الكوخ سنتمهل قليلا ً..

 

            (الطلاب الثلاثة)

 

  سمعا وطاعة..

 

( الطلاب الثلاثة يدخلون الى المنطقة، ويصعدون على شيء مرتفع بينما يحاول

 الصبي إستبقاء المعــلم )

 

              ( الصبي )

 

  أود ان أقول لك شيئا...

 

             ( المعــلم )

 

  مـاذا تريد أن تقول..؟

 

              ( الصبي )

 

  إنني أشعربنفسي ليست على ما يرام..

 

            ( المعــلم )

 

  إصمت.. مثل هذه الأشياء لا تقال في مثل هذه الرحلات.. ربما أنت تعب لأنك

  لم تتعود صعود الجبال.. إسترح قليلا..( يدخل الى المنطقة 2 )

 

            ( الطلاب الثلاثة)

 

   يبدو ان الصبي قد تعب.. فلنسأل المعــلم..

 

            ( الكـورس الكبيـر )

 

   نعم.. إسأله..

 

          ( الطلاب الثلاثة ) ( للمعلم )

 

   يبدو ان الصبي قد تعب من تسلق الجبال.. ماذا به؟ هل أنت قلق عليه..؟

 

            ( المعــلم )

 

  انه يشعر بأنه ليس على ما يرام.. يبدو لي انه تعب من تسلق الجبال..

 

          ( الطلاب الثلاثة)

 

  ألست قلقا ً بصدده..؟

 

 ( صمت طويل )

 

             (الطلاب الثلاثة.. فيما بينهم)

 

  إسمعوا.. ان المعــلم قال بأن الصبي تعب من تسلق الجبال فقط، لكنه لا يظهر

  إلا نادرا.. فبعد الكوخ ستأتي الحافة الضيقة حيث لا يمكن العبور إلا بالاستناد

  الى الحائط الصخري بكلتا اليدين.. نتمنى ان لا يكون مريضا لأننا سنضطر الى

  تركه هنا لنواصل الرحلة..

 

( ينادون على الصبي باتجاه المنطقة 1 )

 

  هل أنت مريض..؟ إنه لا يجيب.. لنسأل المعـلم..( للمعــلم )

  حينما سألناك عن الصبي قلت لنا انه تعب من تسلق الجبال، لكنه لا يظهر إلا

  نادرا.. إنه يعزل نفسه..

 

           ( المعــلم )

 

   يبدو لي انه مريض.. فلنحاول ان نحمله عبر الحافة الضيقـة..

 

           ( الطلاب الثلاثة )

 

   لنحاول..

 

( يحاول الطلاب الثلاثة حمل الصبي عبر الحافة الضيقة المكونة من حبال

  وكراسي.. لكنهم لا يستطيعون العبور..)

 

  نحن لا نستطيع حمله والعبور به، كما لا نستطيع البقاء معه، يجب علينا

  مواصلة الطريق لأن كل الناس في مدينتنا ينتظرون منا ان نحمل الدواء لهم..

  نحن لا نستطيع إنقاذه.. فاذا لم يستطع ان يواصل معنا فعلينا ان نتركه هنا

  ونستمر في الرحلة..

 

          ( المعــلم )

 

  نعم.. ربما ستضطرون لذلك، أنا لا أستطيع ان امنعكم، لكنني اجد انه من

  الصواب ان يُسأل المريض ان كان يريد ان نرجعه الى أهله أم نواصل الرحلة

  بدونه.. سوف أذهب اليه وبهدوء أعـده لمواجهة مصيره..

 

       ( الطلاب الثلاثة )

 

   إفعل ذلك رجـاء..

 

(الطــلاب يقفـون متقابلــين )

 

        ( الطلاب الثلاثة.. والكورس الكبيـر )

 

  نحن نريد ان نسأله ( يريدون سؤاله) ان كان يريد ان نعود ( العودة) بسببه..

  وحتى لو أراد ذلك فاننا ( انهم ) لا نستطيع ( يستطيعون) العودة وانما تركه

  طريحا.. ومواصلة الرحـلة..

 

        ( المعــلم ) ( يذهب الى المنطقة 1 حيث الصبي )

 

  إسمع جيدا، أنت مريض ولا تستطيع المواصلة معنا ونحن سنضطر الى تركك

  هنا، لكن من الصواب ايضا أن نسألك ان كنت تريد ان نرجع بسببك،.. رغم

  ان التقاليد تؤكد على ان من يمرض في رحلة كهذه، عليه اذا ما سُئل مثلما أسأل

  الآن، ان يجيب بأن عليهم مواصلة الرحلة..

  

          ( الصبي )

 

  أنني افهـم..