السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  22 - 12 - 2003

 

نص مسرحية  (الحقيبة) تأليف : ياسين النصير

محيي الدين زنكنه ...ياسين النصير

مسرحية حفلة عرس أعادت لنا أجواء المسرح العراقي..ياسين النصير

تطور مفهوم  الراوي في الحكاية الشعبية.. ياسين النصير

 

وعي الحداثة في المسرح العراقي .... ياسين النصير

الأرجوانة الحمراءمقال في المسرح الكردي ياسين النصيِّر

الأرجوانة الحمراء

مقال في المسرح الكردي

ياسين النصيِّر

شكر وتقدير إلى:

 

الفنان بكر رشيد،الذي حمل النسخة الوحيدة من هذا الكتاب معه بعد أن قمعت انتفاضة آذار عام 1991 في عموم العراق ومن بينها مدن كردستان ، قبل أن يحط رحاله في المانيا. متنقلا بها مع محمولاته بين جبال كردستان ومدنها، وبين هضاب تركيا وعسسها، وبين مدن اليونان وممراتها المائية والجبلية، وبين متفحصي البطاقات الصحيحة و المزورة ، وبين الاصدقاء المنتظرين على تخوم الحدود والمخبرين. مرورا بخط الرحيل الاوربي كله. طوال اربعة عشر يوما كي  يوصلها إلي بعد  عشر سنوات. وكدت افقد الامل في العثور على النسخة الوحيدة من هذا الكتاب فقد اودعتها مديرة الثقافة الكردية بعد ان وافقوا على طباعتها ونشرها على نفقتهم الخاصةعام 1989. ولكن ما حدث في العراق من حروب مدمرة جعلت الثقافة العراقية كالجغرافية العراقية، عرضة للانتهاك وللغزو وللتدمير. ففقدت الكثير من الكتب والمسودات، بل وأحرقت الالاف منها وأتلفت وسط هتاف البسطاء وحقد الأمن. كما فقد الالاف من العراقيين واحرقوا واعدموا واتلفوا أيضاً. إلا أن يدا شريفة وكريمة انقذت هذه المخطوطة من بين حريق المدن الخضراء وناسها، لتوصلها بعد عشر سنوات إلى هولندا لترى النور ثانية بعد أن جرى تعديل عليها. فشكرا له.

 

 

المقدمة

 

 

1

 

بعد أول يوم من وصولي السليمانية لحضور المهرجان المسرحي الثالث " الذي يقيمه معهد الفنون الجميلة في السليمانية للفترة من 3-4/9/1979" تفتحت على قارعة الطريق المجاور لفندق السلام شجرة الأقحوان ، فألقت بأوراقها الحمر فوق الرصيف . كنت الوحيد الذي جمع بعض أوراقها التي كست الشارع ولونته بألوانها، ورفعتها إلى أنفي، ثم ألقيت ببعضها فوق رأسي وسرت. فالاكراد لا يتعاملون مع شجر الاقحوان كما لوكانت اشجاراغريبة عنهم، بل هي جزء من مألوف حياتهم اليومية. اما بالنسبة لي فقد نقلتني هذه الورود الحمر إلى اثمار النخيل في البصرة يوم تغطي ارضها بالرطب والتمر وما ينقره الطير. فالحلو – الواقع الذي أنا فيه يعادل صحبة غير بشرية. لا أدري لم الأحلام لا تأتي إلا في المنام ، فها أنا في مناخ السليمانية الربيعي، وفي اجوائها المبتسمة. أصوب نظري بكل الاتجاهات فلا أجد غير ألوان الربيع . وقد هبطت على ارض الاجداد فملأت المساحات الخالية والمشغولة بالناس .. تساءلت كم حملت هذه المدينة من سعادة وعذاب،  وإلا لما اورق في أرضها الشجر المثمر باللون الأحمر. مثل هذا الحب لا يعوض إلا بصحبة من تحب، وقد غاب عنك بعض رفاقك الذين كنت تعمل معهم في صحافة الحزب الشيوعي في العراق يوم هجم جراد السلطة عليهم فهاجروا إلى مدن الشمال والغرب وتركوك وحيدا إلا من مسرح كردي تجد فيه بعض ضالتك و شيء من حب قديم ياتي إليك مع الزائرين.وتصويب نظرة تخترق افق السليمانية للجبال التي يحتمون بها. مع شيء من المبادئ التي كلما مررت بارض العراق تعمقت جذورها. قلت أذن هي الحرية، حرية أن يملك الفرد منا أرادته،- رغم أني سأعود بعد انتهاء المهرجان إلى بغداد- وليس إلى الشمال وانت فيها- وأن يصنع من تلك الحرية ألواناً من الحب والسعادة تفتقدها بعد أن غابت جلسات الأصدقاء من حدائق اتحاد الادباء.  حرية أن أنظر في كل الاتجاهات ثم أنظر إلى نفسي كي أقول بعدئذ . أنا أرجوانه صغيرة  أيضاً أرش ساحات النفس والجسد بأوراقي الحمر الجميلة . ثم أدعها مخزونة لربيع قادم!! .

السائح الجنوبي البصري يقرن في هذه اللحظات الأقحوانية بالنخيل، والناس بالناس ، والحياة بالحياة . ويقول عبر مئات الصور العابرة والراكزة: أن مدن الشمال وحدها مهرجان للربيع ، بل لكل ربيع ، وأن الناس كل الناس تلقي بأحزانها  كلها في أول منحنى لواد ، ثم لا تمتلك بعد ذلك إلا أن ترقص وتغني وتفرح  وتلعب شتى الألعاب.سواء كنت هنا في المدينة حيث الأسواق المرتفعة الأسعار، او هناك حيث البساتين والغابات والأرض الخضراء وحيث التقاء النفوس والأجساد والأعين والذاكرة . وأنت ماذا تملك بعد ذلك ، سائح عابر لأيام عجلى، وسائح مدعو لمشاهدة عروض مسرحية عراقية بحياة ولغة كردية،وسائح مثقف تجد في هذه الصحبة بعض ما افتقدته. وتعجب ان يسألك البعض عن اوضاع المثقفين في العراق وهم فيه. ولن تجيب فاية اوضاع هذه التي شملت كل المثقفين فالقت بهم في بطون السجون او في بطون الكهوف والجبال؟.  مالك والناس والحياة اليومية والأسواق والأفكار مالك وكل العذابات الصغيرة التي تراها هنا او هناك.دع ما يربيك لما يريبك واغذ السير باتجاه ان تبحث عن صحبة لاتفتقدها في اول هبة جراد. ولكنك وأنت تسير تستقرئ نفسك أولاً ، ثم تستقرئ ما تعرفه عن تاريخ المدن ثانياً ، هاأنذا أرقص على صوت أحد أساتذة معهد الفنون وهو يغني في دوكان . أرقص فرحا بنفسي لا بسواي ، أنا الذي أحتاج أكثر من سواي إلى السفر والراحة النفسية وتحرير العقل من مجرواته اليومية رقصت وكنت من بين كل المتحلقين أكثر فرحاً . قلت لصديق يحضر المهرجان أيضاً: أنظر إلى فندق أشور الجميل الذي بني بطريقة تقارب التشكيل الطبيعي للجبال .. حيث الشكل قائم على التكسر ، تكسر الأجزاء ، وصولا إلى مقاربات مع الطبيعة ، قلت له ، وها نحن ننزل إلى مشارف البحيرة كم هي الطبيعة أجمل من كل بناء مصنع . فالهندسة المعمارية الحديثة وهي تحاكي التكوين الطبيعي للمكان لا تقترب إلا من شكلها الخارجي ، أما باطنها ، لغتها الخفية فلا أحد يستطيع فهمها ، الطبيعة كانت حنونة على سكانها ، لها إمكانية الحماية الذاتية للبشر ولنفسها. كنا في السابق نستظل بظل شجرة نتقي بها من حرارة الشمس ، ولكن لما دخلنا المدينة او دخلت المدينة حياتنا ، وبدأنا نصنع التبريد والتدفئة ، أنكفئت الطبيعة على ذاتها ، وحمت نفسها من الغزو الصناعي ، وبتنا تحت رحمة التيار الكهربائي إذا أنقطع ضجرنا ، وإذا توقف تأففنا. وها نحن نلعن التصنيع من خلال التطور والتقدم. أن التقدم في بعض حلقاته مضر بكل الهناءات الصغيرة ، خاصة هناءات الأمومة الطبيعية. وثمت صوت داخلي يصرخ بي لا تستسلموا يا صغاري لعواطفكم فالصناعة تسخر الطبيعة ولا تعوضها . قلت تحلق حولي ليستمع، ها نحن نحاكي الطبيعة في كل استيائنا ، محاولين استعارة المكان المولد كي يولد فينا لغة تكوينية ، ثقافية ، نستقرئ بها ذواتنا اللائبة بين القرية والمدينة ، بين الرومانسية الريفية والواقعية المتطورة. وها نحن نقول لأنفسنا مرة بعد مرة كم نحن سعداء عندما نجد ما في أنفسنا ينمو ويتجاوب مع ما في الطبيعة. ولذلك نخرج للنزهة ، قلت إذن كيف لا ينمو المسرح وسط هذا البناء الفكري والروحي للمكان وللناس . وكانت هذه النتيجة أولى المداخل المسبقة للوعي النقدي عندي . واطمئنان إلى أن ما سأشاهده في مهرجان السليمانية للمسرح لا يخرج عن ذلك . لاسيما وأنني أمتلك كذا تجربة مشاهده لبعض المسرحيات الكردية أضافه إلى قراءة العديد من القصص والقصائد والكتابة نقديا عنها ... وها أنا ذا أتحرك فكريا ونقديا ولدي ذخيرتان : الأولى القراءة والمتابعة والنقاش الطويل مع أصدقاء من أدباء كرد ، والثانية : وحدة الثقافة داخل العراق ، بين ثقافة تكتب بلغة عربية وأخرى تكتب بلغة كردية. فالمشكلات العراقية واحدة وأن تعددت لغاتها وأشكال تعبيرها ، مضاف إلى ذلك ما تمنحه الطبيعة لبنيها من سجايا خفية ، هي بالصلب من تحول المكان إلى إرادة فاعلة في الأسلوب وفي الرؤية. وفي مهرجان السليمانية وكلي أمل أن أجد هنا ما يخالف او يعمق تصوراتي تلك .

2

 

ويبتدئ المهرجان صباحا ، كنت قد وصلت البارحة يوم الأحد 2 / 4 / 1979مساءً ، وكنت من أوائل المدعوين بالوصول إلى السليمانية ، وفي العاشرة من صباح 3 / 4 / 1979. بدأ المهرجان كلماتٍ ووجوها ، وورد النرجس ، وأناساً لبسوا أحزانهم ألوانا " كما قالت الفنانة بديعة رداً على أحد منتقديها ".

يعد هذا المهرجان بالنسبة لي بداية التعرف على المسرحية الكردية ولأن معظم اعماله تتسم بروح مدرسية فقد كان نواة لما سيأتي من مسرح في الايام القابلة. وآثرت أن اجعل من هذا المهرجان خميرة لمعرفتي. فقد اقتصر حضورنا ومشاهدنتا على تقييم العروض لمنحها جوائز تقديرية اسوة بما كنا فعله في المسرح العراقي . وكان لنا ذلك حيث جرى تقييم الاعمال ومنحت الجوائز وحدث الذي حدث فقد غضب البعض ورضى الآخر وتقول ثالث ونحن – لجنة التحكيم الصغيرة – في دوامة البحث عن الاسئلة التي تقف وراء ذلك كله حيث ان العروض يومذاك لم تخل من مواقف غير مكتملة لا على المستوى النظري ولا المستوى الفكري.

 

بعد تسع سنوات من هذا المهرجان أي في عام 1987عدت ثانية ولكن في مهرجان معهد الفنون الجميلة في السيلمانية، حضرت ثانية لاشاهد المسرحيين الاكراد. فقد تراكمت لدي خلال السنوات الماضية معرفة باصدقاء وكتابات أدباء كرد ممن اكن لهم الود والاحترام. وجلسنا معا جلسات طويلة في حدائق اتحاد الادباء في العراق وهم اتون إلينا من مدن الشمال النافذة على الغرب ، هكذا نعتقد. حيث نتسقط أخبار ادبائنا المهاجرين الذين غادرونا دون ان يتركوا لنا عنواناتهم وصناديق بريد صديقاتهم. الاصدقاء الاكراد الاتون من الشمال كانوا محملين بالكتب الممنوعة والمنشورات رغم التفتيش الدقيق الذي يتعرضون له عند مجيئهم خلال الثمانيات إلى بغداد. وعن طريقهم كنا نقرأ مجلة "الثقافة الجديدة" ومجلة "البديل" و"طريق الشعب" واخبار الرفاق الذين فروا، والذين سافروا علانية، والذين غادروا بناء على توصية من قياداتهم، والذين ادعوا الوطنية  بغير حق فتلبسوا مسوح الرهبان الشيوعيين. وحتى اولئك الذين تزوجوا وطلقوا نساءهم. ومع ذلك عندما كنا نقرأ لهم نفرح ونحزن: نفرح لانهم احياء يرزقون، ونحزن لان لاجديد لديهم.

جئت  هذه المرة السليمانية ولدي عنها وعن مدن كردستان حصيلتان:

الأولى: كانت عام 1978فقد شاهدت بأم عيني كيف أن القوات العراقية تدمر قرى وارض كردية رأينا من نافذة السيارة النيران وهي تحرق، والبابات وهي تقصف، والناس والحيوانت وهي تهرب. وقلت في وقتها أن هذا ما يشبه الاحتلال!! سحبني أديب عراقي كان يجلس بالقرب مني وقال " طلعناك من السجن بالكوة وتريد ترجع اله بالمروة؟" وكنا يومها ذاهبون لمؤتمر القصة العراقية الذي عقد في صلاح الدين عام 1978 وكنت خارجا لتوي من  سجن مديرة الامن العامة الإنفرادي . وبعد وصولي للفندق ، بدأ تفتيش حقائبي وغرفتي دون أن ابلغ بذلك.

اما الحصيلة الثانية لهذه السفرة النقدية فقد كانت سفرتي عام 1979 لحضور مهرجانا فنيا ثم في عام 1987لحضور مهرجان السليمانية وهي بداية النهاية للحرب مع إيران. والجو في شمال العراق عسكري ومظلم، ومنذر بخراب كبير. ومع ذلك يتنادى الاكراد لعمل مهرجان للمسرح!! وفي اول يوم لنا في السليمانية، بدأت بوادر المضايقات تلاحقنا. ولا بأس من أن تأخذ ملاحظات الاصدقاء الاكراد بالحذر وعدم التأخر ليلا بالحسبان فما بعد الثامنة لا ينتشر في المدينة إلا جراد الحرس والامن. وعليك كي تقي نفسك منهم أن تهجع إلى ركن تستظل به من ليل كردستان المظلم. وحدث ما كنا قد حذرنا  منه.

بعد مراسيم الافتتاح للمهرجان عرضت مسرحية " رحلة حنظلة " للفنان عصمان فارس وأبلغت بأنني سأكون أول المتحدثين عن هذه المسرحية. ثم شاهدنا في المساء مسرحيتين هما " العسل " و " الغجر " . ولكني فبل أن اتحدث عن المسرحيات اود هنا أن اتحدث بالدرجة الأولى على آليات التلقي التي حاصرت نفسي بها. إذ كيف لي أن أفهم المسرحيات المقدمة ومعظمها باللغة الكردية وأنا لا اتكلمها!؟ ولكن وفرت لنفسي متعة استماع لصوت موسيقى هادئ، يوشوش في أذني طوال العرض . ويشرح لي تضاعيف اللغة والمواقفولا يتوان من ان يقول كلمة هامسة. صوت بعينين خضراوين وبفم همس.

رغم أن المسرح فيه لغات  عدة بدلاً من لغة واحدة. فيه لغة بصرية ترى وتعايش الحركة والفعل والديكور ونبرات الصوت المتغيرة . وفيه لغة إحساس عام بما يدور من االصراعات التي ي يكشفها الحوار ،تلك ترى من خلال الفعل والحركة والبناء ، وتلك التي تحزرها وتؤولها. وهناك لغة الإدراك حيث الإنسان الناقد يستطيع استيعاب الأحداث من خلال طروحات فكرية ونظرية تتجسد عيانيا وتوحي إليك بما لم يكن ظاهرا في الأشياء المرئية. .. وهناك لغة السماع ، وهي لغة مشتركة بين المستمعين في الكثير من الأمور،فتستطيع ان تميز فيها بين الفرح والحزن، الرغبة والامتناع، الظلم والسعادة..الخ. حيث أن الصوت كالعين يرى ويحس ويسمع.- الاذن تعشق قبل العين أحيانا كما قيل-  وحيث البناء العقلي يتصل بالسماع اتصالا مباشرا فهو النافذة الاكثر اطمئنانا للعقل. كل هذه المساند الفكرية معي ولكن كان الصوت النسائي المغني في اذني النافذة الاكثر اشراقا في ليل كردستان.

ثم دع عنك كل هذا ، فالمسرح له لغتان أساسيتان: الأولى هي الانعكاسات المشتركة بين " جماعة" المشاهدين حتى ولو اختلفت لغاتهم لما يشاهدونه، فهم يبكون ويفرحون وتنبسط أساريرهم او تنقبظ نظر لما يحدث. وهذه لغة عالمية كلغة الموسيقى نستمع أليها ونمثـلها أحاسيس وأفعالاً في أجسادنا وأفكارنا. أما الثانية ، فهي اللغة التي تصل من" جماعة"  الجمهور ، فقد تبين نتيجة دراسات ميدانية أن "الجماعة"  المجتمعة في مكان واحد يكون إحساسها أقوى من الفرد المفرد في المكان نفسه. وإذا ما الجماعة شاهدت عملاً مشتركا، يكون تأثيرة شاملا عليهم ويفرض تركيبة نفسية تضفي على الجميع احاسيس وابعاد النص المعروض او المشاهد حتى لو لم تصل مفرداته  كلها لهم.. ولذلك فأنا أنتمي بحكم عدم معرفتي للغة إلى مكون"الجماعة" خاصة عندما تصمت او تضحك او تفرح لأن لغتها الإنسانية التي أنا ضمن واقعها وجغرافيتها تشملني فالأحاسيس البشرية واحدة ، واستقبالها للحالات واحد ، ولكنها تتفاوت في درجة التعاطف معها .

ضمن هذا المناخ ، كنت أشاهد المسرحيات الكردية، فيصل لي منها ما هو كفيل بالرأي النقدي ، والمناقشة والطرح ، لاسيما وأن التجارب المسرحية التي شهدناها تتركز حول نمط معين معروف من التأليف ، ذلك هو النمط " المونودراما " حيث غلبة الصوت الواحد على الأعمال كلها ، وجعله الصوت الأكثر بروزاً في الظاهرة الفنية ولهذا اسبابه. وسنأتي على هذه النقطة المهمة عندما نعالج الظواهر العامة لعروض المهرجان ولسواها .

ضمن الحضور في قاعات العرض والمناقشة ، ثمة من الأدباء والكتاب ما يجعلنا نطمئن إلى أن المناخ الثقافي العام يتجاوز بعض سلبيات السياسة. فلقد صادفت عدداً كبيراً من أدباء المحافظات دهوك وكركوك واربيل ، وهم أما مشتركون في ندوة او محاضرة او نقاش ، وأما يصطحبون معهم فرقا او ممثلين . وكان من بينهم من تابع نشاط أبنه أو أبنته ، كان يرعاه ويشخص ضعفه وقوته ويدفعه ويهتم بما يقال عن دوره، ويطور قدرته على المتابعة والاستماع .. فكانت معظم الممثلات لهن أباء حضور، وأباء أدباء . في المهرجان يختلط الصوت بالابتسامة ، ويختلط الجمال البشري والأدبى بجمال ورد النرجس . في كل عرض مسرحي او جلسة نقدية ثمة باقات من ورد النرجس الجميل موزعة على الحضور ، باقات اقل ما فيها أن اليد الكريمة تقدر الجهة التي توجه  الورود إليها. وكنت مليئا بالورود ، ورود المهرجانات البشرية ، وورود النرجس الغنية الرائحة واللون. وكانت العروض هي الأخرى باقات من ورود النرجس يجسدها ممثلون شباب نشأوا مع الربيع ، وتفتحوا مع الوادي والمزرعة، وشموا ـ عطر العرق ـ عرق الجهد ـ وعرق الطبيعة . ورفضوا الحرب فنا ولغة  وماقف، وقالوا عبر كل عروض المهرجان ما ينفي انهم مع الحروب ومع التدمير ولهذا كانوا فقراء إلا من محبين جاءوا إليهم بصحبة كلمات تعاطف ومواقف يعرفون أننا جديرون بها. وكما يبدو ثمة طقوس احتفالية ، يواجه الجمهور بها الممثلين مهما كان نوع العرض وكيفما كان .. تلقى ورود النرجس فوق رؤوس الممثلين وتحت أقدامهم ، تلتصق بهم التصاق الجسد بالجسد، واللغة باللغة. ففي نهاية كل عرض تتحول خشبه المسرح إلى جسد معطى بدثار الورد تغطى كما تغطى الفتاة الجميلة بثوب عرسها بالآلاف من أزهار النرجس الجميلة ـ لتبدأ رحلة الفن  داخلا في دوامة من تبادل المشاعر: الممثلون  يقدمون الزهورإلى الجمهور والجمهور يعيدها إليهم مع كلمات كردية مفعمة بالزهو .

 

3

 

يمتد اهتمامي بالثقافة الكردية إلي أواسط الستينات وكانت كتابات الأديب والصديق محي الدين زنكنة نافذة مشرعة لي. فقد تعرفت عليه وأنا في البصرة.  وتعرفت على الادب الكردي ثانية من خلال ما كان ينشر في صحافة الحزب الشيوعي ، عن الشاعر كوران وغيره. وهو اهتمام لا يرقى إلى مستوى المتابعة والنقد. ولكنه كان جزء من مشاريع مؤجلة كي تقوى اداتي ويشتد عودي النقدي فابدي فيه رأيا أو ملاحظة.: فكتبت عنه بعض الشذارات هنا وهناك ، أشرت فيها عن المسرح العراقي ككل ، وفي أخرى عن المسرحيات العراقية التي تتحول إلى اللغة الكردية.. وفي كل الذي كتبته اشرت فيه إلى قصور واضح في المعلومات عن  المسرح الكردي. ولكني في أوائل السبعينات ومنتصفها عندما أتيح لي العمل مع نخبة طيبة من مثقفي الكرد في صصحيفة " الفكر الجديد" ، وجدت أن الطريق إلى الأدب الكردي لابد وان يمر عبر تعلم اللغة، وعبر الترجمة. فأشرت من بين ما أشرت أليه في أحاديث ومساجلات مع اصدقاء كرد إلى أهمية أن يقوم الأدباء الأكراد أنفسهم بترجمة أعمالهم للعربية. كي يتسنى لنا فهمها ومعاينتها. وما هي إلا سنوات حتى بدأت حركة الترجمة تنشط ، ويظهر لنا من بين الكتب ما يمكن أن يقرأ ويكتب عنه ، فكتبت عن ( 20 قصة كردية ) ، مقالا هو بحق باكورة اهتمام نقدي بعدما قطعنا على أنفسنا أنا والصديق الناقد فاضل ثامر عهدا باختيار نماذج من القصة الكردية ودراستها كما فعلنا في كتابنا " قصص عراقية معاصرة 1971 " وما هي إلا أيام حتى بدأت القصص الكردية تنهال علينا ، قدمها اخوة أدباء آخذو على عاتقهم مهمة اختيارات متعددة المشارب والأهواء . وها هو الحال ، معي الآن اكثر من ( 150 ) قصة تنتظر الفحص والتدقيق كي نختار منها ما يصلح أن يكون مختارات ، ولكن فتور حماسنا  نتيجة الاوضاع السياسية المربكة والشائكة والتي كنا ضحيتها اليومية حال دون إتمام المشروع . خاصة وأنني شخصيا قرأت اكثر من أربعين قصة منها فلم اعثر إلا على واحدة او اثنتين يمكن أن تكونا ضمن مختارات يطمئن اليها النقد . ناهيك عن أن الحساسيات الواضحة في شرائح الثقافة الكردية كانت من الأسباب التي جعلتنا نعزف عن المشروع لاسيما وان المختارات ستضع في حسابها تغطية الثقافة الكردية كلها. وقد حسبها البعض من خلال الرسائل والإتصالت أنها لابد وأن تكون متوازنة بين قصاصي المدن الكردية!! وهنا اصبح فشل المشروع قضية بحد ذاتها .

أذن ما العمل ، والثقافة الكردية لا تريد غلق الدائرة على نفسها ؟ فقد بدأت في السنوات الأخيرة تتسع دائرتها ، ودائرة الاهتمام بها ، وتصبح متنوعة ، مسرحا وشعرا وقصة ورواية ومقالة وفنونا تشكيلية ، وأنت ماذا تعمل إزاء ظاهرة من هذا النوع ، هل تغلق عليك النافذة بالاعتماد على ثقافتك ورؤيتك للثقافة العراقية من خلال ما يقال عنها . أم انك تدخل ميدانها متعمدا ، ومن جانبها المسرحي علك تجد في هذا الفن بعض العزاء في سد النقص الحاصل في ثقافتك ومسؤليتك ناقدا لا تكتمل اوراقه المعرفية لرؤية نتاج وطنه العراقي والأدب الكردي غائب عنها.

 

 

 

4

 

المهرجان المسرحي تقليد دأبت عليه المؤسسات المسرحية في العراق يوم بدأت في أوائل السبعينات ظاهرة الاحتفال بيوم المسرح العالمي. وكنت ضمن أول لجنة لهذه الاحتفالية لتكريم من يستحق من المبدعين رواد مسرح وكتابا وممثلين ومخرجين وفنانيين آخرين. إلى اصبح هذا الاحتفال السنوي الذي يصادف يوم 27 /3 من كل عام تظاهرة فنية ثقافية عالمية حيث يلقي فيه أحد فناني العالم المتميزين كلمة تقرأ في كل مسارح العالم. كما تفتح بمثل هذا اليوم المسارح ابوابها مجانا لرواد المسرح ومشاهديه.  وفي العراق اكتسب الاحتفال بيوم المسرح العالمي ميزة لم نشهد لها مثيلا، لا في الدول العربية ولافي الدول الأوربية. ذلك هو أن يتحول هذا اليوم إلى عيد للمسرحيين العراقيين فيتنادون لحضوره والمشاركة فيه وكأنهم يؤسسون لانفسهم  بنية ثقافية في سياق البنية الاجتماعية فيظهرون امامنا كما لو كانوا جماعة مؤثرة تاثيرا واضحا في سياق الحياة الثقافية للمجتمع. وهو الامر الذي لم يكن عليه بقية المثقفين من كتاب الشعر والرواية والنقد والصحافة. ففي العراق كانت  لا تفتح المسارح أبوابها مجانا لجمهور المشاهدين  لعدة أيام مبتدئة بيوم 27-3 – فقط، بل وتؤسس  لنفسها منذ فترة لجعل هذا اليوم اشبة بالعيد الوطني للمسرحيين.

في هذا اليوم يترقب جميع الفانين إعلان نتائج لجنة التحكيم الوطنية نتائجها.. فيجري احتفال كبير تلقى فيه الكلمات وتثمن الجهود  وتشخص الظواهر ويقيم المبدعون ويمنح من يتسحق منها شهادة تقدير تعد بحق مدالية معترف بها رسميا . ثم تقدم مراجعة نقدية تقوم بها لجنة التكريم لكل الاعمال المسرحية خلال عام. وتستخرج منها العينات التي تستحق التكريم ولاشادة والتقدير. وعد هذا الاحتفال بداية لتأسيس علاقة  ثقافية بين جماهير المشاهدين  ولجنة النقاد ، وبين المسرح وجمهوره. وكان من الأمور الدافعة لبروز ظاهرة المسرح على وجهها التقدمي والمهم في السبعينات وإلى أواسط الثمانيات هو هذه الخميرة من الجهود التي بذلها المثقفون المسرحيون والنقاد في ترسيخ العلاقة بين الثقافة والفن. وقبل أن يتحول المسرح بعد عام 1985 إلى سلطة للترفيه بناء على توجيهات الدولة ومؤسستها السينما والمسرح. وقد شهدت هذه الفترة صراعات كبيرة بين الفنانين والمؤسسة. إلا أنها لم تسفر عن نتيجة مرضيه فانحدر المسرح إلى هاوية التهريج وادعاء الترفيه.

 

5

 

 

الآن أنا في السليمانية، وفي مهرجانها المسرحي الجديد، ونحن في أواخر الاعوام الثمانين والجو كله ملبد بالحرب ودخانها، بجواسيس الثقافة والأمن وجحوش السلطة. وتواصلا مع ما خبرته شخصيا  في لجنة التحكيم للعروض المسرحية في العراق، تكونت لدى المعنيين بالمسرح  الكردي خبرة واحتراما لي م