السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  22 - 12 - 2003

كتاب مسرحيون عالميون

بيتر فايس والتسجيلية

إعداد: أديب كمال الدين

 

أمضى الكاتب المسرحي الألماني الشهير بيتر فايس حياته مرتحلا ما بين المدن الألمانية وما بين الأقطار الأوروبية والاسكندنافية حتى استقر أواخر حياته في السويد متجنسا الجنسية السويدية. كانت ولادته عام (1916) بمدينة نوفافس القريبة من برلين, وأمضى طفولته وشبابه ما بين مدينتي: بريمن وبرلين. ثم انتقل الى جيكوسلوفاكيا ليدرس الفن. وما أن حل عام (1939) حتى هاجر الى السويد, من خلال سويسرا, هربا من الاضطهاد النازي الوحشي. بدأ فايس رحلته الابداعية روائيا, حيث كتب روايته الاولى: (ظل جسد الحوذي) اعقبها بروايتين اخريين هما: (وداع الابوين) و(نقطة اللقاء).

وباتجاهه الى المسرح فإنه سيؤلف عددا كبيرا من المسرحيات المهمة امثال: (مارا صاد) و(ليلة مع ضيوف) و(تروتسكي في المنفى) و(كيف يتم تخليص السيد موكينبوت من آلامه).

كما سيؤلف مع عدد من الكتاب الألمان المبدعين: (جنتر جراس, كيبارد, فالذر) اسلوبا مسرحيا أطلقت عليه تسمية: (المسرح التسجيلي أو الوثائقي). يقوم هذا المسرح على عدة مرتكزات أو عناصر في بناء المسرحية الفكري, كالنظرة الى التاريخ, والنظرة الى الزمن وتداخله, والنظرة الى المجموع والى الفرد داخل المجموع.

أما من الناحية التكنيكية فلقد اعتمد نقاطا تقنية في عرض الفكرة المسرحية واخراجها, أهمها: استخدام الافلام والشرائح والوثائق واسلوب مسرح داخل مسرح بحيث يتشابه الشكل مع المسرح البريختي الى حد كبير, الا ان كتاب المسرح التسجيلي قد استخدموا هذه الوسائل الفنية استخداما متميزا. فبينما استخدم كتاب المسرح الملحمي هذه الوسائل بهدف شرح وجهة نظر معينة او تعميق موقف خاص او تأكيد اثر معين, فإن كتاب المسرح التسجيلي قد حولوا هذه الوسائل الى جزأ لا يتجزء من نسيج العمل المسرحي.

والمسرح التسجيلي, من تسميته يهدف الى تسجيل الوقائع بدقة تقترب من الحرف او تكاد. وهذا, بالطبع, يمكن ان يخلق مشاكل عديدة للكاتب المسرحي التسجيلي.

فتسجيل الواقعة كما هي لا يمكن أن يمر, من خلال متطلبات المسرحية الفنية والفكرية المعاصرة, دون عقبات او موازنات صعبة, حرجة ربما. والحل؟

الحل كما قدمه الكتّاب التسجيليون يمر في قناتين اساسيتين, الاولى: اللجوء بقدر الامكان الى اختصار العنصر الحواري في المسرحية. وجعل الصورة الرامزة او بشكل اوضح تقاطع الصور هو الاساس في عملية التأثير المسرحي.. والثانية: اتخاذهم لغة خاصة غير واقعية يقدمون بها الاحداث والوقائع باللغة الواقعية حتى لنرى بيتر فايس يكتب مسرحيته الاخيرة (التحقيق) بالشعر بعد ان اسبقها بمسرحية شعرية اخرى كتب لها نجاح كبير وهي مسرحية اضطهاد واغتيال مارا.

ان مسرحية (مارا صاد) وعنوانها الكامل: (اضطهاد واغتيال جان بول مارا كما قدمته فرقة تمثيل مصحة شارنتون تحت اشراف السيد دي صاد) هي واحدة من اهم مسرحياته التي عرض فيها افكاره الفنية والفكرية بوضوح. تناقش (مارا صاد) موضوعة الثورة الفرنسية مستلّة احداثها من نصوص التاريخ الفرنسي وحقائقه, حيث تتناول الثورة كقيمة وهدف ونتائج.

ان (دي صاد) هنا ليست هي الشخصية البرجوازية الباحثة عن اللذة فقط, انما هي شخصية تناقش التغيير الثوري ضمن تصوراتها عنه في المجال الاجتماعي والاقتصادي والجنسي والروحي وضمن ما يضيف فايس لها من ملامح درامية للضرورة المسرحية. كما ان مارا بطل المسرحية, ليس هنا, كما صوره التاريخ الفرنسي ابان الثورة بالمتعطش للدماء والدكتاتورية, انما هو, كذلك, مارا الذي يجب ان نراه (أحد مفكري ودعاة الاشتراكية) كما يقول المؤلف, والذي ابرزه على نحو يكون فيه الثوري الحقيقي وسط جوقة من النفعيين وضيقي الافق والشهيد الذي سيقتل في نهاية الامر.

ان انتصار الثورة ليس هو المهم, بل استمرارها. هذه الحقيقة لا تحتمل النقاش. وانتصار الثورة الفرنسية بعد حكم استبدادي بشع وسط ظروف صعبة جعل الثوار يتحولون بين ليلة وضحاها الى ذات الممارسات التي ثاروا ضدها. لذا ستقول الجوقة لمارا:

(مارا ماذا حدث لثورتنا؟

مارا لا نريد الانتظار حتى الغد

مارا مازلنا فقراء

اليوم نريد التغييرات الموعودة).

في حين ان مارا مريض. وسيظل راقداً من بدء المسرحية حتى نهايتها في حوض من الماء شاكيا من مرض جلدي ألهب جسده. وهو اذ استمع قبل حين الى الكلمات التي ترتجيه ليفعل شيئا فإنه سيستمع. كذلك, الى كوردي, ذات الـ (24) عاما الخارجة من الدير للتو بعد ان قضت حياتها في عزلة, تقول له:

(أنا شارلوت كوردي من كين

حيث يجتمع جيش التحرير في هذه اللحظة

احضر كأول فرد يا مارا

يوما ما كنا نرى التغييرات

كما رآها روسو العظيم

لكن السبب في عدم اتحادنا

اننا كنا نعني شيئين مختلفين

كلانا اراد الحرية

غير انك كنت تسير الى الحرية فوق جبل من الجثث البشرية

تكلمنا عن الاتحاد

 

كأننا نتكلم عن الاتحاد

كأننا نتكلم من فم واحد

لكن فكرتك عن الاتحاد علمتنا الكثير

لذا يجب ان انبذ اخوتك

وان يكون واجبي هو قتلك

انني اقتل فردا من اجل انقاذ آلاف مؤلفة

من اجل تحريرهم من القيود).

اما (دي صاد) فإن له دوراً مزدوجاً: انه المشرف على اخراج المسرحية والمشارك في البحث عن مخرج للمأزق والداعي الى اطلاق طيور الروح من سجونها لتستطيع شم الهواء النظيف, القائل لمارا:

(مارا ان السجون الذاتية

ابشع من اكثر الزنزانات صلابة

وطالما لم تفتح, بعد, هذه السجون

فإن كل ثوراتكم مجرد سجن للثورة التي يسحقها

زملاء السجن المرتشون).

استخدم بيتر فايس الاساليب التسجيلية بشكل كبير وعلى النحو الذي كان فيه مسرح داخل مسرح ومشاهد للرقص وأغنيات للكورس واستحضار للشخصيات. مع ذلك فإن سر نجاح المسرحية, برأينا, ليس عائدا الى الشكل المتميز فقط, انما هو عائد, بالدرجة الاولى, الى الجرأة العميقة التي واجهنا بنا سواء من خلال استعراض للجوانب المختلفة للثورة الفرنسية وفضح مثالبها أو من خلال الطرح الجنسي الذي تركز بكثافة في شخصية دي صاد وشخصية دوبيريه الذي يعشق كوردي وظل يلاحقها بشوق عنيف ولهفة موجعة طوال المسرحية, وفي شخصية كوردي كذلك التي تطعن مارا في الختام.

بيد ان هذا الشكل المسرحي المتميز لن نبصره في مسرحية: (كيف يتم تخليص السيد موكينبوت من آلامه). فالمسرحية اقرب من سابقتها بكثير الى النمو الدرامي المتعارف عليه, ولكنها, كذلك, مسرحية كشف وتعرية لعذاب الانسان البريء الطيب النبيل في مجتمع مزيف من قمة رأسه حتى أخمص قدميه.