السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  22 - 12 - 2003

 

الصواريون واختبار المكان

مسرحيون .. عباس أحمد الحايك

 

          منذ تأسيسه عام 1991م، ومسرح الصواري البحريني يعمل مختبرياً على رفد الحركة المسرحية في البحرين والخليج بتجارب تتجرد من الأعراف المسرحية السائدة، وتدخل في نطاق التجريب والتجديد، فالصواريون يسعون وفق طموحاتهم وهوسهم بالمسرح إلى دفع مسرحهم نحو اكتمال النضج المعرفي والفكري لخلق ذائقة مثقفة لدى الجمهور، عبر عروضهم المتميزة والتي شاركت في مهرجانات عربية وعالمية وحظيت بالاهتمام، وأثمرت جائزة الإخراج للمخرج عبد الله السعداوي عن مسرحية الكمامة في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي 1994م، ضمن انشغاله بالقراءات المنتجة لرؤية خلاقة للنصوص المسرحية.           وأركز هنا على انشغالهم بتجاوز العلبة الإيطالية كفضاء للعرض، فبين الظروف التي لم توفر لهم قاعة عرض مسرحية ينثرون عليها ثمار تمسرحهم، وبين الحاجة التقنية، يختلقون في تجاربهم فضاءات جديدة انطلاقاً من المتطلب المسرحي للعرض. فمن بين المسرحيات التي قدمت خارج العلبة مسرحية إسكوريال أخراج السعداوي عن نص ميشيل دي جيلدرود، الذي شارك به المسرح في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي 93م، وقدم في بيت قديم، ومسرحية ميلاد شمعة تأليف وإخراج يوسف حمدان وعرضت في رواق قديم، ومسرحية الكمامة -سابقة الذكر-عن نص الفونسو ساستري، وعرضت في مقر الفرقة الذي هو أقرب إلى البيت العادي، ومن ثم القربان عن مأساة الحلاج لصلاح عبد الصبور وأخرجها السعداوي، وكانت قلعة عراد بجزيرة المحرق ، وقصر الغوري التراثي بالقاهرة فضاءً للعرض ، وضمن مشاهداتي الشخصية المباشرة  مسرحية الكارثة وعرضت في مدخل أرض المعارض كفعالية موازية لمعرض الكتاب الدولي 2002م ومسرحيتي ابني متعصب للقاص حنيف قريشي وبورتريه جلاد للقاصة غالية قباني وهما مسرحيتان سرديتان، والمسرحيات الثلاث للمخرج عبد الله السعداوي، وآخر عروض الصواري التي أزاحوا فيها العلبة الإيطالية كفضاء للعرض مسرحية ( حب بطعم الشوكولا) تأليف السعداوي ، وإخراج خالد الرويعي الذي شارك في التأليف، وتمثيل حسين العريبي ،نجيب جلال، ولمياء الشويخ ، وسينوغرافيا محمود الصفار والرويعي نفسه، وقد عرضت في مقر المسرح في بناية تتالف من ثلاث طبقات ويشغلون فيه الطابق الأخير، والعرض الآخر طال الأمر تأليف وليد إخلاصي وإخراج ابراهيم خلفان وتمثيل محمد الصفار ورانيا غازي وعرضت في كواليس مسرح مدرسة الشيخ عبد العزيز في العدلية.

          هي أقرب إلى حجرة الجلوس ، ساحة لحوارات ونقاشات الصواريين حول المسرح والحياة، وهاهي تحال بين معاول التجربة  إلى فضاء مسرحي، ورغم ضيقها النسبي، تعاد صياغتها لتسع اشتغالات الرويعي وجنوحه عن كلاسيكية العلبة الايطالية. يعيد هندسة الحجرة وتفاصيلها، المخزن، التواليت في عرض يبحث عن الغربة" غربة الأشياء وخصوصاً غربة الواقع المركب والمتهالك، وغربة هذا الإنسان العالق بين المعنى الكلي لمفهوم الكون ومفهوم العالم"، حكاية زوجين متحابين وغربة علاقتهما، وفقدان إحساسهما بحميميتها. ينزع الرويعي في هذا العرض إلى الإتكاء على السينوغرافيا بوصفها دلالات تبث شفراته، فالسمعي البصري في بعديهما الدلالي والجمالي جنباً إلى جنب مع الحوارات المنطوقة تؤسسان لتلقيه. فالحجرة-فضاء العرض- تندغم وتفاصيلها في قتامة الأسود الذي يغطي الجدران والسقوف وحتى الأرض، والظلام الدامس، وكنا كمتلقين نتلمس طريقنا لكراسي المتفرجين الثلاثين المصفوفة عبر كشاف صغير جداً لا يوضح المعالم، إمعاناً في غربة المكان، وبرودة العلاقات الإنسانية لشخوص العرض. يبدأ العرض بالراوي الذي أزاح فيه الرويعي الجسد البشري واستبدله بجهاز الكمبيوتر، إذ نقرأ الحدث عبر شاشته السوداء المكبرة لا أن نسمعه على لسان ممثل،  إزاحة لنمطية الراوي على المسرح، والذي أصبح شخصية مكرورة وإن كانت الحاجة تستدعيها، إضافة إلى ربط الأحداث والمشاهد عبر كلام النادل عن الدودة والسمكة، للكاتب الإيطالي ستيفانو بيني، والذي يبدو للوهلة الأولى غير متوافقاً مع مجريات الحدث المسرحي ومنفصلاً عنه، إلا أن علاقة الدودة بالسمكة هي ذاتها علاقة الزوجين المتغيرة، وحواره تأطير لهذه العلاقة.  

          كان لاستخدام الرويعي الواعي لمفردات بصرية وسمعية كالفيديو لعرض بعض المشاهد لشغل ثغرات الحوار، كمشهد الزواج، والصور المتحركة للممثلين الرئيسين في أوضاع مختلفة، ولعبة الإضاءة المكملة لجمالية العرض، وسمعية من خلال موسيقى نادر أمير الدين وأدائه وأداء نور الزياني الغنائي، أن يعطي للعرض وللمكان المعاد صياغته بعده الجمالي، مفردات حفزت حاسة التلقي واختصرتها في هذه المساحة بكل تفاصيلها، وبزوايا الرؤية التي اتسعت شيئاً،وضاقت في آن، وبذرت في الذاكرة أسئلة تلتقي مع مقولة العرض " هل العالم فعلاً أصبح قرية صغيرة أم نحن الذين تضخمنا بما يكفي لأن نرى العالم كله صغيراً لا يسعنا؟".

          طال الأمر، عرض آخر للصواري، يروي ويلات الحروب وما تفرزه من انتكاسات نفسية للبشر، حد فقدان الرغبة في الحياة، عبر زوجين عجوزين يسكنان في الطابق السادس في إحدى البنايات التي تطل على ساحة تمتلئ بالجثث جراء الحرب. حكاية مجردة من الزمان والمكان، فهي حكاية الإنسان تحت طائلة الحرب، أي حرب.

          إعلان العرض يشي بأن الصواريين يعودون إلى اشتغالات العلبة الإيطالية ( مسرح مدرسة الشيخ عبد العزيز)، لكن حال الدخول إلى الصالة لا يلحظ سوى سقالات وأغطية زرقاء كبيرة، ولا كراسٍٍ لمتفرجين، وقبل بداية العرض بدقائق يرشدنا مخرجه إلى باب يفضى إلى كواليس المسرح التي أحالها خلفان إلى فضاء مسرحي قالباً معادلة التلقي المألوفة، حيث يدخل فضاء الركح إلى عمق الخشبة لكن من الخلف، وتتحول الكواليس إلى مساحة تتوزع فيها كراسي المتفرجين التي لا تتجاوز الثلاثين، والفضاء المغلق الغامض غموض الآتي، المصاغ من أخشاب قديمة يبدو عليها الإهتراء، دلالة إهتراء الروح الإنسانية تحت وطأة الظروف، أغراض تجمعها الفوضى، دلالة فوضى الحرب، إضاءة لشموع تتوزع في زوايا المكان. وعبر الشفرات البصرية والسمعية – عزف كونترباص حزين- التي يرسلها العرض، وعبر أداء الممثلين الذي تباين بين إلتماعات أداء محمد الصفار ونمطية رانيا غازي، رغم قدراتها المسرحية المعروفة، يدخل المتلقى في سيرورة الحدث متعاطفاً مع هاتين الروحين الممزقتين. ورغم تجاوز المألوف في فضاء العرض إلا أن الديكور الأقرب إلى هيئة كوخ، وإن كان متسقاً مع مقولة العرض قد جاء متكلفاً في صيغته النهائية، و يحسب لخلفان الذي رشح لجائزة الإخراج في المهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي2003م عن عرضه يوم نموذجي، اختباره لفضاء العرض، متجاوزاً ظرف الفرقة في عدم توافر خشبة عرض مناسبة، وظرف الجمهور الذي يبحث عن السائد في المسرح.

          عرضان ينمان عن وعي متقد لشباب مسرح الصواري حديث التاسس، يركزون اشتغالهم وتجاربهم المسرحية على مبدأ التجريب والتجديد، إنطلاقاً من هوسهم بالمسرح والفكر الذي يدعم توجههم، اختبارهم للفضاء، واختبارهم للنصوص وأداء الممثل قبل ذلك، يعطي بصيص أمل في مسرح طليعي وسط فوضى الحياة.