السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  15 - 12 - 2003

بين الأديب وذاكرته يقع عالمنا.

 فراس خطيب

(صحفي وكاتب فلسطيني مقيم من حيفا)

عن مونودراما "ذاكرة" التي ألفها ومثلها الأديب والكاتب الفلسطيني، سلمان ناطور.

 

"ذاكرة" الأديب سلمان ناطور هي  ذاكرتنا ، تعيش في أعماق أعماقنا، ربما لم نعاصرها جميعا، لكن النص الرشيق إستطاع أن يستحضرها الينا وهناك حضناها، لا بل خضنا  غمارها. عاندناها أحيانا وإنسبنا مع الجميل منها في أحيان أخرى،  فقد كانت لحنا حزينا لقي طريقه الى صميم مشاعرنا فإبتسمنا وإنغمسنا في عشها حتى بكينا، ومع نهايتها مسحنا دمعتنا مبتسمين. هذه الذاكرة التي عبرت عن  الواقع الفلسطيني وماضيه، وكيف يعشش في عروق حاضرنا حتى هذه الساعة، ذاكرة  نسجها هذا الأديب  من الحرب والألم، من  الإنسانية والحياء وروح الفكاهة،  فقد جعل من ذاكرته الشخصية ذاكرة جماعية،  إنتقل خلالها من الأديب الى الممثل الراوي الذي يتحدث عن الحروب التي فرضت علينا منذ ولادتنا. فيظهر على خشبة المسرح وينطق جملته الأولى: " ولدت بعد حرب 1948. دخلت المدرسة يوم حرب السويس. انهيت الثانوية في حرب حزيران. تزوجت في حرب اكتوبر. ولد طفلي الاول في حرب الليطاني والثاني في حرب لبنان ومات ابي في حرب الخليج". تلك الحروبات التي إستعرضها ناطور كنا نحن الفلسطينيون ضحيتها على جميع الأصعدة لكننا لم نبادر ولا الى واحدة منها، فرضت علينا كما فرض الإحتلال علينا، وما زلنا ندفع ثمنها.

لقد خلت مونودراما "ذاكرة" من الشعارات الرنانة، وإستعرضت الأحداث وتأثيرها بصوره بسيطة وسلسة، عادت الى إحتلال الإنجليز الذي دام أكثر من ثلاثين عاما وتناولت عدة جوانب من السياسات الغاشمة التي مارسوها بحقنا، بحيث روى الممثل قصة "القبضاي" عبد الحسن الذي قتله الإنجليز أمام عيني والدته التي جن جنونها بعدما بكت حسرة عليه، واتهمت هي بقتله، وكل ما فعلته هو أنها مارست أُمومتها الصادقة، فقد لاموا الضحية ولم يتهموا الكابتن الإنجليزي القاتل، وإمتدت الذاكرة إلى النكبة والإحتلال والتهجير الذي سعت له الحركة الصهيونية بمعسكراتها المتعددة،. هذا الإستعمار الصهيوني الذي ما زال قائما، ونحن في جعبة الإنتصار والبقاء، والإنكسار والصمود اللامتناهي.  لم نحتاج الى رؤية الدماء كي نشهد الظلم، ولم نبحث عن الرصاص لبرهان الحقيقة، لكن السياسة التي منعت من الفلسطيني قطف نبات الزعتر كانت دليلا كافيا على الظلم والإجحاف.

عندما كان ينتقل ناطور للحديث عن حياته وتساؤلاته الشخصية، كان يعود من الراوي الى شخصه الأديب، ويتحدث الفصحى، ينحنى أمام الحقيقة في بحثه عن جواب لسؤال حفيدته سلمى التي ولدت في ظل أجواء الحرب العاتية. جعل سلمان ناطور من سلمى رمزا للطفولة الباكية التي أرغمت على المجيء لهذا العالم المغبر، يضع نظارته خلف مكتبه ويقرأ بنبرة صادقة ومؤثرة: " تضعني سلمى امام عجزي القاتل كلما ابتسمت وتعلمت حرفا جديدا. أهرب من أسألتها الصامتة الى طفولتي، الى ذاكرتي التي افقدها يوما بعد يوم. تضعني سلمى في حساب النفس ومراجعات الذات، تعيدني الى التفاصيل الصغيرة، فقط لأجيب على سؤالها الحائر: لماذا لم تفعل شيئا كي لا اولد هذه الحرب". وأي منا في لحظاته التعيسة لا يسأل عن سبب مجيئه لهذا الكون، وأي منا لم يصادف روحا مثل سلمى. .

لا بد من أن "ذاكرة" تحمل أكثر من معاني المسرح، فقد إستحوذت روحا جميلة تبدأ عند النص المتين  وتنتهي بالأديب الممثل. تمتع هذا الأديب الذي جاوز العقد الخامس من عمره بجرأة لا متناهية وصعد على خشبة المسرح، ومثل مونودراما صعبة تحمل بين طياتها معان صعبة لكنه نجح على جميع الأصعدة، فقد كانت تجربته التمثيلية الأولى في مثل هذا الجيل، فعلا من المثير

الفلسطيني الذي عاش التهجير هو نفس الفلسطيني الذي يعيش التمييز والإحتلال في هذه الأيام، هذه المنطقة المشتعلة واجهت الكثير من الظالمين وما زالت تواجه شتى أنواع العنف وعدم الإستقرار. في الأمس كان التهجير، هناك من دفعته الأقدار الى خارج الحدود ولقي نفسه في سوريا ولبنان وغيرهم..  وهناك من دفعته الأقدار الى البقاء على أرضه،  لكن الحالتين وجهان للحقيقة الفلسطينية وذاكرتنا واحدة، وتاريخنا واحد.  ، نواجه المصاعب  في مجالتنا، قسم منا في المنفى وقسم على أرضه لكنه أيضا في منفى عنها، لكن الذاكرة دائما تدفعنا لها.. فقد أنهى ناطور رائعته  بقوله.  "تخونني الذاكرة وأفقدها يوما بعد يوم، وقد يأتي يوم أسود فأجد نفسي بلا ذاكرة، مجرد جسد يتحرك الى لا مكان، أهيم في الشوارع والغابات الى أن يعثر علي صياد كان يوما رفيق طفولة، فأخذ الحياة على علاتها واستقى منها فرحها فصان ذاكرته، ويمسك بيدي، أنا الذي ناطح طواحين الهوا ففقد ذاكرته وصار لا شيء، تماما لا شيء، وياخذني الى البيت الذي ولدت فيه ويسلمني الى اهلي، ويعود هو الى اهله ليحدثهم عن شيخ فقدذاكرته ويقول متفاخرا أمامهم: لولاي لأكلته الضباع.  ستاكلنا الضباع ان بقينا بلا ذاكرة، ستأكلنا الضباع".

"ذاكرة"

تأليف: سلمان ناطور

تمثيل: سلمان ناطور

إخراج: أديب جهشان

إنتاج: مسرح " السرايا"