السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  1-12-2003

كونشرتو الحكايات

قاسم مطرود

 

هو العمل المسرحي التي شاركت به سوريا في مهرجان قرطاج المسرحي الدورة الحادية عشر والذي قدم على مسرح ( الفن الرابع )

لقد استطاع المخرج ماهر الصليبي أن يضعنا أمام حكايات مترامية الأطراف إلا انه ربطها بخيط وهمي وكأنك تشاهد إحداث متداخلة من مشاهدات حياتية لعب الخيال فيها دورا بارزا إلا انه كون منها نسيجه الرائع في مشهدية أخاذة وخاصة عندما اجتمع أصحاب الحكايات في مشهد واحد والكل صار يردد ( موضابطه ) انه الضياع واللادراية والبحث عن الهدف إن كان هنالك هدف .

خمس حكايات أو أكثر سارت منفردة أو قل معا لا ضير فالاثنين شكلا عرضا مسرحيا يستدعي الانتباه , فحكاية الأم التي أصيبت بالجنون بسبب فقدان ابنها الصغير عندما ذهب إلى الفرن لشراء الخبز والخبز هنا مفردة مهمة في العرض لأنها نثرت على خشبة المسرح إلا أنها لم تصل بطون الشخصيات . ثم حكاية رزق الله وعطا الله اللذان هربا من قريتهما إلى المدينة بسبب ماضيهما الأسود في السرقة والاغتصاب.

 و حكاية الموسيقي الذي قاد العرض المسرحي في البدء ولكنه وبعد سير من الأحداث يتبين لنا انه يرغب بالهجرة من البلد بحثا عن التربة الخصبة لتحقيق الحلم لكنه هو الآخر يفقد جواز سفره كما أضاعت ألام ابنها .

وتأتينا حكاية المعلم تلك الحكاية التي سارت زمنيا متضادة مع باقي الحكايات إذ هو يحب القراءة والإطلاع على الصحف والأخبار إلا أن السنوات أكلته كما فتت عينيه الصور ولاكت فكيه الكلمات ..

وأخيرا حكاية العاشقين وتلك العلاقة الفوقية التي بينهما , انهما أحبا بعض فوق ما تستطيع أن تخزنه المشاعر وتعبر عنه الحياة لذا قررا أن لا يتزوجا وان يكون لهما لقاء واحدا في كل عام فوق أو إلى جانب الجسر وان لم يأت احدهما فلا يعني شيئا سوى انه قد مات .

وهنا يمكنني أن أضيف حكايات أخرى سارت ضمنا مع الخطوط الدرامية فللتمثال حكاية بل يمكن أن أصفه  بأنه عرض مسرحي مستقل ,إذا بدء العرض ونحن نشاهد شيء مغطى بقطعة قماش طويلة وجزء آخر إلى جانبه ينمو مع تنامي المشاهد الأخرى الخاصة بالعاشقين وأخيرا نكتشف أن التمثال مكون من وجهين لامرأة ورجل مغمضي العينين ولا نعرف هل هما في حالة وجد أم غيبهما الحب وانتقل يهما إلى العالم الآخر .

وهنا لزاما علينا أن نقف مع هذه الحكايات المتشضية التي كتبها ( موفق مسعود – وماهر الصليبي ) وقام الأخير بتجسيد هذا النسيج على خشبة المسرح بمساعدة ( باسم الطويل – وخرامة رشيد )

نجد الانكسار والخيبة والفقدان هو العنصر الرابط بين جميع الشخصيات فان قائد الكونشرتو أراد أن يولف بين مطالع الأحداث وإعلان بدء العرض الحياة إذ خيل إليه انه وبإشارة منه سيعزف الجميع بنسق واحد دون أن يفقد الإيقاع وبعد فقدان جواز سفره فقد أهليته وأهميته وقدرته في ضبط إيقاع هذا الكون

يبدو أن جميع الشخصيات تساوت في كونها فقدت شيئا أو انكسر في سيرها وحياتها معطى مهم جعلها عرجاء دونه , فلم يبق لرزق الله وعطا الله المكانة التي تديم بقائهما في القرية وشعرا أنهما ضائعان وليس هنالك غير سلك الأجهزة السرية التي تستقبلهما كموظفان مطيعان والأم طعنت بشرفها بعد اغتصابها من قبل رجال الأمن وهي في دوامة البحث انه انكسار للسكينة والآمان .ويشترك المعلم في هذا التيهان لأنه يشاهد أمام عينيه كيف تتهاوى الحقيقة وتتحول الصحف إلى أوراق سمر والخبر فيها هو ذاته منذ عشرات السنين ولكن بصياغات مختلفة لان الحقيقة امتدت مستكينة  في نعش الكلمات.

وأخيرا سقوط الجسر الذي كان امتدادا لوفاق الأحبة .

لقد اجتمعت هذه الحكايات إن حق لنا فصلها أو دمجها في عرض الكونشرتو في الكثير من الثيمات السجن أو سجن ألذات مثلا  هو النغم الذي ناحت عليه الشخصيات .. الهروب من القرية إلى المدينة هو تحول من سجن صغير إلى اكبر بحثا عن تحقيق الغايات في عالم مجهول والموسيقار قائد الكونشرتو الذي شخص أبصاره باتجاه ما وراء البحار والمحيطات كي ينفذ من سجنه الصغير الذي أوقف موهبته في حدود ضيقة ويندرج المعلم والمراة تحت هذه القاعدة في التحولات التي طرأت عليهما من والى..

 وأخيرا انتقال العاشق المغرم من دنياه إلى السجن الذي لا رجعته فيه

لقد استطاع عرض ( كونشرتو ) أن يشدنا طوال الوقت عبر السخرية من الحدث وتحويل المأساة إلى كوميديا سوداء تستدعينا للضحك ولكن .....................

كما اشد وأشيد بجهود الممثلين كل من جهاد عبدو – رنا جمول – محمد صدقي – مريم علي – عامر العلي – علاء الذهبي – اياد ابو الشامات و رغدة شغراني . وعسى أن نشاهد الفنان ماهر الصليبي في أعمال إبداعية أخرى.