السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث 24 - 5 - 2004

 

قراءة في عرض مسرحية الجرافات لا تعرف الحزن لمخرجها أحمد شرجي:

المحسوس والمتخيل يتبادلان المواقع على الخشبة

 

د. حسن السوداني

مالمو/ السويد

( النص ما هو إلا نتاج حيلة تركيبية دلالية تداولية يشكل تأويلها المحتمل جزءا من مشروعها التكويني الخاص) إمبرتو إيكو

( لكي تربي الممثل ليصيح فنانا, لا يكفي أن تسلحه فقط بالتقنية, وتلقنه طرائق الفن, إنما ينبغي أن تحسن تربيته بوصفه إنسانا,وأن تساعده على أن يشكل شخصيته متكاملة, وأن تعزز مواقفه الجمالية والتقدمية بوصفه مواطنا) كريستي,ج,ف

لم يعد من الممكن قراءة إي عرض بصري ثابت أو متحرك بمعزل عن سبر غور آليات تكوينه سواء أكانت هذه الآليات منضوية تحت فعل الكتابة نفسه أم عملية حث المرسل أليه على استمداد ما لا يقوله النص, ولعلنا هنا نؤشر لكيفية معالجة النصوص إخراجيا والإشكالية القائمة بين مؤلف النص الأول والمؤلف الثاني والثالث والمتوالية العددية لمؤلفي النص الواحد!!؟ وإذا كان النص هو الأرضية التي يستند أليها العرض مضافا أليه الرؤيا الإخراجية بتحويل المفردات التجريدية إلى محسوسات فأنه ـأي النص ـ هنا ما هو إلا نسيج فضاءات وفرجات ينبغي ملؤها ذلك أن كفاية المتلقي ليست بالضرورة مساوية لكفاية الباث, وأن تأويل أي نص إنما يعزى بشكل أساسي إلى عوامل تداولية كما يشير إيكو .

 ولعل التساؤل الذي يثيره هذا المعنى هو كيفية حدوث هذه التداولية ومن سيقوم بها ومن سيملئ هذه الفضاءات والفرجات في عملية العروض البصرية عموما والمسرحية منها على وجه الخصوص؟ هل هو المخرج باعتباره المؤلف الثاني أم الجمهور المتشضي عدديا باعتباره المؤلف الثالث؟ هذه الأسئلة وغيرها يمكن أن تكون مدخلا مناسبا للعرض المسرحي (الجرافات لا تعرف الحزن) لمؤلفه قاسم مطرود ومخرجه احمد شرجي والذي تدور أحداثه عن فكرة العلاقة بين العبد وسيده عبر ثيمة الفرار أو الخلاص أو النفي أو الموت المؤجل للآخر! ولعل هذه الفكرة تستمد صعوبة تنفيذها من عدد تكراراتها وأشكال تنفيذها عبر التناول المتوالي لهذه العلاقة التي ابتدأت مذ فتح الإنسان عينيه تحت وطأة عدم الاختيار مرورا بكل أشكال التعسف الحياتي الذي يتعرض إليه, ومما زاد من صعوبتها أيضا أنها كتبت بطريقة مسرحية الفصل الواحد التي تقترب من المونودراما ذات البناء الدائري والذي غالبا ما يتيح لك بدء الحكاية من أي نقطة تشاء فلا أهمية تذكر لتسلسل الأحداث ولا للبناء الدرامي الأروسطي بل وهو أقرب ما يكون إلى هذيان طويل أو منلوج داخلي يستدعي فيه الممثل أبطال كوابيسه بمن فيهم شخوصه الإيجابية! أو هي كما يصفها الصديق عبد الخالق كيطان( لا تفاجئ متلقيها إلا في حدود ضيقة جدا) وإذا كان ( النص ما هو إلا نتاج حيلة تركيبية دلالية تداولية يشكل تأويلها المحتمل جزءا من مشروعها التكويني الخاص)  كما يقول إمبرتو إيكو فأن المؤلف الأول عمد إلى قلب فكرة النهاية المألوفة(انتصار الحق) إلى (استمرار الباطل) واضعا تأويلا للنهاية وحاثا الآخر على تقبله وهو محق في ذلك ما دام الأمر يتعلق بمشهده الخاص والذي يعتبره مشهدا عاما قد يشاركه فيه الآخرين وهي حيلة غالبا ما يدبرها مؤلفو النصوص المسرحية خالقين صيغا تداولية متعددة تعقد حبالها أحيانا على أفكار المخرجين أو المتلقين للوصول إلى مشروعها التكويني الخاص ولكون النص قد اصبح بيد مؤلف أخر فأنه غالبا ما يعلن تمرده بأشكال متعددة, أحدها الشكل المزمع تقديم العرض فيه أو إعادة التأويل من خلال إعادة إنتاج الحيلة بطريقة تركيبية ذات مداليل تأويلية جديدة وهذا ما حاول المخرج عمله من خلال تفجير المشهد المكاني الثابت إلى مشهد زمكاني متحرك عبر محاولته إخراج السيد من دائرة العرض الواقعية(خشبة المسرح) إلى دائرة العرض الوهمية(شريط السينما) المصاحب للعرض مع خلق نمط اتصالي متماسك بين الواقعي والوهمي, بين المحسوس والمتخيل وهو ما سنجده في المشهد الثاني حيث نرى السيد أو المحقق أو الحاكم في الشريط السينمائي داخل مكتبه ينظر إلى مجموعة كبيرة من الرسائل التي كان يبعثها أبن الضحية أو العبد أو المحكوم من منفاه البعيد والتي ستنتهي حتما بيد السيد, وفي الوقت نفسه نرى العبد على خشبة المسرح يرد مباشرة على أسئلة السيد ومتلقيا أحيانا صفعاته المتكررة.  وهذا التناول يوحي بالكثير من الدلالات قد يكون من بينها هيمنة السيد الخارجية وقدرته على المراقبة والانتهاك وامتلاكه أدوات الاستلاب البشعة. وإذا كان خطاب الصورة كما يرى "جون لوك غودار" يحتوي على جانبين متعارضين ومتكاملين,( هما الجانب الدلالي,أي"ما يقال" والجانب الجمالي, أي ما يتضمنه الخطاب دون قوله بشكل مباشر, بل هو منغرس في ثنايا الخطاب, ورموزه الموحية)  فأن زيادة الإيحاء وتضخيمه من خلال استخدام اللقطات القريبة أو زاوية الكاميرا قد مكن العرض من النفاذ إلى دائرة الحدود الضيقة والنادرة الحدوث في عروض المونودراما. ولكون المخرج قد عقد العزم على التعامل مع النص الدائري فأنه حتما سيتعامل مع معطيات هذا البنية والمتكونة من:ـ

1/ مجافاة المنطق الظاهري واللامنطق السطحي

2/ الحلم

3/ التكرار الرتيب الممل الذي يصل إلى درجة الجمود

أو هي كما يصفها إبراهيم حمادة في كتابه"التقنية في المسرح" ( البنية الدائرية ليست مجرد إطار أو هيكل خارجي, بل هي لا تنفصل عن المضمون الذي يكمن قي أن الحياة البشرية ليست إلا يوم واحد, يتكرر إلى الأبد وبصورة تجافي الصواب والمنطق.. فالقضية في جميع الأعمال التي يقوم فيها الزمن بدور جوهري هي إبراز هذا الزمن) وما دامت الحياة شكلا منسوخا ليوم واحد فهي تستحق النهاية الفجائعية التي يرسمها مؤلفو النصوص الدائرية لها وهو ما اتبعه مؤلف نص الجرافات بوضع عبارة في آخر النص المكتوب تقول( الحكاية لم تنته بعد.. لان العربة لم تتوقف) في إشارة للعربة التي سوف يسحب فيها السيد عبده مقتولا! وهي ذات النهاية الفجائعية التي رسمها المخرج بطريقة ثانية محولا العربة إلى قبر من خلال تداخل واقتراب جدران المسرح وهو يردد أنفاسه الأخيرة!

وإذا كنا هنا نحاول فض التشابك بين المؤلف والمخرج فأنني سوف أذهب كثيرا مع كريستي,ج,ف, في رأيه بالممثل( لكي تربي الممثل ليصيح فنانا, لا يكفي أن تسلحه فقط بالتقنية, وتلقنه طرائق الفن, إنما ينبغي أن تحسن تربيته بوصفه إنسانا,وأن تساعده على أن يشكل شخصيته متكاملة, وأن تعزز مواقفه الجمالية والتقدمية بوصفه مواطنا) وهذا ما انعكس فعلا على ممثلي هذا العرض "احمد شرجي وهادي الخزاعي" إذ حاولا جاهدين أن يعكسا حالة الغربة الداكنة التي عاشاها منفيين في عالم لا يشعر بالدهشة والاستغراب لمعاناتهما ولا يفهم لها سببا واضحا  وعليهما أن يعقدا الصلة بين همهما المشترك" كإنسانين" يحملان إرثا من الألم والتشرد وبين المتلقي الآخر, ولكي يصلا إلى ذلك فقد تلبسا الجدية الفنية في إيصال أفكارهما عبر أدواتهما الفيزيقية والحسية وهي جدية بتنا نفتقدها في العديد من عروض المنفى. ولكن ذلك لا يخلو من حقيقة شاعت كثيرا في مثل هذه العروض وهي تحميل الممثل ما ليس من واجباته وبالتحديد خارج إطار الشخصية المسرحية, كالعمل في الديكور والإضاءة والصوت وغيرها فضلا عن أن الكثير من الممثلين غالبا ما يكونوا هم أنفسهم مخرجو هذه العروض مما ساعد كثيرا على حدوث الكثير من التشتت وعدم التركيز لدى الممثل أو المخرج أو الممثل المخرج ويبدو أن هذه المشكلة سوف لن تجد لها حلا شافيا وسط قلة الإمكانيات والكفاءات التمثيلية وظروف الحياة الصعبة التي يعيشها الفنان خارج وطنه.

لقد حاول الممثل في هذه العرض أن يضفي أبعادا تشكيلية سمعية وبصرية على شخصيته محاولا كسر المدرك والمألوف في المشهد البصري السائد منطلقا من فهم واضح للشخصية الإنسانية التي يقدمها وفقا للتصور الأروسطي لمفهوم البطل فهو" المجسد لكل الناس,لأن ما يحدث له يحدث لكل الناس" وبالتالي فأن المتلقي لرسالة الباث سوف لا يقبل التشفير ما لم تنسجم صورة الرسالة مع حجم  مدركه الدلالي المفترض.  وقد حاول المخرج الممثل أحمد شرجي أن يستثمر التشكيل الصوتي عبر وضع مؤثر خاص لنزول الشاشة وصعودها في عمق المسرح وهو صوت الجرافات كي يضفي على المشهد دلالة رمزية تتعلق بتعامل السيد اللاإنساني مشبها إياه بالـ(الجرافات) وهي من بين الدلالات السريعة والمكثفة التي استخدمها المخرج في متن العرض وبالتالي فأنه قاد الجرافات كعرض بصري حاول فيه إبقاء ذاكرتنا متحفزة لفجاعة الماضي القريب ورفضا تاما له.

 

 Masraheon.com قائمة المنتديات

جميع الحقوق محفوظة مسرحيون 2004 ©

 

للاتصال :

أبحث في مسرحيونSimple Search

 

 

masraheo@masraheon.com

kasimalgaboury@hotmail.com

                 

سجل الزوار