السنة الثانية                                            موقع الكتروني يعنى بكافة الفنون المسرحية            آخر تحديث  26-11-2003

 

 

المسرح في العراق

تاريخه، أزماته، متغيراته، مستقبله

 

 

تأليف

محمد سيف

 

 

 

 

 

 

الإهداء

 

          إلى رغد

حبيبة، وصديقة، وأما لسيف وسلسل

إلى رغد .. زوجتي التي كانت خلف كل كلمة وسطر وكل صفحة وفصل والتي لولاها لما شاهدت رسالة الدكتوراه هذه الضوء.

 

 

 

 

 

·                                مقدمة : مشروع العمل

 

تحاول هذه المقدمة في طروحاتها أن تناقش طبيعة العلاقات التاريخية التي تربط المسرح العراقي بالمسرح العربي، دون أن تنسى  تسليط الضوء على الكيفية والخصوصية التي جعلت المسرح العراقي ملتحما كل الالتحام مع المسرح العربي. وإذا كان توجهنا في المرتبة الأولى، هو البحث في المسرح العراقي الذي لا يمكن فصله، في الحقيقة، تاريخيا عن المسرح العربي، فسوف نحاول بالمقابل البحث في خصوصيته بشكل متوازن. وبما أنني لست ببعيد عن المسرح العراقي، واعتبر نفسي واحداً من العاملين في حقوله المتعددة (تأليف، إخراج، تمثيل ونقد) سأحاول الحديث عن المسرح في العراق وليس المسرح العراقي بشموليته، مناشدا في ذلك سوسيولوجيته الداخلية وبالعكس، وذلك بالاعتماد على منطق أن المسرح يستطيع أن يضيء ما هو اجتماعي، بالعمل على دراسته. وبهذه الطريقة نضع علم الاجتماع بكل لوائحه إن صح التعبير في خدمة المسرح بغية الحصول على رؤية معرفية افضل لكل متغيراته وأزماته.

لقد تطلبت مادة هذه المقدمة أن نتتبع المنهج التاريخي، لرصد تطور المسرح في العراق عبر كل فترة منبهين في كل مرحلة إلى خصوصية الظاهرة، ولهذا فقد امتزج التاريخي بالجمالي والسياسي بالاجتماعي.

ونتيجة لهذا الامتزاج المتعدد المناهل ونتيجة لتقدم المنهج التاريخي على باقي المناهج، فإننا نرى أن لكل عصر نوعه الأدبي وأسلوبه المسرحي في العرض.

إن التاريخ الأدبي العراقي، يسمح لنا أن نرى- من خلال متاهاته- نوعا من التعددية الفنية التي انتعشت بموجب أحداثه الاجتماعية والثقافية المتزامنة. ولهذا سنقوم برحلات لأروقة التاريخ بغية أن نلامس، ولو بشكل بسيط، الجذور الدرامية للأدب العربي.

نحن نعرف بأن  التراث الثقافي العربي قد عرف غليانا شعريا وقصصيا قبل وبعد الإسلام. فقبل الإسلام كان لا يوجد سوى الشاعر الفيلسوف، والحكيم الذي يحمل في ذاته كل ما هو دنيوي ومقدس؛ لا يوجد إلا شاعر القبيلة البوهيمي، المدافع عن التاج والشرف، بالكلمة والسيف في آن واحد. وقد اكتظ التراث العربي بأسواق الشعر التي كان يتطارح الشعراء بها الشعر، وامتلأت لياليها بالحكايات والأساطير التي كانت تزاوج أكثرها ما بين الحرب والحب، وما بين الخمرة والنساء والبراعة والسبق. إن حكايات ألف ليلة وليلة، خير شاهد على تلك الليالي الديونيسيّة الخمرية، مثلما هي خير شاهد على قيام الحاكي والراوي بكل أنواع الأداء المصحوب بالإخراج وبجميع أنواع العرض تقريباً.

ولكننا مع ذلك، لا نستطيع أن نتكلم أبدا عن حياة مسرحية لدى العرب، وذلك لأنهم كانوا يعيشون حياة تَبَدّي، حياة بداوة وترحال وبحث عن الخضرة والماء. إن حياة الترحال وعدم الثبات في مكان، والتنقل وراء العشب والماء، يعتبر واحدا من الأسباب التي كانت تشكل عائقاً أمام نشوء ثقافة مسرحية، لا سيما أن الحياة لم تكن تتطلب قيام ذلك آنذاك ، وانصب جلّ اهتمامها على عناصر درامية بسيطة كالحكاية والقصيدة الغنائية ذات الحوار والمناجاة التي للأسف لم يكلف الشاعر نفسه عناء تحريرها من صياغاتها التقليدية وقيادتها نحو ما هو درامي على الرغم من توفر الشروط اللازمة فيها. فالقبائل كانت في حروب دائمة، وكان الشاعر يقاتل بالسيف والقلم، ومع ذلك لم ينشأ شعر حرب، مثلما نشأ عند الإغريق. وهكذا ظلت القصيدة الجاهلية حبيسة عناصر، مثل: المدح، الفخر، الإشادة والفرح، مثلما ظلت سجينة عموديتها وصياغاتها المتوارثة. لهذا يمكن أن نحصر القصيدة الشعرية في العصر الجاهلي في ثلاثة تصنيفات: قصيدة المدح نحو الملوك والأمراء والقبيلة، قصيدة الهجاء نحو القبيلة العدوة، وقصيدة الحب نحو الحبيبة أو التغزل بالحصان. ومع مجيء الإسلام تغيرت وتقلصت فضاءات القصيدة والشاعر، بحيث صار الاثنان معا في خدمة الفتوحات الإسلامية التي منحت الشاعر نوعا من الطاقة والمتعة وجعلت منه بطلا وصاحب رسالة بعدما اختفت بعض الأغراض الشعرية، لتنافيها مع أخلاقيات الدين الجديد: المدح والهجاء، بحيث تخلت القصيدة عن بعض التقاليد المتوارثة: الإسراف الزائد بالمقدمة الشعرية، والعمل على الدخول مباشرة بموضوع القصيدة التي امتنعت عن كل ما هو حياتي وصارت تميل نحو كل ما هو روحي أخلاقي. وإن الذي كان يجمع الروحي بالأخلاقي فيها هو الإيمان بوحدانية الرب. إن سمو وعظمة الرب قادتا الفرد إلى إتباع طريق آخر، طريق صار كل ما فيه من شخصي خاضع لمعتقدات فكرية سماوية تجاوزت قدرته المعرفية. وهكذا تحولت الثقافة الجاهلية وتغيرت قواعدها وصارت تخضع لنظام اجتماعي يختلف ويتناقض مع نظام القبيلة الذي كان يتأسس على وحشية الكر والفر. إن كل هذا قد تغير باسم الإسلام، وباسم النظام الاجتماعي الجديد الذي حاول بأخلاقياته وتقاليده أن يسيطر ويعيد بناء إنتاج الحياة الجاهلية وفقا لأسس وأنظمة وأخلاقيات إسلامية جديدة، مثلما اشترط أيضا ولادة مدينة فاضلة، حيث الطوبوغرافيا الاجتماعية خاضعة بوعي وإيمان لإله واحد. الإله الواحد الأحد لجميع المخلوقات، في يده وحده صولجان الحكم. وهنا هل يجب علينا القول، بأن الإسلام قد قلص الفضاء الدرامي في الثقافة العربية وخاصة الشعر؟ أم انه منحها شكلا أدبيا آخر وجعلها تحطم حقيقة واقعها بواسطة خيال وخيار آخر لكي تؤكد على حضور جديد للمقدس والنافع ؟ إذن لم يعد الإنسان البدوي سيد نفسه، صار في خدمة المجتمع والدين الجديد. إذن لا بد من العثور على معالجة شعرية جديدة تتلاءم مع هذا النوع الجديد من المجتمع. سوف نوضح أو بالأحرى نتطرق إلى هذه الفرضية وسوف نشبعها شرحا وتحليلا في الجزء المخصص لمسرح التعزية.

          لقد تحولت الفوضى إلى نظام، ووجد سكان الجزيرة العربية توازنهم في رحلة وجودية وروحية. إذن كل شيء يجب أن يتأسس وفق هندسة أخلاقية خاضعة للقانون الإلهي. الشاعر نفسه بعد الإسلام قد انتهى بالقبول بهذه المعادلة الأخلاقية الجديدة ووجد نفسه متلائما معها ثقافيا وحياتيا. إذن كل شيء يجب أن يهدم نفسه ويبنيها على أساس التخلص من كل ما هو دنيوي والتمسك بكل ما هو روحي.

وهكذا استمرت العقيدة الإسلامية في رحلتها التاريخية محافظة على مجموعة من التقاليد الموروثة والتي لم يطرأ عليها التغيير إلا بعد مقتل عثمان ابن عفان ثالث الخلفاء الراشدين. لقد انتشرت المأساة بين القبائل والعشائر كما انتشرت تشكيلات سياسية مختلفة، وصار الغموض والالتباس يطغى على المشهد العام للأحداث. لم يعد هناك مسلم واحد وإنما عدة مسلمين: السنة، الشيعة والخوارج. صار التأويل يهدد السياسة اكثر مما يهدد الدين. وهكذا انقسم العرب على بعضهم بعدما كادوا أن يؤسسوا مدينة فاضلة، إن صح التعبير. إذن لا بد من تسوية بين الفعل السياسي والديني. . ولكن بدلا من القيام بذلك، استمر مسلسل القتل الذي تجلى بمقتل علي ثم الحسن والحسين. الدم والوحشية والقتل بين المسلمين صار المركب الأكثر استجابة وفعلا. كل قسم من الأقسام المتنازعة يطالب بالحكم. هل يتوجب علينا وفقا لهذا الطرح أن نتكلم عن حطام السياسة والدين الذي كشف في نفس الوقت وبشكل لاشعوري عن كل ما هو قبلي دفين ؟ ... لا شيء يموت ... هاهي القبلية تولد ثائرة برداء جديد ضد مجتمع السياسة والدين الجديدين. كل شيء يتنازع باسم الحقد ... والتعطش إلى الحكم. إن أسطورة الوحدة والامتثالية التي هي نزعة التقيد بالأعراف المقررة قد ماتت، قتلت ودفعت المسلمين للانقسام والتشظي والحرب. إن تعبير جان دوفينيو "التكتل الجنوني" قد وجد حقل تطبيقاته في المجتمع الإسلامي في هذا العصر. وذلك لأن جميع العناصر الاجتماعية باتت متعطشة إلى السلطة، تحلم بالدين إلى درجة أن صارت الدراما الاجتماعية بمثابة ثقافة للتناقض، ميزتها البحث عن تعاقبية متمثلة في إمام موحد يجسد في شخصه كل ما هو سياسي وديني.

إذا كان الإسلام قد حاول أن يلغي القبيلة بتشييده للأمة، فإن موت الحسين قد أعاد القبيلة من جديد بأحقادها الحربية إلى مقدمة المشهد. وإن ما دُفن قد ورّد سياسيا.

إن جميع هذه الأحداث والملابسات قد حركت "القصيدة" وألبستها أردية أخرى ذات ألوان متنافرة، خاصة بعد مقتل الحسين الذي يعتبر بداية التجربة " الدرامية " في تاريخنا العربي الإسلامي. ولكن سيطرة الأمويين جعلت معظم الشعر الخاص بمقتل الحسين شعرا سرياً اضطر مؤلفه إلى كتابته بالفارسية.

على الرغم من الانفتاح الذي شهدته الحركة الأدبية في العصر العباسي، حيث نما فن الحكاية والمقامة، خيال الظل، بفعل عوامل سياسية ودينية وشعبية، فإن الهدف الحقيقي منها، كان صَرْف النظر عما يحدث من أحداث سياسية وحركات تمرد وشقاق بين تيارات الفكر والسياسة.

إن الأدب العربي قد عبر أشواطاً شعرية كبيرة امتزج فيها الشعر بالنثر والحكاية بالملحمة بحيث أن هذا الخلط والامتزاج عاش حتى العصر الحديث وتجسد بشكل اكثر دقة في أعمال كل من مارون النقاش، يعقوب صنوع، أبو خليل القباني، والرواد الأوائل للمسرح العربي.

وظل سؤال يطرح نفسه، وهو لماذا لم يعرف العرب المسرح إلا بعد حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798 ؟ ولماذا يعتبر البحاثة العرب عام 1848 هو العام الذي ولد فيه المسرح العربي عندما قام مارون النقاش بترجمة وتقديم مسرحية "البخيل" لموليير ؟ إن الأجوبة التي تدور حول هذه الأمثلة متضاربة ومختلفة في منظرها، فمحمد عزيزة يرى، على سبيل المثال، أن ولادة ونشوء أي مسرح لا يمكن أن يكون إلا في جو مليء بالمتناقضات. ونحن نعرف أن إرادة المسلم هي جزء من إرادة الله ولا يمكن أن تنفرد بذاتها وتقوم بفعل المواجهة لإرادة الرب كما هو الحال عند أبطال اليونان في مواجهتهم للآلهة. في حين أن زكي طليمات يعزو السبب الرئيسي إلى حياة البداوة المليئة بالترحال الذي يتناقض مع حاجة المسرح للثبات والاستقرار. أما الدكتور علي الراعي فيرى أن العرب ينظرون إلى المسرح بازدواجية مثقلة بالتناقض، فهم يرفضونه من حيث المبدأ، ويقبلونه من حيث التطبيق. سوف نتطرق لجميع هذه الآراء في الباب المخصص لتأثير الرواد العرب على المسرحيين العراقيين وخاصة على رائد المسرح العراقي "حقي الشبلي" الذي حصد ثمار الذين سبقوه من الرواد.

إن مادة بحثنا قد ألقت بنا من حيث لا ندري في تاريخانية المسرح، حيث حاولنا في كل مرحلة من المراحل أن نعطي مثلا ونموذجا للاستدلال والتطبيق. ولكننا نود الإشارة أنه في كل فترة من الفترات وجدنا أنفسنا أمام فُسيفساء غامضة، مركبة من العناصر الاجتماعية، السياسية، الجمالية والتقنية. ومن المظاهر المختلفة التي سوف نعالجها في بحثنا، هي: المسرح العراقي في مرحلته الأولى. إن هذا الجزء سيسمح لنا بتعيين وتحديد شكل النص الدرامي الذي عرفه العرب عبر تاريخهم قبل أن يستطيعوا إنتاج المسرح بشكله الغربي، ومن ثم سنتطرق إلى المسرح العراقي من خلال تاريخه السياسي والديني، وسوف تنفتح هذه المقاربة على الجزء الثالث من البحث، الذي سنكرسه للمسرح العراقي الحديث ورصد مراحل تطور النص، المخرج، والممثل العراقي وكيفية تعامله مع المتفرج وفقا للمناهج المسرحية التي تعلمها أثناء دراسته في الخارج. لذلك لجأنا في بعض مقارباتنا إلى التوصيف أحيانا وإلى سرد الأعمال وتحليل دور أبطالها.

 

 

 

 

·        أهمية البحث والحاجة إليه

   نريد الإشارة في البداية، بأن الأسباب الرئيسية التي دفعتنا للخوض في هذا الموضوع، تكمن، بكل تأكيد، في كوننا عشنا التجربة المسرحية، كممثلين ومخرجين فيها، وهذا ما سمح لنا بأن نرافق ونعيش داخل خلايا الحركة المسرحية، ومساءلة مناظرها العامة والخاصة، انطلاقا من رؤية ذلك الممارس المسرحي الذي هو نحن. في الواقع، أن تجربتنا المسرحية- منذ عام 1975- سمحت لنا بالاشتراك ومعايشة التجربة التي عرفها المسرح العراقي قبل وخلال الحرب العراقية الإيرانية (1981). وإذا كان مجيئنا إلى فرنسا قد شكل نوعا من الانقطاع المباشر مع تطبيقات المسرح العراقي، فإن هذا الابتعاد سمح لنا بمساءلته انطلاقاً من هذه المسافة الضرورية التي فرضتها علينا سنوات الدراسة في جامعة السوربون بباريس، وأكدتها أعوام الإقامة في فرنسا. إلى جانب هذه الأسباب الأولى، نضيف أسبابا أخرى- أساسية بالنسبة لنا- وهي أن هذا البحث يستمد أهميته من كونه محاولة تعريفية بشكل ومعمارية المسرح العراقي، الذي غُيبّ كثيرا بسبب التحديات السياسية، الاجتماعية وتقاليدها الدينية وأعرافها التي كانت تشكل عائقاً حقيقياً أمام تطوره بل عملت قدر ما تستطيع على دثره وإلى الأبد. إن وصول المستعمر، الفارسي، التركي، البريطاني، ومن ثم الأنظمة الرجعية، إلى السلطة، لم يعمل إلا على تأخير حركة المسرح وتطورها.

وقد عاش المواطن العراقي بين نارين، نار تمزق هويته، ونار تعثر اندماجه في الحياة الجديدة، التي كانت تتأرجح حينذاك بين ما هو قديم يجب تحطيمه والقضاء عليه والبحث عن نظام آخر يتلاءم مع تطلعاته الجديدة.

يجب القول، إن المواطن العراقي قد واجه معتقدا جديدا تمثل في العصرنة، وتحقيق ذاته الجديدة من خلال مفهوم الأمة، والتيار القومي الذي كان يمثل حينذاك حركة التطور التاريخي نفسه نحو الاستقلال. إذن لا بد من إيقاظ هذه الرغبة وتحرير العراق من المستعمر.

وإن أمكن القول، فإن المسرح العراقي قد لعب دورا مهما في هذه اليقظة، بمحاولته الاختراق والنفاذ إلى ضعف الشعب وقوة المستعمر. بحيث نقدر أن نخلص إلى القول، بأن تاريخ المسرح العراقي انتعش من خلال الكفاح السياسي القومي وحركة وعي الجماهير الشعبية المسحوقة من قبل المستعمر. ولهذا نراه قد ولد في أحضان عدم الاستمرار، في الانقطاع، في اضطهاد الحكومات السياسية له، وتأثير الشعب عليه. لذلك سنحاول الكشف عن الكيفية التي استطاع بها المخرج، المؤلف، الممثل أن يجسدوا جماليا وأخلاقيا الحياة اليومية فوق خشبة المسرح؛ كيف وبأي واسطة استطاع المسرح أن يحتوي على هذا الكم الهائل من الأصوات، اللغات، والألوان. إن تجربتنا في البحث تسعى لعقد مقارنة بين المسرح العراقي والمسرح العالمي، من أجل فهم الأنظمة، القوانين وتقنيات هذا المجال.

 

·        حدود البحث

يتكون البحث من ثلاثة أقسام: يبحث القسم الأول، في الجذور التاريخية للمسرح، محاولا إيجاد تعريف له من خلال طرحه السؤال التالي: ما هو المسرح ؟ أي انه سيبحث في مجالات نشوء الظاهرة شبه المسرحية، مرورا بحضارة العراق القديمة، العصر الجاهلي، الإسلامي، مناقشا المسرح العربي من خلال ما هو شفاهي ما هو مكتوب، بالتعرض إلى ولادة الدراما من خلال نصوص التعزية، تاريخ تقديمها، تسميتها، طقسها القريب من المسرح الجوّال، وطريقة تقديمها، ثم ينتقل لدراسة خيال الظل من خلال بابات ابن دانيال الموصلي. ثم يستمر  البحث لكي يلقي بنا في أحضان الجذور التاريخية للمسرح في العراق وتلك الفعاليات شبه المسرحية، وصولا إلى البدايات الحقيقية للنشاط المسرحي في المدارس الاكليريكية، إبان فترة الاحتلال التركي، ووضع العراق تحت السيطرة البريطانية، وتكوّن الحكومة الوطنية وانعكاس ذلك على المسرح. ثم تتدرج الدراسة في البحث والتقصي لكي تصل إلى تأسيس معهد الفنون الجميلة الذي وفر فهما أكاديميا للنص، لفن الممثل، الإخراج وباقي عناصر العرض.

 

·                       الإشكالية النظرية

   تتحدد الإشكالية النظرية في تلك المجابهة ما بين السياسي والفني، أي أن ولادة المسرح في العراق ونشأته لم تكن نتاج رغبة بسيطة بالفن وإنما هي عملية تصعيد وطني وتصدي للمستعمر. وانطلاقا من هذا المنظور نستطيع القول بأن الفن كان في تلك الفترة- فترة احتلال العراق من قبل المستعمر- أداة احتراب وكفاح ونضال. كان الفنان لا يطالب إلا بشيء بسيط اسمه الحرية. لهذا كان يترهب ولا تستحوذ عليه إلا فكرة مطالبته بهويته الوطنية ... التي من اجلها حول المسرح إلى أداة دفاعية ينادي من خلالها بجميع مطالبه ومطالب الشعب الذي ينتمي إليه. إذن، بات من الضروري الإشارة إلى أن ولادة المسرح يمكن تقديمها كبادرة أولى للثورة والتمرد، ورغبة، وتقديما للهوية الجديدة التي لا يمكن أن تتجسد في مصطلح "الاحتلال" والسيطرة الأجنبية وإنما بالحرية والاستقلال. وانطلاقا من هذا المنظور، فإنه بإمكاننا القول إنه آن الأوان للحديث عن التاريخ السياسي الذي استطاع فيه المسرح أن يؤسس نظاما سياسيا يتعارض مع المستعمر.

بهذه الطريقة لم تعد المواطنة العراقية مجرد حقيقة ملموسة إلا من خلال الإضاءة الفنية. وهكذا صار المسرح بمثابة يقظة ونشاط لا يؤدي واجبه إلا من خلال التلويح بعملية إلغاء المحتل كوجود وكفكرة تتربع على عرش من الوهم المرفوض من الجذر؛ صار الفضاء الذي تتهشم وتبنى فيه خطوط الثقافة الوطنية. إذن يجب العثور على الأشكال والهيئات المبعثرة والعمل على إعادة صياغتها ووضعها في سياقاتها الخاصة لكي تستطيع تحقيق معنى الثورة فنيا، معنى التاريخ، والحرية التي تحطم النظام الاستعماري وتبني فضاء جديدا حيث العمل الوحيد فيه والفريد تحرير المواطن العراقي من القلق والخوف اللذين مارسهما الاستعمار بحقه. لقد كان المستعمر على عرش من الوحشية والدم، وهذا يعني أن الرعب هو المهيمن على الحياة اليومية، وكان الفنان العراقي يعي ويعرف هذا التكنيك ولهذا فضل الرد على القسوة والقمع بكيفية اكثر رقة وقوة، وهي تعليم الفرد كيف يتخلص من عذابه بواسطة المسرح، الذي يجب أن يتعلم فيه مبدأ أن الحرية والمواطنة هما حق من حقوقه التي عادة ما يدفع ثمنهما بنضاله المستمر ومطالبته الدائمة بهما.

 

·        المسرح صوت/ صوت الحرية

           بإمكاننا أن نتساءل في بحثنا هذا، فيما إذا كانت ولادة المسرح محض ولادة سياسية. وما نريد تأكيده في تساؤلنا  هو أن المسرح قد نجح في جعل النضال السياسي قاسما مشتركا ما بين الفنان والجمهور. فالمواطن العراقي يجد نفسه أمام تأثير جمالي يجعله يكتشف حقيقة وجوده كمضطهد ودفعه بقوة نحو تحريرها. ومثلما يقول "روجيه باستيد" في كتابه المعنون "الفن والمجتمع": ( إن الفن يؤثر في الحياة الجمعية، مثلما يستطيع أن يغير قدرية المجتمعات)1.  إن القدر العراقي قد خزن في أعماقه دراما لم تنجز حتى أصبحت تراجيديا أسطورية قادرة على إنتاج عمل مسرحي بمعناه الحقيقي. إن التراجيديا الأسطورية هي، من وجهة نظرنا، بمثابة فضاء أو بالأحرى تقديم تتأرجح فيه العقيدة بين الواقع والخيال. فالمواجهة اختلاف يأخذ جذره من طقوس (عاشوراء). وإن هذه الاحتفالية عبارة عن صوت مكلف بأن يجعل مقتل (الحسين) رمزا من خلال إعادة تقديم قصة مقتله غير الإنسانية، بغية أن لا تتوقف الأسطورة عند حد معين. إن المغزى من طرحنا هذا هو أن المسرح العراقي قد نشأ نتيجة لاهتدائه إلى الصراع اللاهوتي الذي يحمل في طياته نوعاً من المقاومة السياسية، الدينية. إن اللاشعور الديني يولد ويتغذى في مجتمع قبلي لم يستطع أن يصفي حساباته مع معتقداته الدينية.

إذن، إن الدراما عادت لكي تنضم إلى النداء المشترك ما بين الرغبة الدينية والحاجة الحقيقية في جعل هذه الرغبة جديرة بأن تكون مشروعا سياسيا. ويتحقق هذا التعبير من خلال العديد من المظاهر الطقسية التي من خلالها تعيد الصراعات القبلية بناء نفسها لكي تظهر على سطح الحياة اليومية. وهكذا تصبح الحياة اليومية بمثابة تصميم معاش يعريّ هذا الغليان، ويقدمه من خلال الغناء العاشوري، وتقنينه في لغة تصويرية، تضع الحمية أمام عيون المتفرجين.

   إذن لا بد من تمثيل الدراما، من اجل معاكسة وإحباط هؤلاء الذين يملكون زمام الحكم ... إذن لا بد من لعب الدراما العزائية في الشوارع لكي يحس الجمهور ويشترك في حالة الألم الذي لم يقو التاريخ على دثره.

إن التمثيل فن جماعي، انه يعبر عن أخلاق تصقل جمال الثقافة التقاليدية التي هي دائما وأبدا جاهزة للانفجار هناك حيثما تسنح الفرصة، وتحل الفوضى. يقول روجيه باستيد: ( عندما يمتزج ويتطابق ما هو اجتماعي بما هو فني، فان أشكالهما والهيئات التي تتخذها تخلق فضاء لما يمكن أن نسميه "الفنون الاجتماعية".2) وباتباعنا معنى هذا التنويه، سوف نمد فضاءات إشكاليتنا لكي نخلص إلى القول بأن " احتفالية التعزية " أو "عاشوراء" ما هي إلا مرآة عاكسة للشعور الموحي بالتاريخ الأدبي والذي من خلاله نرى بشكل واضح الجذر الدرامي في موضوع ممنوع ... فالشيعة ترى من خلال هذا الأخير أداة أيديولوجية تستطيع من خلالها أن تنفذ إلى الأفق السياسي، أي أنها تريد أن تخلق شرخاً في قلب النظام المعارض دينيا لعقيدتها. وبهذه الكيفية لم تعد "التعزية" مجرد طقس ديني وإنما تصبح مشروعا سياسيا احترابيا خاصة عندما يطرح نفسه كحقيقة سياسية وليس دينية فحسب.

 

·     المسرح: تجربة جديدة

يقول "الومبيرAlembert " من خلال كتاب روجيه باستيد: ( إن الفن لم يعد مجرد محاكاة للطبيعة، بقدر ما هو تقليد للنشاط التقني للإنسان3). إن هذا الاستشهاد يحمل في جوهره نوعا من الرفض والإنكار للبحث الأنثروبولوجي الكلاسيكي. أي علينا ترك فكرة المحاكاة، والميل الغريزي للأشياء ونتجه صوب البراغماتية التي لم تعد فيها أنثروبولوجية الفن مكلفة بالغريزة الفطرية للإنسان وإنما في مدى تطوره التقني ... وإذ&